منذ أن نطقت باسمه في المأدبة، وهو في حالة تأهّب دائم، يراقب ما حوله بعين حذرة، هل تغيّر عدد الجنود أو الفرسان؟ هل هناك من يلاحقهم؟
وبما أنهم وفدٌ إمبراطوري، فوجود المراقبين كان أمرًا مفروغًا منه.
“لا يختلف كثيرًا عن العام الماضي. وبما أن الدوقات تمتلك قدراتٍ خاصة، فلم يهتموا كثيرًا بالتدريب الجسدي، لذا فمستواهم ليس عاليًا. يمكنكم الاطمئنان.”
على جواب نائبه بنجامين، سخر ماركس فينوم وهو يرتشف الشاي.
حتى لو نصحه صراحة بأن يخفف من وضع العطر، كان ماركس دائمًا ما يحيط نفسه برائحة نفّاذة كثيفة.
“حتى الآن يمكننا الاستيلاء عليها بسهولة. المشكلة في تلك الذريعة اللعينة. على أي حال، ذلك الثعلب العجوز بيلتوا لن يسلّم أجد أفراد العائلة المالكة، وسيظل يماطل فقط.”
“مع أن الدوقات وبيلتوا يعرفون تمامًا وضع ويلبوير، إلا أنهم ما زالوا قساة.”
“طردوه بسبب خطئهم هم، ثم ألصقوا به تهمة الهرطقة. في أي صراع، الأمر مسألة كبرياء.”
“أتمنى أن نراكم الذرائع الكافية ونستلي على غليسيا.”
“لا بد من ذريعة قوية. إن استولينا عليها كما في السابق، كأنها مجرد لعبة استحواذ على الأراضي، فسنُنهك بالمعارضة الداخلية. الإيمان مخيف لهذا السبب.”
“الإيمان هاه…”
“ولهذا أرسلني وليّ العهد، أنا ماركس فينوم، لا دوقًا. فإذا وقعت مشكلة، سأُتَخدم كورقة يمكن التخلي عنها.”
ضحك ماركس بسرور وهو يتحدث عن نفسه.
ازدادت الظلال قتامة على وجه ليام.
ويلبوير لا يحضر مجالس النبلاء في الإمبراطورية. صحيح أنه يلتقي الإمبراطور ويشارك في مجلس الدولة، لكنه في الغالب، بأمر من الإمبراطور، يجوب ساحات القتال مثبتًا الاستقرار في مناطق النزاعات الحدودية.
لم يكن هناك من يعرف وجهه في المآدب الفاخرة لغليسيا.
ولهذا شارك في الوفد.
لم يأتِ إلى هنا وهو يحمل أملًا في العائلة المالكة لغليسيا. ومع تدهور حالة شقيقه الأصغر كايلر ومعاناته المتزايدة، كان مستعدًا، إن اضطر، لاختطاف أحد أفراد العائلة المالكة.
‘أورميا بيلتوا.’
وهو يستحضر اسم تلك الأسرة التي لا يبرد غليله حتى لو مضغها بأسنانه، دخل ليام إلى معبد لم تطأه قدماه من قبل.
كنيسة ماغنوس، الديانة الرسمية ورمز غليسيا.
في غليسيا، كانوا يطلقون على أسرة ويلبوير: الأسرة التي نبذها الحاكم، الزنادقة الذين خانوا أصلهم، الشياطين الملعونين.
ومع ذلك، لم ينزل عليه عقاب إلهي حين دخل المعبد.
في القاعة الرئيسية للمعبد الكبير، كانت أورميا بيلتوا، ذات الشعر الوردي الفاتح، راكعة على الأرض الباردة تصلي.
كانت ترتدي حجاب الصلاة الأبيض.
أخرج ليام زهرة واحدة من داخل كُمّه.
تلك الزهرة البيضاء التي ظهرت فجأة فوقه في المأدبة.
من خلال تقرير غانزا، كان قد سمع كل ما يخص العائلة المالكة في غليسيا.
زهرة أورميا التي لا تمتلك أي قوة.
بل قيل إنها مشؤومة ويجتنبها الناس.
غضب الحاكم العاجزة. ويُقال إن قوتها لا تجلب إلا الألم للبشر.
‘ما الذي تخطط له؟’
عند الألم الذي وخز جبهته، أمسك ليام بإطار الباب. شحب لونه، لكن تعابيره لم تُظهر الكثير.
ألمٌ لعين اندفع نحوه.
يبدأ بصداع، ثم يتحول إلى وخز كأن آلاف الإبر تغرس في عموده الفقري، حتى يفقد توازنه. الآثار الجانبية للقدرة الخاصة كانت من الشدة بحيث تُغرق حتى الرجل القوي بالعرق البارد.
كانت تأتي كموج البحر، موجة تلو أخرى بلا توقف.
إن هدأت قليلًا، عادت بعدها. أحيانًا خفيفة، وأحيانًا عنيفة. وحين تتراكم تلك الآلام ثم تُستَخدم القدرة، يكتسح الجسد ألمٌ كالطوفان، فلا يقدر صاحبه على النهوض أيامًا طويلة.
كان هناك دواء قدّمته الإمبراطورية. يسكّن الألم مؤقتًا، لكنه شديد الإدمان.
شقيقه كايلر لم يحتمل.
أدمن دواء الإمبراطورية، ثم كوّن مناعة ضده حتى لم يعد له أثر.
“أخـي، أخـي.….”
“اقتلني، أمي. كح… لا أريد المزيد. مؤلم….”
“إن كان الألم حدّ الرغبة في الموت، فلم أتحمل أكثر؟”
حدّق ليام في ظهر أورميا وهي تصلي.
“أستطيع إنقاذ شقيقك.”
ليام لا يثق بأورميا بيلتوا.
لكن تلك الكلمات وحدها.
همسة واثقة.
زهرة ظهرت فجأة.
وتلك النظرة التي رمقته بها بعينين حمراوين كأنها على وشك البكاء… علقت في ذهنه.
⋮
سمع أن أورميا، كلما زارت المعبد، لا بد أن تمرّ بمقهى الحلويات وتجلس في الطابق الثاني. لذلك أرسل شخصًا مسبقًا إلى الطاولة المجاورة.
سار ببطء، كأنه يتفرج على الشارع، وتوجه إلى مقهى الحلويات. ثم جلس إلى الطاولة المجاورة لها، مديرًا ظهره إليها، وكأنه جاء للقاء شخصٍ على موعد معه.
لم يكن يرافقها أحد. لا وصيفة، ولا حتى فارس للحراسة.
وسّع إحساسه بالطاقة وتفقد المكان من حوله، فلم يلتقط سوى أشخاصٍ مسلحين يراقبون ليام، أحد أفراد الوفد الإمبراطوري.
لم يكن أحد منهم ملتصقًا بأورميا.
‘إنها أميرة.’
أورميا بيلتوا، حتى بعد زواجها وتوليها منصب فيكونتيسة أولان، تبقى أميرة.
حتى الأميرة المتزوجة يفترض أن تُضمن لها، حفاظًا على هيبة العائلة المالكة وسلامتها، أساسيات معينة… لكنها لم تكن تحظى حتى بالحد الأدنى منها.
‘أهو غرورٌ ييأل من يجرؤ على المساس بملكيّ هو نائب الحاكم؟ أم…’
الطرف المقابل نهض كما أُمر، متجهًا للقاء شخص يعرفه في الطابق الأول. سيستمر حديثهم إلى أن تأتي الإشارة.
“أتظنينني أجهل الشائعات؟ الأميرة التي يُقال إنها عاجزة ومنبوذة من الحاكم، أي قوةٍ تملكها لتساعد أخي؟ الشخص الذي أحتاجه ليس أميرةً عاجزة مثلك، بل أحد أفراد العائلة المالكة القادرين على منح البركة.”
تعمد انتقاد أورميا واستفزازها.
كان يريد زعزعة هدوء الطرف الآخر ليستخرج نواياه الحقيقية. حاول استثارتها، لكن أورميا لم تهتز.
“تحرّيتُ الأمر، فلم يكن أحد يعلم بوصولي. لم يكن لبيلتوا أن تسمح بدخول ويلبوير إلى أراضيها. حتى الحراسة لم تختلف عن السابق. كيف عرفتِ بوجودي؟”
“هل أحضرت الزهور؟”
عند سؤالها المفاجئ الذي بدا خارج السياق، أخرج ليام زهرة واحدة من كُمّه.
كانت زهرة عادية.
صنع زهرة حية معجزة بحد ذاته، لكنه ليس أكثر من ذلك.
شعر وكأنها انتزعت زمام الحديث منه، لكن فضوله كان أقوى من انزعاجه.
‘وماذا ستفعل بهذا؟’
سخر وهو يشعر بصداعٍ لاذع ينغز قمة رأسه.
“نعم. أحضرتها. ما الذي تنوين فعله؟”
عندها حدث الأمر.
لم يكن هناك ريح في المكان.
النوافذ لم تكن مفتوحة، ومع ذلك مرّ خلفه نسيم خفيف، بالكاد حرّك خصلات شعره.
ثم بدأت راحة اليد التي تحمل الزهرة تسخن.
أضاءت الزهرة بخفة، ثم تفتت كحبات الرمل واختفت.
تسللت جسيمات ضوء صغيرة إلى جسده.
“ما هذا…؟”
‘لقد وقعتُ في الفخ!’
كانت أول فكرة خطرت له أنه تعرّض لمكيدة من بيلتوا.
حاول أن ينهض على عجل، لكن إحساسًا بالطفو تملكه، وتشوش وارتخى جسده.
تشبث ليام بالطاولة غريزيًا.
كان هناك شيء ينتشر بسرعة في جسده.
إحساس دافئ، نقي، لا يمكن وصفه بالكلمات. قوة تسري من أطراف قدميه إلى قمة رأسه، إلى نهايات شعره وأطراف يديه وقدميه، تتغلغل في كل زاوية.
وعرف ليام، بغريزته، ما هذا.
“بركة.…”
خرجت الكلمة منه كأنها أنين.
في العادة، كان الصداع الحاد يلازمه دائمًا. حتى احتكاك الملابس الخفيف كان يؤلم جلده، وأصوات الناس المرتفعة من بعيد كانت تعذبه.
لكن الآن، كأن حاجزًا قد أُسدل… لم يعد هناك ألم.
لم تعد الحواس المفرطة التي كانت تسبب له العذاب مؤلمة.
كان إحساسًا لم يختبره في حياته قط.
سخنت عيناه.
غمرت الدموع رؤيته من شدة التأثر.
‘أكان العالم هكذا…؟’
حتى الدواء الذي منحه له الإمبراطور لم يبلغ هذا الأثر.
فاضت الحيوية في كل جزء من جسده.
بشعور من وُلد من جديد، فتح ليام عينيه على مصراعيهما.
هذه هي البركة.
هذه هي قوة بيلتوا، قوة حاكم غليسيا.
بركة أورميا بيلتوا.
قشعريرة نشوة سرت في جسده.
وحين همّ بالالتفات نحو أورميا خلفه، أوقفه صوتها.
“لا تنظر إليّ. لا يزال أمامنا الكثير لنتحدث عنه.”
“كيف؟ لقد سمعت أن أورميا بيلتوا نفي الحاكم، ولا يمكنها منح البركة.”
“أدركتُ كيف أستخدم بركتي.”
بدأ عقل ليام يعمل بسرعة.
العائلات المالكة لا ترسل أفرادها إلى دول أخرى أبدًا.
كانوا أشبه بالحكام، وكثيرة هي الدول ذات النوايا الدنسة.
لم يسمع قط عن تحميل البركة على وسيطٍ كهذا. هذا مستوى مختلف تمامًا عن منح البركة مباشرة.
لو كانت تمتلك حقًا قدرة على منح البركة عبر زهرة، لما كان يمكن أن تبقى على هذه الحال.
كيف يمكن استغلال هذا الأمر؟ ما حجم تداعياته؟
عقله كان يدور بسرعة.
“لا أحد يعلم.”
كبح ليام رغبته في الالتفات. العيون المراقبة كثيرة. التسرع قد يضيّع الفريسة أمامه.
“لا أحد يعلم أنني أستطيع استخدام قوتي هكذا.”
في ذلك الصوت الهادئ الرزين، سرت قشعريرة في جسد ليام.
لقد درس بركات غليسيا من قبل، ويعلم أن زهرة أورميا ظاهرة لم تُذكر في أي سجل تاريخي أو كتاب.
“لو علم أحد… فلن أستطيع مغادرة غليسيا، وسيموت شقيقك.”
فهم ليام ما تريده أورميا.
“سأذهب إلى الإمبراطورية.”
كانت أورميا قد أعلنت هدفها بالفعل.
لو كانت تريد المجد أو القوة، لأظهرت قدرتها أمام الجميع. لكنها لم تفعل.
كانت تريد الخروج من غليسيا.
‘قيل إن زوجها خانها، فطلبت الطلاق.’
ومع ذلك، كان بحاجة إلى التأكد.
“أتريدين مغادرة غليسيا؟”
“لا أريد العودة.”
قالتها بصوت منخفض وهي تنظر من النافذة. الضوء المتسلل منها ألقى عليها هالة باهتة.
“حتى لو تمّ غزو غليسيا وسقطت، لا يهمني. لا أريد أن تطأ قدماي هذه الأرض مرة أخرى.”
التعليقات لهذا الفصل " 7"