كانت خدمتي مُوكّلةً الى الخادمة ريزي وحدها، لكن اليوم دخلت معها خادمة أخرى.
كانت سولا، الخادمة المقرّبة من إيلينا، تحمل فستاني. لم يسبق لها قط أن تولّت خدمتي في ارتداء الملابس.
حتى في حياتي الأولى، كانت السيدة أولان تدفعني إلى حافة الانهيار العصبي.
وكان أحد أساليبها هو المضايقات الصغيرة—أمور تافهة تجعلني غير مرتاحة ومتوتّرة، وتنهش أعصابي ببطء.
نظرات سولا المتلفتة وحرصها المفرط كانت تختلف بوضوح عن تصرّف ريزي التي تؤدي خدمتها كالمعتاد غافلة عن محيطها.
تولّت سولا وحدها ترتيب الفستان.
“ريزي، هل أصبح الفستان جاهزًا؟”
“نعم، سيدتي.”
“ساعديني في ارتدائه.”
“سأتولى الأمر أنا.”
حين مدّت ريزي يدها إلى الفستان، منعتها سولا على عجل وهي مرتبكة.
“قلتُ لريزي.”
“أنا أبرع وأكثر إتقانًا. لقد أثنت عليّ الآنسة من قبل لأنني أحسن خدمة الفساتين. من الآن فصاعدًا سأقوم أنا بذلك.”
وبينما كانت تقترب حاملة الفستان بحذر، وجّهتُ لها نصيحة بسيطة.
“أحقًا؟ بما أنكِ ماهرة إلى هذا الحد، فلا بد أنكِ تتحلين بروح مسؤولية عالية.”
“بالطبع.”
“صحيح أنني زوجة جيفري، لكنني أيضًا من العائلة المالكة. لو تسببتِ لي بأذى عن طريق الخطأ، فسيُعد ذلك اعتداءً على فرد من العائلة المالكة. إنها جريمة جسيمة—قد تُقطع يدكِ وتُزجّين في السجن تحت الأرض عدة أشهر.”
شحبت ملامح سولا.
“حتى لو خُدش جلدي بدبوس أثناء ارتداء الفستان، فالأمر خطير. ماذا لو كان مطليًا بالسم؟”
مددتُ يدي نحوها.
“لكن بما أنكِ ماهرة ومسؤولة، فلن يحدث ذلك، أليس كذلك؟ هيا، ساعديني على ارتداء الفستان. لقد قلتِ إنكِ أفضل، فسأتركُ الأمر على عاتقك.”
كنت أعرف تماما ما تنوي سولا فعله بي.
“عليكِ أن تكوني حذرة جدًا. في الآونة الأخيرة أصبح جسدي ضعيفًا؛ مجرد خدش بسيط يجعلني أُصاب بطفح كأنني لامستُ سمًا.”
“آه… سأعدّل طرف الفستان قليلًا. انتظري لحظة من فضلك.”
وقد شحب وجهها تمامًا. أخذت الفستان بعيدًا حتى لا تلمسه ريزي، وبدأت تنزع دبابيس الخياطة المثبتة عند اللحامات.
في حياتي الأولى، خُدش جلدي عمدًا بدبوس مخبأ في الفستان أثناء ارتدائه. وعندما غضبت لتكرار الأمر، وبّختني السيدة أولان بحجة أنني حسّاسة أكثر من اللازم وأن الخادمات يعانين في خدمتي.
بل وأجبرت سولا على الشهادة ضدّي أمام السيدات المدعوات إلى جلسة الشاي.
وسط تنهّدات السيدة أولان وسخرية الناس، لم أستطع حتى رفع رأسي آنذاك.
“أسرعي. إن تأخرنا فستصرخ السيدة الكبرى، ولو قالت إن التأخير بسببك فستقعين في ورطة كبيرة، أليس كذلك؟”
“نعم، نعم. سأسرع—آه!”
يبدو أنها وخزت نفسها بدبوس وهي تتعجّل، فأطلقت صرخة حادّة.
بعد أن انتهيت من الزينة ونزلت إلى غرفة الاستقبال، راحت السيدة أولان، التي كانت تشرب الشاي، تتفحّصني.
“أتيتِ.”
“صباح الخير.”
وعندما جلستُ مقابلها، انعكس في زجاج الخزانة خلفي شكل سولا وهي تهزّ رأسها للسيدة أولان، مُعلِمةً إياها بالفشل.
تجمّدت ابتسامة السيدة أولان على نحوٍ مصطنع.
“الفستان… يليق بكِ.”
“شكرًا لكِ.”
كانت السيدة أولان تستعد لتوبيخي بحجة أنني أثرتُ ضجّة منذ الصباح بالصراخ على الخادمات، لكنها شربت ماء الشاي الساخن على عجل فأحرقت لسانها.
“كيف تقدّمين الشاي بهذه الحرارة؟!”
“أعتذر، سيدتي!”
“كم تكاسلتِ حتى الآن ولم تتقني ضبط حرارة الشاي؟! أنتِ مطرودة!”
“سيدتي! أرجوكِ سامحيني! سأحسن العمل! لقد سخّنته تمامًا كما فعلتُ بالأمس… أرجوكِ لا تطرديني!”
جثت الخادمة على ركبتيها ممسكةً بطرف تنورة السيدة أولان. ومع بكائها، ارتفعت زاوية فم السيدة أولان ابتهاجًا.
“حماتي، ورد في كتب الآداب أن ربة البيت لا يجوز لها رفع صوتها منذ الصباح. أنتِ تعلمين كم يهتم جيفري بالآداب. لو سمعك لشعر بالخجل.”
“أنتِ… أنتِ!”
“أرجوكِ اعفِي عن الخادمة. إن طردتِها، فلن يسعني إلا أن أُخبره بسبب الطرد، ومعه خطأكِ الذي وقع الآن.”
تذكّرتُ كلمات السيدة أولان في حياتي الأولى.
“كيف تربّيتِ حتى تصرخ ربة البيت منذ الصباح؟ ألم تتعلمي آداب القصر الملكي؟”
“حتى إنكِ لا تلتزمين بالآداب، ومع ذلك تجرؤين على الزواج من جيفري بدعوى أنكِ أميرة؟ يا للخزي.”
“انسخي جميع كتب الآداب في غرفتك. بما أنكِ لم تتعلميها في القصر الملكي، فعلينا أن نعلّمكِ إياها كما يجب في بيت أولان.”
لم تستطع السيدة أولان أن تثور أكثر، فاكتفت بعضّ شفتيها. رمقتني بنظرة شرسة، ثم بدأت تبحث عن طريقة أخرى.
“كفى، يمكنكِ الانصراف الآن. لكن… سمعتُ أن صاحبة السمو الملكي صارت تتهاون في الصلاة مؤخرًا، وهذا أمر يبعث على القلق. فالحاكم يراقب خطايانا دائمًا. أليس الأجدر بمن تحتاج إلى الصلاة أكثر من غيرها، أي الأميرة، ألا تُقصّر فيها؟”
“القديس مارشيو، الذي كرّس حياته بأكملها لإغاثة الفقراء، قال إن المؤمن الحق لا يتقيّد بمكان أو زمان. لذلك أصلّي فور استيقاظي، وفي غرفتي، حين يكون قلبي في أنقى حالاته.”
“حـ… حتى مع ذلك، أليس من الأفضل أن يشعر الخدم بتقوى الأميرة، فيزداد بريق العائلة الملكية؟ ابتداءً من الغد، صلّي صباحًا ومساءً في مصلى الحديقة، بحيث يراكِ الخدم أيضًا.”
كان القصد هو إزعاج نومي.
فالإنسان، عندما يقلّ نومه، يصبح سريع الانفعال.
لكن لا مشكلة لديّ. فأنا أعاني من الأرق أصلًا ولا أنعم بنومٍ عميق على أي حال.
ابتسمتُ بخفّة وأثنيتُ على السيدة أولان.
“أمّي حقًا سيّدة عظيمة. أن تقلقي حتى على تقوى الخدم… لا عجب أنكِ مثال يُحتذى به في المجتمع الراقي.”
“حسنًا، الجميع يقولون ذلك.”
“نعم، سأزوركِ صباحًا ومساءً. ولنصلِّ معًا.”
“أنا أصلّي؟ أنا……”
ارتبكت السيدة أولان.
كانت تنوي أن تُتعبني وحدي، لكن كيف يمكن أن تُصلّي زوجة الفيكونت بينما تمتنع السيدة الكبرى؟ هذا أمر غير مقبول وفق آداب العائلة.
“بما أنكِ كبيرة العائلة، يجب أن تكوني قدوة. إن شاع أنني أصلّي وحدي، فسيبدأ الناس بالتساؤل عمّا تفعل السيدة الكبرى.”
“حـ… هذا صحيح. حسنًا، لنصلِّ معًا صباحًا ومساءً.”
“نعم.”
لا أعلم إن كانت ستجد وقتًا لقيلولة وسط انشغالاتها الاجتماعية، لكن ذلك شأنها.
***
في حياتي الأولى، كنت أعيش بجدٍّ ملحوظ.
كنتُ أحلم بحياة ساذجة، أكون فيها سيدة بيت الفيكونت، أدير شؤون المنزل ببساطة، وأعيش بسلام مع جيفري.
قبل تغيّر الفصول، كنت أُحضّر الأقمشة والنقوش الرائجة، أبدّل ستائر القصر وأغطية الأثاث، وأعتني بالحديقة.
كنتُ أبذل جهدًا للتأقلم مع إدارة قصرٍ غريب عني.
لكن السيدة أولان وإيلينا كانتا دائمًا تبحثان عن الزلّات، تسخران من مهارتي وتوبّخانني.
أما جيفري، فلم يكن يُبدي أي اهتمام بما أفعله.
لذلك، هذه المرة، لم أفعل شيئًا.
استمتعتُ بكعكةٍ مكوّنة من طبقات البسكويت الرقيق المدهون بالعسل والكريمة. كانت تتفتّت بخفّة وتذوب على لساني. نكهتها عميقة وغنية وحلوة، وتنسجم تمامًا مع الشاي الأسود الساخن.
وبينما أستمتع بوقت الشاي وحدي في غرفة الشمس، سقط شيء ثقيل من جيب الخادمة التي كانت تغيّر ماء المزهرية.
عقد تتوسّطه ماسّة كبيرة.
الخادمة، التي كانت متوترة منذ دخولها الغرفة وتراقبني بحذر، تفاجأت وبدأ العرق البارد يتصبّب منها.
كأنها شخص ضُبط متلبسًا. التقطت العقد بسرعة.
‘حقًا، لا أحد منهم يُجيد التمثيل.’
“ميليندا.”
“آه! هـ… هذا عقدي! لم أسرقه!”
ناديتُها باسمها فقط، ومع ذلك اعترفت من تلقاء نفسها.
“لم أقل إنكِ سرقتِه. أعطيني إيّاه.”
“إنه… إنه لي.”
مددتُ يدي، فسلّمته لي بوجهٍ باكٍ.
كان عقدًا قدّمته العائلة الملكية هدية عيد ميلاد. قيمته ليست عالية، وعلى الرغم من مظهره البراق، إلا أن كثرة الخدوش جعلت لونه معتمًا.
كان في الأصل لي، لكن إيلينا سرقته خلسة.
أخرجتُ منديلي وبدأتُ أُلمّع الحجر بعناية.
“يجب أن تحرصي عند حمله. فحتى أجمل الجواهر تفقد بريقها إن لم تُحفظ بعناية. امسحيها بقطعة حرير ناعمة.”
كانوا قد دبّروا الأمر ليبدو وكأنني أتهم الخادمة بالسرقة.
كنتُ سأفزع وأسأل عن مصدر العقد، فتدّعي الخادمة الظلم وتبكي، ثم تتدخل إيلينا متأخرة وتقول إنه لها وقد أعطته للخادمة، فأبدو أنا الشريرة الوحيدة.
أعدتُ العقد اللامع إلى ميليندا.
“تملكين شيئًا ثمينًا.”
“ألا تجدين الأمر غريبًا… أن أملك أنا شيئًا بهذه القيمة؟”
“كونكِ من خدم القصر لا يعني أنكِ لا تستحقين امتلاك شيء كهذا. آه، خذي هذا الكيس.”
أخرجتُ الأعشاب من كيس العطر وأعطيتها إيّاه.
“آه… لماذا تعطينني كيسًا فاخرًا كهذا……”
“احفظي فيه ما هو ثمين عليكِ. الأشياء العزيزة يجب أن تُلفّ بشيء جيّد.”
“سيدتي……”
اغرورقت عيناها بالدموع، وقبضت على كيس العطر بكلتا يديها.
كان هناك من يراقب هذا المشهد. شخص كان ينتظر أن أسيء الظن بميليندا ليتّهمني بالقسوة.
“إيلينا، إن أردتِ شرب الشاي، تعالي إلى هنا.”
“هاه! لا، ولماذا أشرب الشاي مع الأميرة أصلًا؟!”
ضربت إيلينا الأرض بحدّة وغادرت الممر.
‘هذا لا يكفي.’
لأنهم يهتمون بآراء الناس، لم يبالغوا في الأذى. يكفي أنهم اقتحموا غرفتي ليلًا في حياتي الأولى وضربوني بالوسادة.
“كان عليهم استخدام السوط أو ضربٍ بالأشواك على الأقل. الناس أبرياء أكثر من اللازم.”
سيكون مزعجًا إن لم يبذل آل أولان جهدًا أكبر.
***
“آه، أفعى.”
عندما رفعتُ الغطاء استعدادًا للنوم، كانت أفعى ملتفّة تحته، وحبات حصى صغيرة مبعثرة على الملاءة.
نحن نكرهك. ننبذك.
في حياتي الأولى، أرهقتني شرورهم الواضحة. كنت معتادة على الكراهية، لكن كونهم عائلة زوجي جعل أفعالهم أكثر إيلامًا.
‘لكن الآن… لست خائفة.’
حبستُ الأفعى بحذر داخل المزهرية ورميتها من النافذة. نفضتُ الملاءة ودخلتُ السرير.
الزنزانة تحت الأرض كانت رطبة وقاسية وباردة.
كانت الفئران تتسلّق جسدي، وأحيانًا تظهر الأفاعي.
الضفادع أو الأفاعي التي التقيتُ بها في السجن، أو في الأقفاص السرية أو الأبراج المغلقة، كانت ضيوفًا مرحّبًا بهم.
كنت أقتطع جزءًا من الخبز وأقدّمه للفئران.
كنت أحتاج إلى أي كائن أُحادثه.
كائن حيّ غيري، لا يحمل تجاهي كراهية ولا طمعًا.
السرير كان ناعمًا، والغطاء دافئًا. بعض الحصى الصغيرة التي لم أتمكن من إزالتها وخزت جلدي، لكنها ذكّرتني بالزنزانة… فاشتقتُ إليها قليلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 9"