“أجل، ذلك اليوم! الخامس من نوفمبر! يا للسخرية… أنا لا أنسى هذا التاريخ أبداً. منذ ذلك اليوم والكونت قد أصابه خلل تماماً!”
إذن، عاد الحديث مجدداً عن ذلك اليوم.
اليوم الذي اجتمعت فيه إلينور والكونت روسفورد مرة أخرى. ‘إذن كان ذلك في الخامس من نوفمبر.’
“ما الذي حدث في ذلك اليوم بحق السماء؟”
“وهل لي أن أعرف أنا؟ الأجدر بكِ وبالكونت أن تعلما! لم أكن أعرف حتى أنكِ جئتِ إلى القصر بمحض إرادتكِ، وكنتُ أفتش كل حانات القرى المجاورة لسانتا بونسا منذ بداية نوفمبر، وظللتُ على هذا الحال خمسة أيام كاملة!”
“ها… لا أدري كيف كانت حالة الكونت الطبيعية، ولكن إن كان قد أصابه خلل ما، فلا شأن لي بالأمر. لا بد أن شيئاً آخر قد حدث خلال تلك الأيام الخمسة.”
أجبتُ ببرود وعدم اكتراث، لكن دانيال رمقني بنظرة حادة وثابتة وقال:
“كلا! بل أنتِ من تسببتِ في تعطيله!”
“قلتُ لك ليس أنا! هناك أسباب أخرى كثيرة قد تجعله يؤجل عودته، أليس كذلك؟ أرى أنه يستثمر بحماس في الشركات الأمريكية.”
“استثمار؟ تلك القروش الزهيدة أين ستُصرف؟! هل تدركين حجم الخسائر التي يتكبدها الكونت في وطنه بسبب تأجيل عودته؟ هناك جبل من الأعمال التي يجب عليه العودة إلى إنجلترا لإنهائها فوراً.”
“إذن لماذا لا تسأل الكونت مباشرة عن سبب عدم عودته؟”
“لأنني حين أسأله لا يجيب!”
في النهاية، ضيقتُ عينيَّ ارتياباً لأن كلامه بدا بلا أساس، لكن دانيال لم يتوقف.
“إن لم يكن الأمر بسببكِ، فلماذا تظنين أن الكونت ذهب إلى قرية لا كولادا؟”
“…هل تقصد ذلك اليوم الذي التقينا فيه أمام مدخل القرية؟”
قطبتُ حاجبيَّ وأنا أستحضر ذكرى يومي الأول في هذا العالم.
تلك العربة السوداء التي وصلت أمام لافتة قرية لا كولادا بينما كنتُ في شجار مع جو. وحين ظهر بنجامين وحلَّ الموقف، عادت العربة أدراجها دون أن تدخل القرية حتى…
“من الواضح أنه ذهب ليرى كيف حالكِ مرة أخرى! ومع ذلك، بعد عودته من لا كولادا، تعلل بأن مزاد العبيد غير القانوني يشغل باله وما إلى ذلك، وأجّل الإبحار مرة أخرى… أعني، هذه ليست مقاطعة روسفورد، فما شأنه هو بوجود مزاد غير قانوني في بلد آخر؟!”
“ليس الأمر كذلك… مزاد العبيد قضية خطيرة، أليس كذلك؟ إنه انتهاك صارخ لحقوق الإنسان…”
“صحيح، إنه أمر خطير! ولكن هل هذا فقط هو الخطير؟!”
بدأ دانيال المنفعل يرشق الكلمات بحماس.
“قلقه عليكِ وأنتِ محتجزة عند ذلك الوغد في لا كولادا كان خطيراً أيضاً، ورؤية وجه الشخص الذي ظهر بصفته خطيبكِ كان خطيراً في وسامته لدرجة منعته من الرحيل! وهكذا ظل يؤجل الأمر أسبوعاً تلو الآخر… آه، هل تدركين لماذا أجل تذاكر السفينة البخارية المتجهة إلى بنما في الأسبوع الماضي؟”
“…؟”
في الأسبوع الماضي، كنتُ حبيسة قصر لونغكليف. وكان الكونت يهددني بأنه سيأخذني قسراً إلى إنجلترا بمجرد توفر رحلة بحرية.
‘كنتُ أظن أنني انتظرتُ لأن الرحلات لم تكن متوفرة بكل بساطة؟’
“يقول إن المكافأة التي يفترض أن تتسلميها هنا لم تخرج بالكامل بعد! يا للسخرية…!”
“كلا، لا يمكن أن يكون هذا هو السبب. لقد أخبرني الكونت أنه بمجرد إيصالي إلى إنجلترا، لن يبالي سواء متُّ جوعاً أم لا.”
حين حاولتُ تصحيح سوء فهم دانيال، لم يتقبل الأمر بل أخذ يضرب صدره كمداً وكأنه سيموت من شدة الإحباط.
ولكن في تلك اللحظة، تجاوزت العربة المفترق ودخلت المنطقة التي يظهر فيها فندق جراند سانتا بونسا، فصمت السائق وهو يزفر حنقاً.
أنا أيضاً لزمتُ الصمت ولم أعد أرغب في الجدال.
كانت الحشود التي تتوق لسماع أخبار الكونت روسفورد تملأ المكان أمام الفندق، وبدا المشهد فوضوياً حتى من بعيد.
“آنسة والتون! ما هي طبيعة علاقتكِ بالسيد روسفورد؟”
“هل ستتزوجين حقاً من خطيبكِ السيد كاسيل؟”
“ماذا قال لكِ الكونت حين غادرتِ القصر اليوم؟”
بمجرد اقتراب العربة، تداخلت أصوات الناس لدرجة استحال معها سماع أي شيء بوضوح.
كان حرس الكونت الذين يرتدون ملابس مدنية قد فرضوا سيطرتهم على المكان من العربة حتى مدخل الفندق لفتح طريق لنا، لكنهم لم يستطيعوا تكميم أفواه الناس.
رأيتُ وجوه الحاضرين المليئة بالدهشة والترقب، وقبل أن يمد دانيال يده ليساعدني، قفزتُ من مقعد السائق بجرأة أمام أعين الجميع.
ولأن تصرفي كان غير لائق لكنه اتسم بثقة تامة، اتسعت أعين الناس وساد الصمت للحظة.
“حقاً، منظر المدينة من مقعد السائق له سحر خاص! لقد استمتعتُ كثيراً.”
غمزتُ لدانيال ثم نظرتُ إلى الحشد بابتسامة هادئة وكأنني نجمة سينمائية تدخل حفل توزيع جوائز. وحين هموا بالصياح مجدداً، رفعتُ إصبعي المكسو بالحرير إلى شفتيَّ.
“الأسئلة لاحقاً. فلا شيء قد تقرر بعد.”
وقبل أن يستفيقوا من ذهولهم، تقدمتُ بابتسامة نحو بنجامين الواقف أمام باب الفندق.
أما دانيال، فقد تبعني بسرعة وهو يحمل بندقيته على كتفه، وعلى وجهه تعابير لا توصف.
“إيلي.”
كان بنجامين يراقب المشهد بتعبير مستمتع.
كان يرتدي بذلة أنيقة لم أرها عليه من قبل؛ معطفاً باللون الأخضر المزرق الداكن، تحته صديري بلون العاج الفاتح، وفوق قميصه الأبيض ربطة عنق بو تاي من الحرير اللامع بنفس لون المعطف.
وبدلاً من قبعة الكاوبوي التي اعتاد ارتداءها، وضع قبعة فيدورا بيضاء ناصعة ذات حواف قصيرة. وبدا أنه جاء في عربة لا على ظهر حصان، إذ كان شعره المصفف بعناية يكشف عن جبهته بوضوح دون أي بعثرة.
كان وقوف ذلك الشاب الأنيق أمام بوابة الفندق الضخمة تحت أشعة الشمس يشبه غلاف مجلة.
“السيد كاسيل، حتى اسمه كاسيل…”
“لو كان لي خطيب بهذا الوسام، فلن أحسد أحداً في هذا العالم.”
كانت النساء المتجمعات حوله يغرقن في أجواء مختلفة تماماً عن أولئك الذين تجمعوا حول العربة؛ فعدد النساء اللواتي توقفن مأخوذات بمظهره كان يفوق عدد الصحفيين.
وعلى الرغم من أن ثرثرة النساء كانت تصل إلى مسامعه بكل تأكيد، إلا أنه لم يظهر عليه أي ارتباك، وظل يثبت نظره عليَّ وحدي.
“أهلاً، إيلي.”
ألقى التحية بوجه مشرق حين اقتربتُ منه.
“أهلاً.”
حين أجبتُ ببرود، مدَّ يده التي كان يخفيها خلف ظهره فجأة نحو الأمام.
“هاكِ، خذيها.”
“…”
كانت باقة من زهور الياسمين الأبيض. وبمجرد أن وُضعت تلك البتلات البيضاء الصغيرة والجميلة بين يدي، انبعثت منها رائحة حلوة وذكية.
“يا إلهي…!”
انطلقت شهقات الإعجاب من حولي أولاً.
في الغرب القاحل، وفي فصل الشتاء تحديداً؛ لم أتوقع أبداً أن أرى باقة زهور بهذا الجمال، لذا لم تستطع شفتاي أن تنطقا بكلمة عتاب واحدة.
“…إنها جميلة.”
عند سماع تلك الكلمة، بدت على وجه بنجامين علامات السعادة وكأنه ملك العالم بأسره.
“بالطبع، لكنها لا تضاهي جمالكِ.”
تجنبتُ نظرات الحسد المنهالة عليَّ، وأخذتُ الباقة بسرعة ثم خطوتُ نحو داخل الفندق.
أما بنجامين، فقد تبعني بخطوات هادئة وهو يستمتع بكل لحظة من رد فعلي.
كان الفندق يبدو مختلفاً تماماً عما كان عليه في زيارتي الليلية السابقة.
فالمكتب الذي كان يجلس خلفه موظف واحد للمناوبة الليلية، كان الآن يعج بالموظفين ذوي الملابس اللائق والتعامل المهذب. كانت الردهة تضج بالنزلاء من الطبقات الراقية، وكلما توغلنا في الداخل، ازداد الديكور فخامة وبهاءً.
وكان الجميع، دون استثناء، يختلسون النظر إلينا بعد أن شهدوا الضجة التي حدثت خارج الفندق.
“نادي كبار الشخصيات يقع في الطابق الثاني.”
“…….”
تبعتُ بنجامين دون أن أنبس بكلمة، وصعدتُ الدرج المؤدي إلى المنطقة الواقعة خلف الردهة.
“من أين حصلتَ على شيء كهذا بحق السماء؟”
سألتُ بنجامين بينما كانت الرائحة المنبعثة من باقة الزهور تستحوذ على انتباهي رغماً عني.
“لقد جندتُ كل معارفي في سانتا بونسا وطلبتُ منهم إحضار أي نباتات منزلية مزهرة في الوقت الحالي.”
“أكان ذلك ضرورياً؟”
“إنه موعدنا الأول بعد طول غياب.”
‘أعلم أن همسه وكأنه أكثر الرجال حناناً في العالم ليس سوى كذبة. لكن أداء بنجامين الممزوج بملامح وجهه كان متقناً لدرجة أنني قد أنخدع به لو غفلتُ للحظة واحدة.’
“في الحقيقة، كنتُ أرغب في الحصول على أزهار التوليب الأرجوانية التي تحبينها، لكنني بحثتُ في كل المنازل التي تمتلك صوبات زجاجية ولم أجد زهور توليب مزهرة في أي مكان. لذا، تجاوزي عن الأمر واقبلي هذه.”
“عن أي تجاوز تتحدث؟ لقد أحضرتَ هذه الباقة لتستعرض بها أمام الآخرين لا من أجلي.”
لم أتمكن من الإفلات من تلك النظرات المتطفلة والملحة إلا بعد دخولنا إلى نادي كبار الشخصيات.
كان هناك أشخاص من الطبقة الراقية داخل النادي ممن جاؤوا لاحتساء القهوة أو الجلوس عند الحانة، لكنهم اكتفوا بنظرة خاطفة نحونا عند دخولنا، ولم يستمروا في المراقبة بوقاحة أو يثيروا الجلبة.
حين جلستُ في مواجهة بنجامين على طاولة مغطاة بمفرش أبيض، جاء دانيال ووقف خلف ظهري.
“تبدين جميلة بشكل باهر اليوم، إيلي.”
وضع بنجامين يده فوق يدي على الطاولة بحركة طبيعية تماماً.
وعندما سحبتُ يدي بسرعة، ابتسم باتساع وكأنه يرى في رد فعلي قدراً من اللطافة.
التعليقات لهذا الفصل " 42"