كان هذا كل ما حدث حتى الليلة التي سبقت حفل زفافي “الأول” من إريك.
وهو أيضاً ما حدث قبل قبلتنا… “الأولى”.
بانغ—!
تشيك، تشيك!
بانغ—!
تشيك، تشيك!
أنزلتُ يدي التي كانت تلتف حول عنق إريك وسط ضجيج الكاميرات الذي لا ينقطع. كان إريك ينظر إليّ بوجه متجمد، فوكزته في جنبه مهددةً إياه:
“ابتسم، قلت لك ابتسم.”
ارتجف وجه إريك من كلماتي، ثم رسم ابتسامة متكلفة غريبة.
’لقد كان يبتسم ببراعة عندما التقطنا الصور في الحديقة الملكية. آه، هل كانت تلك الابتسامة مزيفة حقاً؟ أم أنها كانت مجرد تشنج في عضلات وجهه؟‘
في تلك اللحظة، اندفع الصحفيون نحو الكاهن أندريا.
“هل صحيح أنك انتهكت قسم العفة وألحقت ابنك الحقيقي بمدرسة داخلية؟!”
“لقد كُشف أن ابنك الحقيقي سارق ومعتدٍ على محلات المجوهرات وهو مسجون الآن، هل من كلمة حول شعورك…!”
نظر أندريا إليّ وإلى إريك بوجه يائس وسط سيل أسئلة الصحفيين.
’هاه؟ من الذي سرب المعلومات للصحفيين؟ لا يمكن أن يكون إريك قد ارتكب خطأً فادحاً كهذا…‘
صرخ أندريا منتحباً:
“أيها الشاااااااب!”
كانت نظراته تقول إن الاتفاق كان مختلفاً.
“لقد قلتُ إنني سأعطيك المال، ولم أقل إنني سأستر على ابنك، أليس كذلك؟”
قال إريك ذلك وكأنه أمر بديهي.
شعرتُ بالقشعريرة تسري في جسدي. ’ألم يكن يحترمه بشدة ككاهن قبل قليل؟ حتى إنه تظاهر بأن اختطافه كان مرغماً من أجلي. ومع ذلك…‘
تمتمتُ قائلة: “واو… حتى في الأعمال السيئة، يجب أن تكون هناك أخلاقيات مهنية…”
فوبخني إريك قائلاً:
“إذا نكث الكاهن بقسمه، فعليه أن ينال العقاب.”
’حسناً، كلامه منطقي، لكنني لا أعرف إن كان عليّ اعتباره شخصاً سيئاً أم صالحاً.‘ شعرتُ بمشاعر مختلطة.
“ما الذي تفعلونه! التزموا بآداب الفروسية!”
“أنا أحمي السيد الشاب إريك!”
كان فرسان إريك وفرسان الدوقية لا يزالون في حالة مواجهة. ومن بينهم، كانت أمي تحدق بي بحدة.
’سأقتلكِ إن أمسكتُ بكِ.‘
قالت أمي ذلك بتحريك شفتيها فقط. بالأمس كنتُ قلقة من أن تحزن، لكن رؤيتها غاضبة هكذا جعلتني أشعر بالارتياح.
’يقولون إن الغضب علامة على الصحة الجيدة.‘
أومأتُ برأسي موافقةً. تظاهرت أمي بالإغماء وهي تمسك برقبتها من الخلف لتسقط في حضن فيليب. نظر فيليب نحوي وحرك شفتيه قائلاً:
’هل أنتِ مجنونة؟‘
آه، يا لها من فوضى عارمة ورائعة.
نظرتُ إلى قاعة الزفاف الجميلة وابتسمتُ بابتسامة عريضة.
تشيك!
بانغ!
تشيك!
بانغ!
’التقطوا الصور! التقطوا الكثير منها! ألا تريدون كسب المال؟ أيها الصحفيون الأوغاد!‘
شدد إريك قبضته على خصري وهو يراقبني وأنا أضحك بشر مثل شيطان سيطر على المعبد.
“خففي من وطأتكِ قليلاً.”
في تلك اللحظة، توقف فرسان الدوقية عن اعتراض الصحفيين وبدأوا بالاصطفاف في طابور واحد.
بدأ الجميع، الفرسان والصحفيون على حد سواء، ينظرون إلى مكان واحد. وكذلك فعلتُ أنا وإريك.
هناك، وقف “فالديك أورليان”، مرتدياً “كورسيه” جميلاً من زهور الليزيانثوس وقفازات بيضاء، متأنقاً كأنه بطل الحفل لهذا اليوم. كان ينظر نحونا بعينين حمراوين تلمعان بحدة.
’لقد جئتِ أخيراً، إيميلين. يبدو أن عائلة المحتالين هذه مترابطة تماماً. ربما كان من الأفضل قتلكِ بمسدس بدلاً من القوس والنشاب. والآن، أعطني تلك الوثيقة.‘
’ستقتلني حتى لو أعطيتك إياها، أليس كذلك؟‘
’سأقتلكِ حتى لو لم تعطيني إياها.‘
بمجرد رؤيتي للدوق، تبادر إلى ذهني الحلم الذي راودني مرة أخرى. لأن التعبير الظاهر على وجه الدوق الآن كان يشبه تماماً تعبيره في ذلك اليوم الذي قتلني فيه.
تعبير مليء بالغضب تجاه المتغيرات التي أفسدت خطته، ومع ذلك يحاول بشتى الطرق إخضاع الآخرين لسيطرته.
’هذا هو وجه المختل عقلياً بعينه.‘
تلاشى تعبير الغضب عن وجه فالديك أورليان فجأة عندما بدأ الصحفيون بتوجيه كاميراتهم نحوه. رسم ابتسامة خفيفة ومد يده برقي نحو الصحفيين المحيطين به.
“كفى، عليّ أن أتحدث مع ابني قليلاً الآن.”
ربما بسبب الهالة المنبعثة من كلمات فالديك، بدأت أصوات فلاشات الكاميرات تخفت تدريجياً.
مشى فالديك نحونا ببطء عبر الطريق الذي فتحه له الصحفيون. بدا أن الصحفيين يدركون جيداً أن عواقب عصيان أوامر الدوق ستكون وخيمة، كما أنهم قد التقطوا بالفعل ما يكفي من الصور.
أخرج إريك وثيقة زواجنا.
“لم تنسَ، أليس كذلك؟ الآن سأحميها…”
“أجل، أجل. أعرف، أعرف.”
أنهيتُ إجابتي وحدقتُ في فالديك الذي صار أمامي مباشرة.
نظر فالديك إليّ وإلى إريك بالتناوب بتعبير راقٍ، وحرك شفتيه كأنه سيتحدث، لكنني كنتُ أسرع منه.
جثوتُ على ركبتي أمامه بسرعة وصرخت:
“والدي! أرجوك أعطني ابنك! ها؟!”
في تلك اللحظة، بدأ وجه فالديك يتشوه بشكل مثير للسخرية. وانفجر إريك بضحكة ساخرة مكتومة. أما أصوات الفلاشات التي توقفت للحظة، فقد ملأت المصلى مرة أخرى كأنها عاصفة من الصواعق.
شعرتُ بوطأة ضربات تختلف تماماً في ثقلها عما رأيته سابقاً في مبارزات السيوف الكبيرة والصغيرة.
وهذا أمر طبيعي؛ فكل ما رأيته من قتال بالسيوف كان في أيام طفولتي حين كنت أنمو كالأعشاب البرية تحت إمرة “بيولورد” رئيس القافلة التجارية؛ حيث كان يلقي بمجموعة من اللصوص الصغار العزل ليقاتلوا مرتزقة قافلته كنوع من العقاب بعد محاولتهم الإغارة على القافلة.
مبارزات السيوف التي رأيتها وأنا في العاشرة من عمري لم تكن سوى مذابح وحشية تفتقر للرقي، لا أكثر ولا أقل.
لكن الأمر الآن كان مختلفاً. كان الفرسان، الذين يعادل الواحد منهم مئة رجل، يشتبكون وهم يحملون سيوفاً طويلة ثقيلة يبلغ وزنها نصف وزن امرأة بالغة مثلي، وكان الزخم المنبعث منهم مرعباً.
بدأت قاعة المعبد تمتلئ بنوايا القتل، فتوقف الصحفيون عن التقاط الصور ولاذوا بالفرار.
شعرتُ بضيق في صدري وبدأت ألهث بصعوبة. كان من الصعب الحفاظ على توازني الذهني وسط صرخات الألم والرنين المعدني المتواصل للأسلحة.
بسبب ذكريات طفولتي، بدأ العرق يتصبب من مؤخرة عنقي.
’هذا مزعج حقاً! لماذا كلما وقعتُ في موقف كهذا، يبدأ جسدي بالتعرق وتشرع يداي بالارتجاف؟‘
انطلقت شتيمة من بين شفتي:
“اللعنة!”
حاولتُ التماسك وسط ذهني المشوش وبحثتُ عن أي شيء يصلح كسلاح.
التعليقات لهذا الفصل " 32"