الفصل51
لم أستطع فهم ما يعنيه ذلك، ولم أشعر إلّا بالارتباك.
“كّامانغ، تعال إلى هنا. بسرعة!”
وفي اللحظة التي مددتُ فيها يدي مجددًا لأبعد كّامانغ عن النبيل، امتدت يدٌ كبيرة، وأمسكت بي بلطفٍ لتمنعني.
“لا بأس، دعيه.”
“هل… هل يمكن ذلك حقًّا؟”
“ليس بالشيء الثقيل على أيّ حال.”
لم يبدو عليه أنّه صُدم من رؤية كّامانغ أو أنّه نفر منه، بل بدا وكأنّ المشهد مألوف لديه.
نظرتُ إليه بدهشة، ثم صحّحتُ في داخلي الانطباع السلبي الذي كنت قد كوّنته عنه قبل قليل.
‘صحيح… ما دام أنّه من طرف راشيل، فلا بدّ أنّه شخصٌ جيّد.’
كان كّامانغ يرتجف طوال الوقت وكأنّه يحاول إيصال شيءٍ ما، لكنه سرعان ما عاد يزحف إلى كتفي.
بدت هيئته أقرب إلى الانكماش، لكن لم يكن بإمكاني معرفة ما يريد قوله.
وبدلًا من ذلك، ربّتُّ عليه مرّةً واحدة، ثم واصلتُ المشي بمحاذاة الفارس الذي بدأ يبتعد عنّي.
فالتفت إليّ بنظرة مستغربة.
“ألم تقولي إنّك تريدين التفكير وحدك؟”
“كنتُ سأفعل… لكن بدا لي أنّك ستشعر بالملل إن تركتُك وحدك.”
والحقيقة أنّي شعرت بالحرج من تركه خلفي بينما أمشي وحدي.
ضحك الفارس بخفة على جوابي المتباهي قليلًا، ثم قال:
“ولستُ فارسًا.”
“إذًا… بما أناديك؟ على ذكر ذلك، نحن لم نتبادل الأسماء أصلًا.”
تأملني لبرهة، ثم فتح فمه وقال:
“……هيديس.”
“هِيديس؟ بما أنّك قريب لراشيل، حتى أسماؤكما متشابهة!”
‘هل هو شيء أشبه بالدولِمْجَا الكورية؟’
[الدولمجا: تقليد كوري بيتشابه فيه مقطع من أسماء الأقارب و هنا بنلاقي 라헬 «راشيل» و 라헤디스 «هيديس» يتشاركون في المقطع 라]
‘لكن… لا يبدو أنّه قريب لتلك الدرجة من راشيل ليستخدم مقطعا متشابهًا معها.’
لكن ما دام هذا اسمه، فلا تعليق لي.
“إذًا… أناديك اللورد هيديس؟”
“ناديني بما يريحك.”
“أما أنا فاسمي فيفيان، رغم أنّك على الأغلب تعرف ذلك.”
“……كنتُ أعرف. منذ زمنٍ بعيد.”
إذن يبدو أنّه كان مع راشيل منذ فترة أطول مما ظننت…
ولكن، بما أنّهما لم يلتقيا إلّا بعد أن عبرتْ راشيل إلى المملكة، فلا بدّ أنّه عرفها بعدي على أيّ حال!
“وهل كانت راشيل تتحدث معك عنّي؟”
“نعم… كثيرًا.”
جعلني صدقه أشعر وكأنّ جانبًا من قلبي قد امتلأ بريشٍ قطنيٍّ ناعم، يغمُرني ويُداعبني.
صحيح أنّي على تواصل دائم مع راشيل…
لكنني خشيت أحيانًا أنّ البعد سيجعلني مجرّد صديقةٍ قديمة عبرتْ طفولتها ثم نسيتْني.
وحين سمعتُ من طرفٍ ثالث أنّ راشيل ما زالت تحبّني…
تلاشى ذلك الخوف الذي ظلّ كامِنًا في قلبي.
ابتسمتُ دون قدرتي على إخفاء ارتفاع شفتيّ، وسألت:
“هل راشيل بخير؟”
“ألم تكونا على تواصل؟”
“كما تعلم… مرّ زمنٌ طويل منذ أن التقينا آخر مرة.”
“…….”
“نحن نتراسل، لكن راشيل ليست من النوع الذي يبوح بمشاعره بسهولة. لذلك كنت أخشى ألّا تكون بخير فعلًا.”
“…….”
“فمن وجهة نظرك… هل بدت بخير؟ هل كانت تعيش جيدًا بالفعل؟”
امتلأتْ عينا هيديس بعاطفة مجهولة تمامًا…
هي ذات النظرة التي رآني بها أول مرة في مقهى الحلوى ذاك النهار.
لكن قبل أن أفهم تلك النظرة، خفَض عينيه وقال بصوتٍ منخفض:
“……كانت بخير. حقًّا.”
“الحمد لله! لقد كنتُ قلقة عليها كثيرًا.”
تنفستُ بارتياحٍ صادق، وخفّت خطواتي المتجهة نحو النُّزل.
وبحركة خفيفة، اصطدمت يدي بظاهر يده القوية.
رفعت عينَيّ بسرعة، فإذا به ينظر إليّ منذ لحظة.
ثم قال:
“هل تشتاقين إليها لهذه الدرجة؟”
كان سؤالًا مفاجئًا، لكن الشخص المقصود واضح تمامًا.
أومأت برأسي بقوة.
“نعم. كثيرًا… كثيرًا جدًّا.”
“…….”
“لكن هذا سرّ، لا تخبرْ راشيل.”
“……لماذا؟”
“تعرف شعور أنّك تركّز على شيءٍ مهم… ثم يأتي أحدهم ويخبرك أنّه متعب؟ فيتسلّل إليك شعوره فورًا؟”
“…….”
“راشيل أكثر شخصٍ يتمنى العودة، ولو قلتُ لها إنّي أفتقدها، قد يجعلها ذلك تتردد أو يتشتت هدفها.”
“…….”
“حتى لو كان كتمان الاشتياق أمرًا غير صحّي… إلا أنّ هدفها هذا بالغ الأهمية.”
إذن سأنتظرها… بصمت.
كما وعدتُ نفسي منذ اللحظة التي افترقنا فيها.
وبينما كنتُ أسترجع ذلك الوعد، وصلنا إلى النُّزل.
كان مزدحمًا أكثر من النهار.
“سأدخل بسرعة وأعود.”
قلت ذلك وأنا أدخل، لكن صوته لحقني من الخلف، منخفضًا وعميقًا:
“اشتقتُ إليك.”(هموتتتت😭)
توقّفتُ والتفتُّ نحوه.
ولوهلةٍ قصيرة…
كانت عيناه تشبهان عينَي راشيل في ذكرياتٍ بدأت تبهت.
‘لكن مستحيل… راشيل فتاة.’
تلاشى ذلك الشبه مع رمشة عيني، وبقي الرجل الغريب واقفًا هناك.
‘ربما كان يقصد أنّ راشيل كانت تشتاق إليّ.’
ابتسمت له وكأنّي فهمت، ثم دخلت النُّزل.
وكأنّه قال شيئًا آخر بعدها… لكن صوت النزل الصاخب ابتلع كلماته قبل أن تصل إليّ.
“……أنا أيضًا.”
***
في تلك الليلة.
عادت فيفيان إلى القصر، تناولت العشاء مع كالتس، ثم استمتعت بحمامٍ فاخر في الحوض الكبير.
وبعد أن كتبت جوابًا طويلًا لراشيل، أغلقتْ دفتر يومياتها، واستلقت على سريرها.
‘كنت مستيقظة منذ لحظة فقط…’
لكن ما إن وضعت رأسها تنتظر رسالة راشيل، حتى اجتاحها التعب.
لقد مرّت بيومٍ طويلٍ ممتلئ بالأحداث، ولم تكد تغلق عينيها حتى غرقت في النوم.
وبعد وقتٍ قصير، دوّى طرقٌ خفيف على باب غرفتها.
لكنها لم تتحرك قيد أنملة.
وانفتح الباب بهدوء.
فقفز كامانغ، الذي كان قرب سريرها، مذعورا حين شعر بالتطفل.
وتضخم جسده حتى بلغ ارتفاع السقف، مستعدا لابتلاع الدخيل.
لكن صوتًا منخفضًا قال:
“لو أكلتني ستؤذي معدتك.”
وظهر من الظلام… هيديس.
تعرف عليه كامانغ فورًا، فعاد صغيرا.
“مُؤانغ!”
رفع هيديس إصبعه إلى شفتيه.
“هُدْوء.”
فهدأت روح الظلام.
وعاد الصمت ليملأ الغرفة، لا يُسمَع سوى أنفاس فيفيان الهادئة.
اقترب هيديس من السرير، وجلس قُربها.
وصعد كامانغ فوق رأسه، جاثما هناك.
لم يكن ذلك ودًّا… بل:
‘……بل حماية. حمايةٌ صارمة لصاحبة عقده.’
كانت الروح، بخلاف البشر الذين يُخدعون بالمظاهر، قادرة على تمييز جوهره الحقيقي منذ البداية.
وربما لهذا السبب كان كامانغ يرتجف فوق كتف فيفيان اليوم…
يحاول قول شيءٍ لا يستطيع النطق به.
‘لحسن الحظ أنّه لا يتكلّم.’
وإلا لانكشفت حقيقتُه منذ وقت طويل.
وبينما كان يعبث بروح الظلام فوق رأسه، لاحظ وميضًا على المنضدة القريبة.
كان دفتر يوميات فيفيان… ذلك الذي أعطاها إيّاه هو نفسه من أجل التواصل.
ومع لمعان حجرة المانا على الغلاف، بدا أنّ كلمات فيفيان تُرسل آنًا دفعةً دفعة إلى دفتره الخاص.
لم يتردد….ففتح الدفتر.
وكانت الصفحات مليئة بخطّ فيفيان المستدير الصغير.
“راشيل، جئتُ إلى القصر كما قلتِ.
كنت قلِقة أن أشعر بالحرج، لكن الدوق بقي كما عهدته، ويبدو أنّ قلقي كان بلا معنى.
آه، ولقد التقيتُ أيضًا بالسيّد هيديس.
كان مهذّبًا أمام الدوق، لكن ما إن غادر الدوق حتى بدأ يتحدّث معي بلا تكلف… فظننته في البداية شخصًا ماكرًا قليلًا.…”
ضحك هيديس وصوت أنفاسه يتسرب بين أسنانه.
لقد تذكّر شكل شفتيها الصغيرتين وهما تتذمران.
“لكن مع الوقت شعرت أنه شخص جيد.
لا يُزعجه كّامانغ، ويستمع إلى حديثي باهتمام.
سأحاول أن أتعايش معه جيدًا
شكرًا لأنّك تهتمين بي دائمًا يا راشيل، رغم انشغالك.”
وانتهت السطور هناك.
أما الحقيقة التي اعترفتْ بها امامه…
الحنين، الشوق، الاشتياق…
فلم تُكتب في أي مكان.
—-
أدعوا لي بالنجاح😭❤️
التعليقات لهذا الفصل " 51"