0
المقدّمة
كانت يد ريجيوس تمتد نحو تلك اليد المتشبثة بجذر الشجرة بيأس، فمدّ ذراعه إلى أبعد حدّ استطاعه. لكن أيديهما لم تمسك ببعضها. قليلٌ فقط، لو استطاع أن يمدّ ذراعه أكثر بقليل لكان قد أمسك بتلك اليد لسحبها نحوه. غير أنّ المسافة لم تضق أبدًا.
هبت الرياح العاتية على شعر إيفيليا الناعم، البني الكراميلي، ذلك الشعر نفسه الذي لامسه بشفتيه من قبل، والآن أصبح متشابكًا وفوضويًا. توسّل ريجيوس بيأس.
“إيفيليا. أرجوكِ، أمسكي يدي.”
لم تنظر إليه إلا بعينين حزينتين.
“ألهذا الحدّ كنتَ تكرهني؟”
“عمّ تتحدثين؟”
لو أنها فقط مدّت يدها وسمحت له بالإمساك بها، لفعل أيّ شيء. تساقطت الحصى الصغيرة والتراب من جذر الشجرة إلى الفراغ أسفلها.
“إذا رَحلتُ، هل سيجعلك ذلك سَعيدًا؟”
لا. أرجوكِ، لا تقولي مثل هذه الأشياء. كانت على وشك السقوط، ولم يستطع أن يدع ذلك يحدث. لم يكن بوسعه أن يفقدها بهذه الطريقة.
امتلأت عيناها بالحزن، وخلفه يأسٌ، واستسلام. كان ريجيوس يعلم بالفعل ما ستقوله تاليًا. أرجوكِ، لا. لا تقولي تلك الكلمات مجددًا. صرخ الرجاء في قلبه، لكن شفتيه لم تنطقا بشيء.
“……سأعطيك هذا. أعتقد أنه سيعجبك.”
بقسوة، نطقت إيفيليا تلك الكلمات مجددًا. كلماتٍ قد سمعها مئات، آلاف المرّات. ولم تفشل يومًا في تمزيق قلبه.
“قد لا تصدّق، لكن يا ريجيوس، أ-أنا حقًا أحبك…….”
عندما قالت تلك الكلمات، أدرك ريجيوس ما كان يدور في ذهنها. في عينيها الجميلتين انتشر الاستسلام كالحبر. وكأنها قبلت أن تترك مصيرها للمجهول. والذي دفعها إلى ذلك لم يكن أحدًا سواه، بل هو.
“لا، لا، إيفيليا، لا تفعلي هذا.”
أرجوكِ. مالَ ريجيوس بجسده إلى الأمام، مخاطرًا، ليحاول الوصول إليها مجددًا.
لكن، هل كان قد حاول حقًا بما يكفي؟
هل حاول إنقاذها حقًا؟
“……وداعًا.”
كيف استطاعت قول ذلك؟ انغرس ذلك في ذاكرته، ممزقًا قلبه.
“إلى اللقاء.”
وبتلك الكلمة الأخيرة، تلاشت قوتها، وتركت يدها ما كانت تتشبث به.
“هاه!”
شهق ريجيوس مستيقظًا، واعتدل جالسًا فجأة.
جسده مبلل بالعرق البارد، وكان قلبه يخفق بعنف في صدره. التقط أنفاسه، ثم زفر بارتجاف، قابضًا على صدره كمن يحاول تخفيف الألم.
كان الظلام ما يزال مسيطرًا خارجًا. نهض من السرير وأشعل المصباح. كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحًا.
آخر مرة نظر فيها إلى الساعة كانت الثانية. لا بد أنه غفا قبل أقل من ساعة بعد طول تقلّب.
ارتمى على الأريكة. كان يعلم أنه لن يتمكن من النوم مجددًا. ساعة أو ساعتان من النوم، كان ذلك أقصى ما يناله هذه الأيام، وقد استمرّ الأمر لسنوات.
كان هذا كابوسه. لا، ماضيه وحاضره. لم يكن حلمًا على الإطلاق؛ لقد حدث حقًا. وفي كل ليلة، يعاود المشهد الظهور أمام عينيه.
اللحظة الأخيرة للفتاة التي عجز عن إنقاذها.
“إيفيليا…….”
همس باسمها.
لقد مرّت سنوات. صار فتى الأمس رجلاً، أطول، وأعرض، مكتمل البنية. لكن الفتاة التي فقدها ظلّت شابة إلى الأبد في داخله.
“إنها غلطتي.”
طلب الغفران، ولم يكن هناك من يسمعه.
“أرجوكِ، عودي. كنتُ مخطئًا.”
ما يزال يبحث عنها. منذ ذلك اليوم، جاب الإمبراطورية، ينشر بلاغات البحث، ويسافر من مدينة إلى أخرى. ومع ذلك، لم يجد إيفيليا في أي مكان.
“أنتِ على قيد الحياة…أليس كذلك؟”
ارتجف صوته. غطّى وجهه بيديه المرتجفتين.
“أرجوكِ، قولي إنكِ ما تزالين على قيد الحياة. لا تجبريني على الاستسلام.”
لم تمدّ يدها نحوه في ذلك اليوم. ولو فعلت، لو أنها فقط فعلت، لكان استطاع سحبها. كانت فجوة صغيرة جدًا، لكنها لم تفعل، وتلاشى الأمل معها.
“أرجوكِ، عودي.”
كان هو من دفعها إلى ذلك، كبرياءً أو خوفًا، أنكر مشاعره. أقنع نفسه أن الحب الذي شعر به تجاه تلك الفتاة الثمينة، المشرقة، لا يمكن أن يكون حبًا. وهكذا فقدها.
في كل ليلة، كان يشهد رحيلها مجددًا. ولم يكن يستطيع البكاء. كان ذلك عقابه.
يتبع في الفصل القادم.
التعليقات لهذا الفصل " 0"