اختفت نظرة الارتباك التي كانت تكسو عينيها قبل قليل، وحلت محلها نظرات السيدة الهادئة والرزينة التي عهدتها دائماً.
“كنتُ قد عزمتُ على ألا أشغل بالي بكِ مجدداً، لكن الأمور حقاً لا تسير وفق هواي.”
“…. سيدة فيذرستون.”
“يبدو أنكِ لم تكوني بخير خلال هذه الفترة. تقفين هنا في هذا الجو بلا معطف ولا قبعة.”
تحت سماء رمادية كئيبة تطل من بين الجدران الحجرية الموحشة، وقفت مدبرة المنزل ذات الطباع الصارمة. كانت ترخي حاجبيها اللذين يوحيان بالشدة وترتسم على وجهها ابتسامة باهتة.
رمشتُ بعينيّ بذهول.
“آه… لقد فقدتُ القبعة التي أعطيتِني إياها. أنا آسفة حقاً.”
بمجرد أن نطقت بتلك الكلمات، شعرت بحرقة تخنق حنجرتي.
أطبقتُ أسناني بقوة وأطرقتُ برأسي، فانسابت حاشية تنورة السيدة السوداء مقتربةً مني. وفجأة، شعرتُ بلمسة قماش ناعم يحيط بعنقي.
“لا يمكنني خلع شالي وإعطاؤه لكِ، لذا لفي هذا الوشاح على الأقل. إذا كانت آنسة شابة مثلكِ ترتجف هكذا، فماذا سيحل بي إن خلعتُ شالي؟”
حينها فقط أدركتُ أن جسدي كان يرتعد.
“سيدتي… كيف انتهى بكِ الأمر هنا…؟”
“لا نبقَ هكذا هنا، فلندخل إلى مكان دافئ لنتحدث.”
خرج صوتها دافئاً كصوت شخص ناضج وحنون؛ ذلك الصوت الذي لم أسمعه قط في الكوخ، بل كانت تستخدمه فقط عندما تتحدث مع بنجامين.
***
اقتادتني السيدة إلى صالون يضم صالة مقامرة يقع في الساحة. ربما اختارت ذلك المكان لقربه، أو ربما ظنت أنه نوع الأماكن التي تستهويني.
وعلى الرغم من أن الصالون كان أول مكان استيقظتُ فيه في هذا العالم، إلا أنني لا أزال أجد صعوبة في التأقلم مع أجوائه.
“المقاعد الداخلية أكثر دفئاً، هل أنتِ بخير هنا؟”
“…. نعم، أفضل البقاء هنا.”
جلستُ في مواجهة السيدة فيذرستون على مقعد بجانب النافذة قرب الباب حيث يتسلل الهواء.
كان عدد المقامرين الجالسين حول الطاولات في الداخل يفوق بكثير عدد المحتسين للخمر عند الحانة.
لم أدرِ أين أولي وجهي بسبب الفتيات اللواتي يتجولن بملابس كاشفة بين الرجال المنهمكين في لعب الورق. لكن المشكلة الأكبر كانت دخان السيجار الذي يملأ المكان كغيمة رمادية كثيفة.
“تبدين حقاً كشخص مختلف تماماً.”
“ماذا؟”
“لم أكن أحلم قط بأنني سأراكِ، آنسة والتون، في مكان كهذا.”
راحت السيدة فيذرستون تتفحص وجهي بهدوء.
شعرتُ بالخجل من مظهري الذي أصبح أكثر بؤساً بعد مغادرتي للكوخ.
لقد واجهتُ الكثير من الصعاب منذ افترقنا، لكن الوقت لم يكن مناسباً للشكوى والنواح على حالي.
“ما الذي أتى بكِ إلى سانتا بونسا؟ كان ينبغي أن تكوني في لا كولادا.”
سألتُها بحذر.
فمع دخولي إلى هذا المكان الدافئ، شعرتُ أن عقلي بدأ يعمل من جديد.
في الواقع، ما أردتُ معرفته حقاً هو ما إذا كان بنجامين قد يئس تماماً من البحث عني، لكن السيدة لم تجب على سؤالي الملتف والتزمت الصمت.
“…….”
كلما طال الصمت، ازداد قلقي.
فمنذ وصولي إلى سانتا بونسا، لم أسمع أي خبر عما حدث لبنجامين.
ظننتُ أنه ربما قرر نسيان خطيبته الهاربة وعدم البحث عنها، إلى أن اصطدمتُ بالسيدة فيذرستون مجدداً.
“هل جئتِ للبحث عني؟”
سألتُها مجدداً بحذر.
لكن لو كان الأمر كذلك، لما غادرت السيدة فور رؤيتي، وهو أمر لم أفهمه.
وبينما كانت السيدة تهمّ بالرد، قاطعنا صوت غليظ.
“أنتم هناك، ماذا ستطلبون؟”
كان الساقي الواقف خلف الحانة.
يبدو أنه قدر من مظهري أنني لا أستحق الاحترام، فلم يكلف نفسه عناء الاقتراب، بل صاح من مكانه بوقاحة تامة.
نظرتُ إلى السيدة فيذرستون التي التزمت الصمت، ثم التفتُّ بتردد إلى الساقي وسألتُه:
“…. هل لديكم مشروبات أخرى غير الكحول؟”
بمجرد رؤية تعابير وجهه الممتعضة، عرفتُ الإجابة قبل أن ينطق بها.
“نحن لا نبيع إلا الخمر!”
بدت السيدة فيذرستون مذهولة من سؤالي وكأن الشمس ستشرق من المغرب، لكنها سرعان ما تداركت الموقف لتصلح الأمور.
“أعطنا كوباً واحداً من مينت جولييب فقط.”
“كلا، يجب أن تطلبوا بعدد الأشخاص الجالسين.”
رد الساقي بوجه جامد وهو لا يزال يحدق بي بحدة.
“أمممم….”
كنتُ في حيرة من أمري. وددتُ لو أقول له “أحضر أي شيء”، لكنني لا أستطيع شرب الكحول وفي أحشائي طفل.
“إذن سآخذ شيئاً لآكله….”
“لدينا اليوم لحم ضأن مشوي وسجق مدخن.”
قاطع الساقي الفظ كلامي ليعرض قائمة الطعام. ولا أدري إن كان يمكن تسمية ذلك عرضاً، لكن بمجرد سماعي للكلمات، تخيلتُ رائحة الزفر وانقلبت معدتي فوراً.
‘تباً.’
أدركتُ في تلك اللحظة أن أعراض الوحم لم تنتهِ بعد. وكدتُ أتقيأ أمام السيدة فيذرستون.
“طبق لحم الضأن بدولارين، والسجق بدولار ونصف.”
ابتلعتُ غثياني بصعوبة، ونظرتُ بحدة إلى الساقي الذي كان واثقاً تماماً من أن حقيبتي لا تحتوي حتى على دولار ونصف.
“لا أريد لحماً، أعطني أي طبق جانبي خفيف. سلطة خضراء مثلاً….”
“طبق جانبي؟ أي سلطة تقصدين؟”
سأل الساقي بصوت عالٍ وعلامات التعجب تملأ وجهه.
وانفجر الزبائن الآخرون في الصالون بالضحك في آن واحد.
“هاها! هل حلت علينا آنسة نبيلة رفيعة الشأن؟ من أين لنا بالسلطة في مكان كهذا؟”
“واهاهاهاها!”
في قصر لونغكليف، كانت السلطة الطازجة تُقدم يومياً كشيء بديهي.
وبالطبع، كان الكونت روسفورد نبيلاً عظيماً، ولكن….
“أحضر لها طبقاً من البسكويت فحسب. آنستي، إن كنتِ تكرهين اللحم، فهذا أفضل خيار لكِ.”
تجاهلت السيدة فيذرستون سخرية الرجال، وتدخلت مرة أخرى لتنقذ الموقف.
ورغم استغرابي من رد فعل الناس، إلا أنني تفهمتُ أن الحصول على خضروات طازجة قد لا يكون بالأمر السهل هنا.
ظل الساقي يسخر مني بصمت، لكنه توقف عن الكلام. ومع ذلك، لم أستطع منع نفسي من الشعور بالمهانة.
‘كل ما في الأمر أنني فكرتُ في أنني، إن كان لا بد لي من الأكل، فسأكتفي بمضغ بعض الأوراق الخضراء عديمة الرائحة لتجنب الغثيان…. ولأنني أردت الاهتمام بصحتي وصحة الجنين بتناول الخضروات الورقية بما أنه لا يوجد حمض فوليك كأقراص في هذا العصر…. لقد كانت فكرة طيبة مني….’
آه، لا شك أن الهرمونات بدأت تعبث بي.
كنتُ بخير عندما كنتُ في القصر، فلماذا بمجرد خروجي بدأت أشعر بكل هذا….؟
وما زاد الطين بلة هو وضع طبق البسكويت وبعض الجبن أمامي، حيث بدأت رائحتهما تجعل معدتي تضطرب.
‘هذا الطفل حقاً لا يطاق!’
لقد أكلتُ البسكويت الذي أعطتني إياه العجوز بيرنز في العربة بكل شهية، فلماذا الآن!
‘هااا…. يجب ألا أتقيأ. لا تشمي الرائحة! فكري في شيء آخر بسرعة.’
حاولتُ جاهدةً نسيان وجود طبق البسكويت أمامي، ورحتُ أحدق في كأس الخمر الموضوع أمام السيدة، فتنهدت السيدة بعمق.
“في لحظات كهذه، أتأكد أنكِ حقاً الآنسة والتون.”
“….؟”
“في نظري، لا أرى أنكِ بحاجة لخسارة المزيد من الوزن، ولكن إن كان تناول القليل من البسكويت يزعجكِ إلى هذه الدرجة، فببساطة لا تأكلي. ولا تمدي شفتيكِ هكذا كالأطفال.”
جعلتني كلماتها أشعر بمزيد من الحزن لدرجة أنني فقدتُ السيطرة على مشاعري تماماً، وكدتُ أنفجر بالبكاء.
‘لماذا يتعين عليّ أن أقاسي كل هذا العذاب بسبب طفل إلينور!’
“يا إلهي، حسناً، كفى. سآكل البسكويت كله وحدي، ولا تلمسيه أبداً يا آنسة.”
“…….”
يبدو أن السيدة فيذرستون ظنت أن صمتي المفاجئ ليس إلا تصرفاً طفولياً كالعادة؛ فسحبت طبق البسكويت نحوها وبدأت تسرد ما حدث في الكوخ خلال غيابي.
وفقاً لكلامها، فإن السيد فيذرستون استأجر حصاناً في الصباح الباكر من اليوم الذي هربتُ فيه، وذهب ليخبر بنجامين بالحقيقة.
ومع ذلك، فإن بنجامين لم يعد إلى الكوخ إلا بعد مرور يوم كامل على سماعه الخبر، ولم ينطق بكلمة واحدة عما إذا كان قد بحث عني أم لا. ولم يوبخ الخدم لسماحهم لي بالرحيل، خلافاً لتوقعات السيدة.
“ثم استدعاني صباح الأمس وطلب مني طلباً؛ قال إنه يعرف مكان تواجدكِ، وبما أنه يعلم أنكِ لن ترغبي في رؤيته، فقد طلب مني أن أذهب لزيارتكِ.”
توقفتُ عن نشيحي ونظرتُ إليها بقلب يرتجف صدمة.
“مستحيل، كيف عرف مكاني…؟”
“عندما ذهبتُ إلى قصر لونغكليف، أخبروني أن الآنسة قد خرجت.”
“ماذا تقولين؟”
قفزتُ من مقعدي كأنما وخزني شيء ما.
‘هل كان يعلم بوجودي في لونغكليف؟ لا، الأهم من ذلك….’
“متى حدث هذا؟”
“صباح هذا اليوم.”
لقد تركتُ رسالة لـ مايبل أرجوها فيها أن تتظاهر بعدم المعرفة حتى حلول المساء. لكن إن كانت السيدة فيذرستون قد زارت القصر صباح اليوم، فهذا يعني أن الجميع في قصر لونغكليف قد علموا بالفعل بأمر اختفائي.
التعليقات لهذا الفصل " 33"