حتى في فرسان السحلية السوداء توجد فارسات، ومن بين أفراد عائلة ويلبوير امرأة تقود قافلة تجارية.
أي أنّ النساء اللواتي يُظهرن قدراتهن ويتصرفن بثقة لم يكنّ قليلاتٍ تمامًا حول ليام حتى الآن.
أورميا أيضًا، رغم مظهرها الرقيق، أظهرت صلابةً ضغطت بها على عدد كبير من الجنود وخرجت من بوابة القلعة بكل شموخ.
لكن عندما رأت جرو الذئب وأصرت عليه بدافع اللطف، خطرت في باله للحظة فكرةٌ ضيقة الأفق: في النهاية، هي أيضًا أميرة وامرأة.
كانت تلهث بالكاد وهي تسير وحدها في الطريق الجبلي، ومع ذلك قالت إنها ستأخذ جرو الذئب معها. بدا إصرارها شديدًا، ففكر: لنرَ إن كانت تستطيع فعلها فعلًا.
فهي ستستسلم قريبًا على أي حال.
لكن أورميا بيلتوا كانت عنيدة إلى حدٍّ مرهق.
عنيدة، وتفعل ما يحلو لها.
ومع ذلك، كان لديها إصرار.
كانت تتصبب عرقًا، لكن وجنتيها احمرّتا، فبدا منظرها جميلًا على نحو غريب.
حتى لو أنزلت الجرو على الأرض فبدا وكأنه سيتبعهم من تلقاء نفسه، ومع ذلك أصرَّت أورميا على عدم إفلاتِه من بين ذراعيها.
ظنّ أنه بما أنها تتبعهُ جيدًا فالأمر لا بأس به، لكنها ما إن رأت القرية حتى اطمأنت وسقطت أرضًا. أمسك بها قبل أن ترتطم وتتدحرج على الأرض.
كان الجسد الذي بين يديه حارًا.
حتى الشخص القوي سيجد صعوبة في الوقوف مع هذه الدرجة من الحمى، ومع ذلك كانت أورميا تتحمل بصمت وتقاوم.
“كان يمكنكِ أن تطلبي المساعدة……”
قالها، ثم ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح.
لا يمكن طلب المساعدة إلا إذا وُجد من يستجيب لها. الطفل الذي لا يملك والدين يواسونه لن يبكي حتى لو سقط.
حتى الآن، تحملت أورميا كل شيء وحدها. ومن الطبيعي ألا يكون من السهل عليها أن تطلب المساعدة..
كان يعلم ذلك، ومع ذلك خرجت الكلمات من فمه كأنها حسرة.
حين حملها على ظهره ونزل بها إلى القرية، كان أحد أفراد فرسانه في انتظاره.
وبسبب سوء حالة أورميا، استعاروا على عجل بيت شيخ القرية.
كان جرو الذئب ينبح إلى جوار أورميا بحذر، وهارلاند ينهالُ باللوم. نباح من هذا الجانب وثرثرة من ذاك، حتى أصبح رأسه على وشك الانفجار.
وفوق ذلك، أورميا التي استعادت وعيها بالكاد راحت تقول أشياء حمقاء برأس محموم.
“أنا آسفة. تأخرنا بسببي. لن أزعجك بعد الآن.”
قالتها بصوت واهن، رفيع كشمعة على وشك الانطفاء.
لم تستطع حتى أن ترفع عينيها، كطفل وُبِّخ بشدة.
“ظننتُ أنني بخير…… يُمكننا الإنطلاق غدًا. هذا سيتحسن بسرعة.”
لم تكن مُدركة حتّى لحالتِها.
لم يكن وضعًا يُشفى خلال يوم أو يومين.
وربما كانت أورميا ستحاول النهوض مهما كان الثمن كي تفي بكلامها.
حتى لو سقطت، ستقاوم وتنهض بقوتها.
تنهد دون قصد.
إنها شخص يستحق أن يُحَب، ومع ذلك اضطرت لأن تتحمل إلى هذا الحد…راودته هذه الفكرة.
“آسف لأنني لم أدرك ذلك. أعتذر. لا بد أنكِ كنتِ متعبة… أنا آسف.”
وفي تلك اللحظة، تفتحت زهرة واحدة.
لا، بل ظهرت عشرات الأزهار من حولها وتساقطت.
كانت عينا أورميا ممتلئتين بالدموع، كأنها ستبكي في أية لحظة، لكنها ابتسمت ثم فقدت وعيها مجددًا.
انسابت دمعة واحدة من طرف عينها.
كانغ! بعواء قصير، قفز الجرو فوق السرير. لعق وجه أورميا ثم جلس بهدوء بجانب عنقها يراقبها.
“انزل.”
عندما أمسكَ ليام بعنقه، أطلق زمجرة حادة إلى حدٍّ ما.
على يد ليام، كانت آثار أسنان الجرو واضحة.
اقترب هارلاند عندما رأى الجرو، فرحًا، لكنه تراجع بعد أن خدشه الجرو بمخالبه ومزق بعض شعره، معتقدًا أنه لا يمكن اصطحاب مثل هذا الحيوان.
“إلى أين تصعد؟ انظر إلى آثار أقدامك على السرير.”
كانت آثار أقدام الحيوان واضحة على السرير. عندما نظر فالكن الأبيض إلى السرير كما لو كان يفهم كلام ليام، فتح فمه على مصراعيه، مظهرًا دهشته.
“سيد ليام، لقد أحضرت الحساء… لكنها نامت مجددًا.”
دخل هارلاند حاملاً صينية الطعام.
“هيك! هذا الذئب، متى دخل؟ لقد حبسته بالتأكيد!”
“قالت الأميرة إنها ستربِّيه، لذا عليكَ أن تتحمل مسؤوليتك.”
“آه، سيد ليام! قلت لك لا! آه! هذا الحيوان عضني مرة أخرى!”
أخذ ليام الصينية وترك الجرو لهارلاند. حض الجرو ساق هارلاند ثم قفز من بين ذراعيه ليعضّ ساقه.
تشابك الإثنان على الأرض وهما يتدحرجان، كان المشهد عبثيَّا لدرجة أن ليام لم يستطع التمييزَ أيٌّ مِنهما هو الحيوان، وأشاح بنظره.
***
نظرًا لأن حرارة أورميا لم تنخفض، لم تستيقظ في اليوم التالي. لم يكن بالإمكان الانتظار حتى تستيقظ.
أَبلغ أحد سكان القرية، الذي ذهب إلى الجبال، أنه لاحظ أثرًا مريبًا.
حملها ليام على ظهره وتوجه إلى قصر دوقية ويلبوير. استخدموا الخيول حتى أسفل الجبل، وعندما ظهر طريق ممهد، انتقلوا بالعربة.
“هل سيكون الأمر جيدًا؟”
عندما يركب رجل وامرأة غير متزوجين العربة وحدهما، قد تنتشر شائعات، لذا ركب هارلاند معهم.
وضع ليام رأس أورميا على فخذه ونظر إليها؛ كانت وجنتاها محمرتان من الحرارة.
“لن يكون الجوُّ في القصر مرحِّبًا.”
“إنها ضيفة الإمبراطور. لن يجرؤ أحد على التدخل بلا سبب.”
“سيد ليام، الكبار ما زال لديهم مشاعر. ألن يكون من الأفضل إبلاغهم؟ لديها بركة.”
“لا. قبل إنقاذ كايلر، لا يجب إخبار أي شخص. إذا علم الإمبراطور، لا أحد يعرف كيف ستتغير الأمور.”
“لكن…”
“…على الأقل سيتصرفون بأدب.”
إنها ضيفة دعيت من قبل الإمبراطور. كان ليام واثقاً أن أفراد عائلة ويلبوير لن يرتكبوا أي تصرف أحمق.
تنهد هارلاند بقلق وهو ينظر إلى أورميا.
“قالت الأميرة إنها تريد الذهاب إلى الإمبراطورية، أليس كذلك؟ لا أفهم لماذا وصلنا إلى هذا الحد. كان من الأفضل لها العيش في غليسيا.”
وافق ليام على ذلك.
كانت أورميا قد أظهرت بركتها بنفسها واقتربت.
وبينما لم تتغير قراراتها، كان موقفها فرصة لا تعوض، لذا تصرف بسرعة قبل أن تتراجع.
لقد رأى واعترف بكل ما عانته أورميا من الرفض الأُسريِّ، وغياب الحب، والإساءة، والإهمال. لكنه لم يستطع فهم كيف يمكن لذلك أن يدفعها إلى خيانة وطنِها وترك أسرتها.
عائلة ويلبوير قوية الروابط، فلم يكن بإمكانه فهم الأمر.
‘لا بد أنها عانت الأمرين لتفعل ذلك’، هكذا حاول تقبل الأمر، لكن اسم ‘بيلتوا’ كان يزرع القلق في قلبه. ربما تملك هدفاً آخر.
‘طالما استطيع إنقاذ أخي…’
كانت بركة أورميا حقيقية. شعر ليام بذلك بنفسه.
حتى لو كان لديها هدف آخر، فلا بأس.
مهما فعلت أورميا بيلتوا، يمكن السماح به طالما لم تهدد عائلة ويلبوير.
“لابد أن لديها طلبات.”
طالما لم تهدد ويلبوير، يمكنُ تحقيق أي طلب.
نظر ليام إلى أورميا ببرود.
استغرقت العربة يومًا كاملًا لتصل إلى قصر دوقية ويلبوير.
دخلوا القصر قبل حلول الظلام، وكانت الأنوار مضاءة في القصر.
كان هناك شخصان فقط في انتظارهم عند المدخل، المساعد الأكبر برونو، وابن عمّ ليام الأكبر منه بثلاث سنوات، إيثان ويلبوير، المسؤول عن شؤون الجيش أثناء غياب ليام.
“مرحبًا بك، ليام.”
أمال إيثان رأسه، فانزلقت خصلات شعره الداكنة على كتفه. بلمسة خفيفة على كتف ليام، قال.
“لم يكن هناك حلٌ آخر، كان عنيدًا جدًا.”
لم يكن هناك حاجة لتحديد من يقصد.
كان الاستقبال صارمًا وباردًا، لكن ليام لم يُلقِ اللوم، وحمل أورميا مباشرة إلى غرفة الضيوف.
“الغرفة جاهزة، أليس كذلك؟”
دخل ليام غرفة الضيوف المخصصة للضيف، فوجدها قاحلة.
كونهم لا يعرفون متى سيأتي الضيوف، أعدوا الحد الأدنى فقط. عند وصول الإشعار، يتم تعديل الفراش والستائر حسب تفضيلات الضيف، لكن هنا لم يكن أي تجهيز.
كانت الغرفة خالية من الزخارف، والفراش بلا نقوش، ولا زهرة واحدة.
أول ما فعله ليام هوَ وضعُ أورميا على السرير.
غطَّى جسدها بالبطانية حتى الرقبة برقة، لكن برونو، الذي كان يقف خلفه، ابتلع ريقه.
على الرغم من صغر سنه، كان ليام قادرًا بوجوده القوي على منافسة الدوق الحالي.
عندما أشار إيثان بعينيه، ابتعد برونو عن المكان.
“لقد أبلغتُكم أن حالتها سيئة، أين الطبيب دومينيك؟”
“قامت العمّة أخذت كايلر إلى العاصمة. تقول إنها ستطلب المساعدة من جلالة الإمبراطور. لو كان يريد المساعدة لفعل منذ زمن، لكنها لم تفقد الأمل بعد.”
كان طبيب الدوقية دومينيك بمثابة الطبيب الشخصي لكايلر، الابن الثاني لويلبوير.
لذلك، كان هناك طبيب آخر في القصر تحسبًا لأي طارئ.
قراءتُه حالة ليام وعدم الالتفات، دفع إيثان للاستمرار بالحديث.
“أحضرت أيضًا الدكتور إيميت، واستدعت طبيب القرية.”
بأمر من والدتي؟”
“ومن يستطيع كسر كلمتها؟ لقد شددت على الجميع ألا يخرج أحد للاستقبال. كانت تتساءل ماذا ستفعل بإحضار أميرة عديمة الفائدة، وتقول إن ‘بيلتوا’ هم أعداء ويلبوير.”
“عائلة ويلبوير تظهر قوتها فقط في مثل هذه المواقف.”
ابتسم ليام ابتسامة مرة.
أرسل رسالة قبل مغادرة غليسيا، آملاً ألا يأخذوا كايلر إلى أي مكان آخر ويظل في انتظاره.
ورغم تنقلهم بين الينابيع الساخنة لتخفيف آلامه، إلا أن حالته لم تعد تسمح بالحركة.
ومع ذلك، قامت والدته غريس بنقله للعاصمة كنوع من الاحتجاج.
ومعلومة امتلاك أورميا للبركة لا تزال سراً تاما.
“متى غادروا؟”
“وصلت رسالة اليوم تفيد بوصولهم للعاصمة.”
هذا يعني أنهم غادروا بمجرد وصول رسالة ليام من غليسيا.
نظر ليام لأورميا. كان يتوقع المعارضة، لكن رؤية هذه المرأة التي عانت في غليسيا وهي تعامل كمنبوذة في أرضه أيضاً آلم قلبه.
“ليام.”
ناداه إيثان وهو يستند إلى الباب. نظر إليه ليام ببرود.
“إنها ضيفة مهمة جداً. ضعوا مشاعركم الشخصية جانباً، وعاملوها بأفضل شكل ممكن دون أي تقصير.”
“إذا كان هذا أمراً…”
ساد الصمت لبرهة ليؤكد ثقل كلماتِ ليام، ثم غادر الغرفة.
رغم قلقه من الغرفة القاحلة، إلا أن المهمات العاجلة كانت تتراكم. عليه التحرك بسرعة قبل انتشار المعلومات.
”أين والدي؟”
“دائما ما يكونُ إمَّا في المكتب أو في غرفة النوم. هو الآن في المكتب.”
تبع إيثان ليام وهو يراقب ظهره الصلب. توقفت الخادمات عن العمل وراقبن بصمت مرور الرجلين اللذين يقودان الدوقية حالياً.
التعليقات لهذا الفصل " 50"