كان والد جيفري أولان من فرع بعيد جدًا لدوقية هايمان، بلا لقب ولا كفاءة تُذكر.
تحمّس في شبابه لسجلٍّ قديم يقول إنّ أحد أجداده عمل يومًا لصالح الدوقية، فظلّ طوال حياته يقتات على ذلك الماضي وحده.
“أنا من آل هايمان! كم ساعدتُ سعادة الدوق!”
“لو أردتُ فقط، يكفيني أن أكتب رسالة للدوق، وستُحلّ هذه التفاهات كلها!”
لم تكن تلك الكلمات سوى وسيلة لغسل دماغه ودماغ عائلته.
كان اعتزازهم بأنفسهم يكاد يلامس السقف، وبقدر ما لم يكن نمط حياتهم مدعومًا بذلك الاعتزاز، عاد الفارق إحساسًا بالنقص.
كانوا من طبقة الجَنتري، لا يعانون في قوت يومهم، لكنهم كانوا يشعرون دومًا بأنهم محرومون.
(الجنتري: أغنياء العامة)
لم يكونوا نبلاء، لكن قلوبهم كانت ترى نفسها كذلك. وكان إنفاقهم يتجاوز دائمًا دخل جيفري.
ثم تزوّجتُ من جيفري، فأصبح يحمل لقب فيكونت، نبيلاً حقيقيًا.
عندها تصرّف آل أولان وكأنهم نبلاء من الأصل.
نظروا إليّ كحشرةٍ عالقةٍ على الهامش، وعدّوا مخصّصات المحافظة على الهيبة التي أتقاضاها بوصفي من العائلة الملكية مالًا ينبغي أن يكون لهم.
وفي خضمّ هذا كلّه، أعلنتُ رغبتي في الطلاق.
“كيف تجرؤين، شخص مثلكِ، أن تطلبي الطلاق من ابني؟”
هاجمتني السيدة أولان في جوف الليل. توقّعتُ عنفها، وهي تلفّ جسدي بالغطاء وتنهال عليّ ضربًا في كل موضع لا يظهر، متنفسةً لغضبها.
فوق الغطاء الرقيق كانت بشرتي تُقرص، والوسادة الناعمة تهوي عليّ كأنها مطرقة ثقيلة، تضرب جسدي بلا رحمة.
“لو كنتِ أحسنتِ التصرّف، لماذا سيلتفت جيفري إلى امرأة أخرى؟”
بصوتٍ حادّ، حمّلتني كل الذنب.
“عاملناكِ بلطف مع أنكِ امرأة منبوذة ملعونة، فالتصقتِ بنا تطلبين الزواج! إذا كان الزوج غير راضٍ وخان، فعلى الزوجة أن تشعر بالذنب وتسعى للإصلاح، لا أن تبادر بالطلاق! أبهذا تكونين ابنة الملك؟ لو كنتِ إنسانة لعرفتِ الحياء!”
“أمي، لا تضربي وجهها. ماذا سيقول الناس إن رأوا ذلك؟”
“هَه، لنقل إنها آذت نفسها وحدها!”
دافعت عن جيفري بصوتٍ لئيم، وشرّعت عنفها ضدي.
“إن تألمتِ لأنه خانكِ، فكان عليكِ أن تحاولي في البيت إقناعه واحتواء الأمر! كيف تجرؤين على طرح الطلاق في مجلسٍ حضره صاحب الجلالة؟ وأنتِ زوجة، كيف تسحقين كرامة زوجكِ هكذا؟”
“بهذا السوء والخُبث، أيّ رجل سيحبّك؟ لذلك لم يستطع جيفري أن يمنح قلبه لأميرة!”
“لهذا كنتُ أعارض هذا الزواج بشدّة. أمسكنا بابننا السليم وزوّجناه، فانظري ما الذي تفعلينه الآن!”
“أمي، أنا من عارض الزواج، أليس كذلك؟ أنتِ من فرحتِ لأنها أميرة، وحرّضتِ جيفري على الزواج مقابل اللقب.”
“إيلينا! كيف تتكلمين هكذا ثم تلقين اللوم على غيركِ؟ كلّه خطؤكِ! وهل كونها أميرة يعني كل شيء؟”
ثم عاد الغضب موجّهًا نحوي.
لأنني الأضعف، صرتُ السبب في كل خيارٍ خاطئ اتخذوه.
“أيتها اللعينة! أنتِ من دمّرتِ ابننا! لولاكِ، لو لم تتعلّقي به مطالبةً بالزواج، لكان جيفري الآن…”
“أمي، توقّفي!”
حين نادت إيلينا على سيدة أولان بلهفة، توقّف الضرب للحظة.
“لماذا صارت هادئة هكذا؟”
“ألم تمت؟”
“كيف تموت من شيء كهذا؟ لا بد أنها فقدت الوعي.”
حتى وهي تتنهّد، كانت اليد التي رفعت الغطاء حذرة.
كان الليل، لكن القمر بدراً. تسلّل ضوء القمر من النافذة، فأنار وجه إيلينا المذعور. التقت أعيننا.
ورأيتُ سيدة أولان أيضًا.
هؤلاء الذين كانوا متمسّكين بحبّهم لجيفري، ما إن غزا الإمبراطور عاصمة غليسيا حتى تخلّوا عنه، وفرّوا مسرعين.
لحقتُ بهم أرجوهم أن يأخذوني، لكنهم تركوني، فلم أستطع الصعود إلى السفينة.
وقفتُ أحدّق في السفينة وهي تبتعد، فإذا بنار ليام ويلبوير تلتهمها.
تحوّلت إلى مشعلٍ عظيم يحترق فوق البحر، ثم غرقت.
رأيتُ كيف نالوا جزاءهم في النهاية. لذلك، حتى وأنا أُضرب، لم أشعر بالغضب.
لأنهم سينالون عقابهم.
كم هو مُبهج.
ليت الأمر اقتصر على النشوة، لكن الذنب لحق بها.
لم أكن في الأصل إنسانة تفرح بمصيبة غيرها.
يبدو أنهم رأوا ابتسامتي المشوّهة، فارتعبوا.
“م، مجنونة! لماذا تضحكين؟!”
“آه، آهـاا!”
أمسكت إيلينا بالوسادة المتدحرجة على السرير وضربتني بها. مرّ ألم حادّ على خدي المشتعل من ضربة جيفري.
عندما رأتني أنهض جالسةً وأنا أضغط على خدي، هربت سيدة أولان وإيلينا على عجل.
رفعتُ يدي، نظرتُ إلى راحتي؛ لم يكن هناك دم، لكنها كانت حارّة.
نزلتُ من السرير، ووقفتُ أمام المرآة. كان على خدي خدش.
ومسحته بهدوء.
الألم دليلٌ على أنني ما زلتُ حيّة.
“ماذا ستفعلين لو رآكِ الآخرون؟”
في المرآة، كان وجهي بلا تعبير.
كم يمكن لرغبات البشر ومعتقداتهم أن تكون مخيفة، هذا ما تعلّمته جيدًا عبر ثلاث حيوات.
سعيًا وراء القوة، احتكرني الدوقات وجعلوني أداةً لسلطانهم، أمّا الملك فحبسني خوفًا، في مكان لا يعلمه أحد.
اعتمدوا فقط على قوى الدوقات الخارقة، فضعفت قوتهم العسكرية. وفوق ذلك، استكبروا بزعم أن الحاكم سيحميهم.
ومع هذا، حين اجتاحهم الإمبراطورية ولم يحسنوا الرد، صار ذلك أيضًا خطئي.
الجميع ألقى اللوم عليّ.
لأنني وُلدتُ.
ولأنني موجودة.
ما إن وجد الناس من يحمّلونه وزر بؤسهم، حتى تلاشى الحكم العقلانيّ وتحولوا إلى العنف.
كنتُ أعرف.
أعرف تمامًا كيف سيكون ردّ آل أولان إن نطقتُ بكلمة الطلاق.
***
تحت خلفية الزجاج الملوّن الفخم الذي يصوّر الحاكم لاغراس وقد حبس الكارثة في الظلام وأنقذ العالم، ومعه الحكام السبعة التابعون له، كانت تمثال لاغراس الأبيض الضخم يطلّ عليّ من علٍ.
حتى الكهنة لم يجرؤوا على مخاطبتي، فلم يزعجني أحد.
أنا نفيٌ.
غضب من الحاكم.
جثوتُ متظاهرةً بالصلاة وأغمضتُ عينيّ.
على الأقل، أؤمن بوجود الحاكم. فحيواتي الثلاث التي عشتها دليل على وجوده.
ابتلعتُ تسعةً وتسعين لونًا من المرارة، وشكرتُ الحاكم على أمرٍ واحد.
شكرته لأن شخصًا واحدًا على الأقل كان إلى جواري في لحظة موتي.
لأن ذلك علّمني أن ليس كل من في هذا العالم يكرهني أو يخشاني أو يبغضني.
هل سيأتي ليام فعلًا للقائي؟
إنه أمر يخصّ أخاه، ولا بد أنه فضولي كيف تعرّفتُ عليه، فهل سيأتي؟
حين استدرتُ لأغادر، كان الجواب ينتظرني.
ليام ويلبوير كان واقفًا عند مدخل القاعة.
“أحضرتَ؟”
صوتٌ ثقيل، دافئ، أمسك بي.
“جلالتكم.”
تقدّم البابا غريس، يتبعه اثنان من الكهنة الكبار، بابتسامةٍ ودودة. انحنيتُ قليلًا ثم اعتدلت، فانقبضت ملامح أحد الكهنة.
العائلة المالكة في غليسيا تُدعى نوّاب الحاكم، ومكانتها مساوية لمكانة البابا، لذا لم تكن تحيتي خروجًا عن اللياقة.
“نُعجب دائمًا بتديّنكِ الصادق. إن واصلتِ هذا الثبات، فسيدرك الآخرون أيضًا صدق سموّكِ.”
أعلنتُ الطلاق، لكن لا يجوز أن أُظهر فجأة تصرّفًا مختلفًا تمامًا عمّا اعتادوه، فيثير ذلك القلق.
في نظر الآخرين، كان يجب أن أبقى مطيعة، ومتديّنة.
“سموّكِ، حان وقت المغادرة.”
“نعم، إذن.”
حين التفتُّ، كان ليام قد اختفى.
وكعادتي، توجّهتُ في طريق العودة من المعبد إلى الطابق الثاني من مقهى الحلويات الذي أزوره دائمًا.
الطاولة التي كنتُ أجلس إليها كانت، في هذا الوقت من اليوم، شاغرة دائمًا. العيون المراقبة كانت كثيرة.
‘كيف سيقترب؟’
كان في ترقُّبِ ما سيفعله ليام نوعٌ من المتعة.
من مقعد النافذة في الطابق الثاني، كانت حركة الشارع واضحة. أناس يبدون سعداء، عائلات تمرّ مبتسمة، عشّاق.
في حياتي السابقة، كنتُ أحسد بلا نهاية ما لم يُمنح لي.
أمّا الآن، فاكتفيتُ بالاستمتاع بحلوى أتناولها بعد غياب طويل.
غرفتُ بالكعكة شوكةً مليئة بالكريمة الناعمة وأدخلتها فمي. حلاوتها التي ذابت على طرف لساني كانت طعمًا اشتقتُ إليه.
‘هذا هو الطعم.’
بعد ثلاث حيوات، بدا كأنه زمن طويل.
جلس شخصٌ إلى الطاولة خلفي.
كان ليام ويلبوير. لم أحتج أن ألتفت.
حتى لو أغمضتُ عينيّ، كنتُ أشعر به.
لليام رائحةٌ مميّزة.
لم أزر الصحراء من قبل، لكنها كانت رائحة شمسٍ حارقة وهواءٍ جاف، كعاصفة رملية قاسية.
امتزجت تلك الرائحة بنَفَسه الرجولي الثقيل، فكانت تُعلن عن وجوده أينما كان، سواء في زنزانةٍ باردة أو في مكانٍ تفوح منه رائحة الدم.
“سعيدٌ بلقائكَ هنا. كيف حالك؟ وكيف العمل؟”
“بما أنني بخير، فنحن نلتقي هكذا. لقد صرتَ أكثر أناقة.”
كان قد تبعني ليقابلني، لكنه كان يتحدّث مع من يجلس خلفه، وكأنه سعيد بلقاءٍ طال انتظاره.
“آه، يبدو أنه هنا. سأذهب لأسلّم عليه قليلًا.”
“اذهب.”
“آسف. سأعود حالًا.”
انتهى الحوار القصير، وغادر الرجل الذي كان جالسًا مسبقًا المقهى. ومن خلال النافذة، رأيته يخاطب رجلًا يقف في الشارع ثم يتعانقان.
“ما الذي تخطّطين له؟”
صوتٌ بارد خاطبني بهدوء.
كنا نجلس متقابلين بالظهر. المسافة بيننا أقرب من الجلوس وجهًا لوجه، لذا كان صوته واضحًا.
“أتظنينني أجهل الشائعات؟ الأميرة التي يُقال إنها عاجزة ومنبوذة من الحاكم، أي قوةٍ تملكها لتساعد أخي؟ الشخص الذي أحتاجه ليس أميرةً عاجزة مثلك، بل أحد أفراد العائلة المالكة القادرين على منح البركة.”
كان ليام يهاجمني.
الدواء الذي منحته الإمبراطورية لذوي القدرات الخارقة لم يكن ذا أثر على أخيه. نشأت لديه مناعة فلم يعد يجدي.
بحثوا عن طرقٍ أخرى وجلبوا أدويةً كثيرة، لكن بلا جدوى. الأمل الوحيد كان بركة العائلة المالكة في غليسيا.
ملك غليسيا ماطل، متظاهرًا بأنه سيسلّم أحد أفراد العائلة الملكية.
قال ليام ويلبوير بهدوء إنه راكم السمّ في قلبه طوال إقامته في غليسيا.
“أخي، مثلكِ، عاش ينتظر موته في عذابٍ أشد من هذا.”
“ولأنكم، يا أهل بيلتوا، عبثتم بحياة البشر، لم أستطع أن أكون إلى جانبه.”
“لو أن واحدًا فقط من بيلتوا قد مدّ يد العون……”
كان صوته منخفضا، مشبعًا بغضبٍ يمزق القلب، بعد أن ابتلع مرارته بصعوبة.
“تحرّيتُ الأمر، فلم يكن أحد يعلم بوصولي. لم يكن لبيلتوا أن تسمح بدخول ويلبوير إلى أراضيها. حتى الحراسة لم تختلف عن السابق. كيف عرفتِ بوجودي؟”
“هل أحضرتَ الزهور؟”
تهديده لم يصل إليّ.
ضحك ليام ساخرًا وأجاب.
“نعم. أحضرتها. ما الذي تنوين فعله؟”
مع صوته القادم من خلفي، أغمضتُ عينيّ وأفنيتُ زهوري. أطلقتُ القوة المخبّأة فيها.
ذلك الذي يُدعى بركة الحاكم.
القوة التي تُزيل عذاب ذوي القدرات الخارقة.
“ما هذا….”
وصلني من خلفي صوته، زفرةً خافتة، لكنها كانت مختلفة تمامًا عمّا سبق.
التعليقات لهذا الفصل " 6"