2 - 2
کرا – رامبل
بعد دوي الرعد تردد صدى انفجار البارود. انفجر جزء من قلعة روتغارت، ثم بدأت تنهار في سلسلة من الانفجارات.
تحدث إيزكيل شوابن الذي كان يشاهد المشهد، بصوت لا يرحم.
” من يقبض على الأميرة المزيفة، سيحصل على لقب بارون. ومن يقبض على ثيودور روتغارت، سيحصل على قصرين كمكافأة.”
ثم تحدث مرة أخرى بعد لحظات.
“إذا هربوا، فسيتحمل كل من كان موجوداً هنا المسؤولية.”
فلاش !
أضاءت صاعقة البرق العالم ببياض ناصع للحظة قبل أن يعود الرعد من جديد في الظلام، لم يبق سوى دوي الظلام مجددًا.
شعره الفضي يطفو، متلألئا كضوء القمر.
تمتم أحد المساعدين الواقف بجانب إيزكيل كما لو كان يحدث نفسه.
“يا للعجب! إنه يدمر قلعته بنفسه…”
“لا بد أن يكون الأمر خدعة للسماح للأميرة المزيفة بالهروب وسط هذه الفوضى.”
في الواقع، كان خط الحصار التابع للجيش الإمبراطوري يتذبذب بسبب محاولة الناس الهروب من انهيار القلعة.
ظن المساعد أن أسر الأميرة أوليفيا سيكون صعباً. كان الليل قد حل، والطقس كان سيئاً للغاية. تدفق الناس من داخل القلعة محدثين فوضى عارمة. امتثالاً للأوامر بعدم السماح لأي شخص بالفرار، وجه الجيش الإمبراطوري رماحه حتى نحو كبار السن والأطفال.
في تلك اللحظة بالذات انطلقت صرخة جديدة من جهة البوابة الرئيسية.
” من أجل شرف روتغارت”
” من أجل شرف روتغارت !!!”
أطلق أحدهم الصيحة، وتبعه الفرسان والجنود. ضيق إيزكيل عينيه ونظر في ذلك الاتجاه.
اخترق هدير جيش روتغارت صوت المطر، مدوياً في السماء. كان هديراً مليئاً بالحماسة، لكنه بدا لإزكيل كصرخة موت.
انصرف انتباهه الآن عن ساحة المعركة إلى أمور أخرى. فمهما بلغت براعة ثيودور روتغارت في القتال، ومهما كانت نهاية جيشه مجيدة، فإن هزيمتهم أمام القوة العسكرية الجارفة كانت حتمية. هذه المرة، سيموت ثيودور لا محالة.
المشكلة الوحيدة المتبقية كانت الأميرة أوليفيا.
“لا بد أن هذه حيلة لمساعدة الأميرة على الهروب .”
تابع إيزكيل مسار أفكاره، مستهزئاً بعزيمة الآخرين في مواجهة الموت والحياة باعتبارها مؤامرة تافهة.
كانت الأميرة أوليفيا مجرد ذرة غبار في المكائد السياسية التي نسجتها عائلة شوابن العائلة الأقوى في إمبراطورية سيراه كلا لم تكن ذرة غبار، بل شوكة بدت كعيب تافه، لكنها كانت قادرة على تمزيق نسيج رقيق إلى أشلاء في لحظة.
انهارت خطة شوابن للاستيلاء على العرش سلمياً، بحيث لا يعترض أحد بسبب وجود الأميرة أوليفيا. قبل اثنين وعشرين عاماً، حين تركوا طفلة حديثة الولادة تفلت من بين أيديهم، لم يكن أحد ليتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
وأصبحت تلك المرأة نقطة ضعف بالنسبة له أيضاً.
تذكر إزكيل وجهها. بشرتها الشاحبة وعيناها الفيروزيتان اللتان امتلأتا بالرعب. وجسدها النحيل الذي كان يرتجف.
كانت خطيبته، الأميرة لويلا، من الواضح أنها كانت أقرب إلى ذوقه، ولكن الغريب أن ذلك الوجه لم يغب عن ذهنه.
كان عليه فقط أن يمسك بها. لو استطاع فقط أن يمسك بها…. بمجرد أن يمتلكها، ستختفي تلك الرغبة المزعجة التي كانت تسيطر على عقله. يمكنه ببساطة أن يقتلها بعد ذلك.
كان ذلك حينها.
“صاحب السعادة!”
اقترب فارسان من المكان الذي كان يقف فيه بخطوات سريعة.
نظر إيزكيل نحوهما.
وقعت امرأة مغطاة بالطين في قبضة الفرسان. انهمر المطر على شعرها الأشقر المتشابك، فجعله يلمع وهو يعكس ضوء الشعلة.
“.أوه”
خفت حدة ملامح إزكيل الباردة. ثم أبلغ الفارس.
” عثر عليها جندي كان ينتظر بجانب النهر.”
“كافئوهم. وأنتم أيضاً، أيها السادة.”
أشار بعينيه إلى مساعده، فأومأ المساعد برأسه. سيكتشف لاحقا رتبة الجندي واسمه، وسيمنحه المكافأة الموعودة. وينطبق الأمر نفسه على الفرسان الذين أحضروها.
“اسمح لها أن تذهب.”
بعد صدور الأمر، دفع الفرسان أوليفيا إلى الأمام، وكادوا أن يرموها أمام إزكيل.
كانت شفتا أوليفيا شاحبتين كالموت. وضع إزكيل يده المغطاة بقفاز جلدي على خدها ، سيموت ثيودور قريبًا، وستؤسر أوليفيا. كانت هذه أفضل نتيجة ممكنة. شعر إيزكيل برضا بالغ.
“لقد مر وقت طويل يا سيدتي أوليفيا.”
“…….”
ارتجف جسد أوليفيا بالكامل، كما لو أنها غمرها شعور بالاشمئزاز.
“كان عليكي أن تبذلي جهداً أكبر لو كنت تريدين الهروب. لقد كان موت الكونت روتغارت عبثاً.”
“…يدك”
“همم ؟ “
“أبعد يدك عني. هذا مقرف.”
لفظت أوليفيا الكلمات بصعوبة، وبدا وجهها وكأنها على وشك التقيؤ. لكن إيزكيل بابتسامة عريضة اتسعت عيناه وكأنه سمع للتو مجاملة، أمسك بخصلة من شعر أوليفيا.
“آه”
كيف تجرؤين على أن تكوني وقحة إلى هذا الحد؟”
جذب شعرها بقوة نحو مؤخرة عنقها، مما أدى إلى ارتداد رأسها للخلف. نظر إيزكيل عينيه تشعر بالإثارة إلى عنقها الأبيض المكشوف. ارتجف جسد أوليفيا بين ذراعيه.
السبب الوحيد الذي جعله يكبح جماحه هو أن الجزء الأكثر إثارة لم ينته بعد.
بيد قابضة على شعر أوليفيا، وذراع أخرى ملتفة حول خصرها كما لو كان يرافق حبيبةً في حفل راقص، سار إلى مكان يُطل على ساحة المعركة انتفضت أوليفيا وكأنها تقاوم، لكن دون جدوى أمام قوة إيزكيل.
أغمضت أوليفيا عينيها بشدة وأدارت رأسها، وكأنها تحاول ألا ترى ذلك المنظر المروع. أمسك إيزكيل بمؤخرة رأسها ليثبتها في مكانها، وأمرها.
“افتحي عينيك يا أوليفيا. يجب على الأميرة أن تفعل ذلك. عليك أن تشاهدي اللحظات الأخيرة للفارس الذي يضحي بحياته من أجلك بعينيكي. أليس هذا صحيحاً؟”
“اوف….”
” إنهم جميعاً يموتون بسببك.”
انهمرت دموع أوليفيا على خديها، فلعقها إيزكيل بفرح. كان من المؤكد أنه من الصعب إيجاد مشروب أحلى من هذا.
“توسلي إلي.”
“لا”
“إذا توسلتي بكل قوتك، فقد أعفو عن بعضهم، أتعلمين؟”
تحدث بصوت عذب وكأنه يحاول إغراءها، لكن أوليفيا هزت رأسها فقط، وعيناها مغمضتان بشدة. ظن أنه سينجح بالتأكيد مع امرأة ضعيفة الإرادة كهذه، استغرب إزكيل ذلك.
وااااه !
في تلك اللحظة، انطلقت هتافات مدوية. مصحوبة بصيحة عالية.
“لقد مات ثيودور روتغارت!”
صرخ أحدهم بأعلى صوته ارتجف جسد أوليفيا بين ذراعي إزكيل كما لو أصابته صاعقة.
“…هك، هيوك”
وكأنها لم تعد قادرة على كبح دموعها، بدأت تنتحب. فانزعج إزكيل، وأمسك بجسدها وهي تحاول الانهيار، ثم أدارها نحوه وتحدث إليها بغضب.
“ألم تكوني تعلمين أن الأمور ستصل إلى هذا الحد؟ همم؟ لا بد أنك كنتي تعلمين.”
“هك، هيوك، (بكاء).”
“كان عليك على الأقل أن تحاولي التسول.”
ليس الأمر أنه كان ينوي ترك ثيودور روتغارت على قيد الحياة حتى لو كانت قد فعلت ذلك.
احتضن جسد أوليفيا وهي تبكي، تتعثر وكأنها لا تدري أين هي وأمسك ذقنها بقوة. ثم ضغط شفتيه على شفتيها المفتوحتين.
كان فمها ساخناً، وشعر بأنه منتفخ قليلاً وناعم، تساءل كيف يكون فما بهذه الرطوبة والنعومة.
***
عرض رأس الخائن الكونت روتغارت، المقطوع في الساحة أمام القصر الإمبراطوري. وكانت التهمة الأولى الموجهة إليه هي محاولة زعزعة سلالة إمبراطورية سيراه المقدسة من خلال تقديم أميرة مزيفة.
وبعد ذلك مباشرة، أعلن عن خطوبة الدوق الشاب شوابن، الذي عاد بعد قمع المتمردين، والأميرة لويلا. كان الجميع يعلمون مسبقاً أن ذلك سيحدث، لكنه مع ذلك كان سبباً للاحتفال.
اشترى القصر الإمبراطوري وآل شوابن كميات كبيرة من البضائع استعدادًا لحفل الزفاف، وصدر عفو شامل، وقدمت الصدقات. كانت الإمبراطورية تعج بالحياة لدرجة أن آثار الحرب الأهلية التي لم تكن قصيرة كانت بالكاد محسوسة.
لم يكن يعلم سوى عدد قليل من الخدم الذين كانوا يعتنون بأكثر الشؤون خصوصية في مقر إقامة الدوق أن شابة تدعى أوليفيا كانت محتجزة عند الدوق شوابن.
التعليقات لهذا الفصل " 2"