في الحياة الثالثة، كان ليام يصطحب معه ذئبًا أعور العين.
كان شرسًا جدًا، وبسبب عوره حاول أحد التجار قتله، لكن ليام اشتراه وأبقاه معه، ليصبح كلب حراسته.
قالوا إن نموه يستغرق ثلاث سنوات، ومع أنه لم يكن قد اكتمل نموه بعد، إلا أن بنيتَه كانت ضخمة، لدرجة أنَّ الناس لم يجرؤوا على الاقتراب من ليام.
وكان ذلك الذئب أسودَ الكفَّين الأماميين فقط.
“يا صاحبة السمو، انطلقي أولًا.”
نفض ليام قدمه ونزع فالكن عنها. ولوّح بغمد سيفه ليمنعه من الاقتراب، ثم أشار إليّ أن أسبقَه.
كان هو بلا شك فالكن.
الذي كان يحرس جانب ليام امتلأ جسده بالندوب. فقد عاش حياة قاسية حتى نجا وحيدًا في البرية قبل أن يقع في أيدي البشر.
“اذهبي.”
خطا ليام خطوة واسعة إلى الأمام. أطلق فالكن صوتًا خائفًا وتراجع، ثم تدحرج وسقط من على المنحدر.
ومن صوت حفيف الأوراق بدا أنه لم يُصب بأذى بالغ. بدأ ليام بالمشي.
تبعتُه، أستمد بعض الطمأنينة من صوت أوراق الشجر المتساقطة القادمة من أسفل المنحدر.
لكن لم يكن هذا آخر ما بيننا.
“هذا الجرو اللعين.”
قطّب ليام حاجبيه والتفت نحوي. بل بالأحرى، إلى عند قدميّ.
كان فالكن يلاحقنا بإصرار. الغريب أنه كلما رأى ليام زمجر وكشف عن أنيابه، بينما كان يهز ذيله لي.
‘لماذا أنا؟’
ليام قتل أمَّه الذئبة، وقد تكون رائحته ما زالت عالقة فتجعله حذرًا منه، لكن لا سبب يجعله يُبدي وُدًّا لي.
عندما توقفتُ ونظرتُ إليه، اقترب فالكن من ساقيّ واتكأ على ربلة ساقي، وهو يراقب ليام بحذر.
لم يلمسني مباشرة بسبب الفستان، لكنني شعرتُ بدفءٍ ينتقل إليّ.
“هل أطعمتِه؟”
“ماذا؟”
“لا… نحن أنفسنا لا نملك ما نأكله، فكيف نطعمه. غريب. جرو بري لا يمكن أن يتبع البشر.”
عندما اقترب ليام مني، عاد فالكن ليزمجر. نظر ليام إليه نظرة هادئة، وكأنه يفكر ماذا يفعل به.
تذكّرتُ الحياة الثالثة.
كان ليام آنذاك يبدو وكأنه احترق ولم يبقَ منه سوى رماد، وكان قاسيًا حتى مع فالكن، لكنه أحيانًا، دون وعي، كان يمد يده ليُربّت عليه.
في تلك اللحظات، كان دفءٌ خافت يتسلل إلى عينيه، وتطفو مشاعره. ابتسامةٌ باهتة تظهر للحظة ثم تختفي.
كان فالكن بالنسبة لليام صديقًا يمكنه أن يُسندَ ظهره إليه.
إن افترقنا هنا، هل سيلتقي فالكن وليام مرة أخرى؟
هل غيّرتُ أنا لقاءهما؟
“ليام.”
حتى لو أنقذتُ أخاه، لا أحد يعرف كيف ستكون حياته لاحقًا.
أريد أن أعيد إليه فالكن، الوحيد الذي تعلّق به قلبه.
“هل يمكنني تربيته في مقر الدوقية؟”
“تريدين أخذ هذا؟”
وبلا أي إحساس بالموقف، عضّ فالكن ربلة ساق ليام. لكنه لم ينظر حتى إلى الجرو الذئب الذي هاجمه بجرأة.
“في هذا الوضع؟”
“سأحمله أنا.”
كنت بالكاد أستطيع مجاراته في المشي.
مجرد اللحاق به كان يجعل أنفاسي تتقطع، وقلبي يخفق وكأنه سينفجر. كنت متعبة.
لم يظهر المطاردون بعد، لكن علينا أن نلتقي بجيش الإمبراطورية سريعًا، لذلك قد يبدو كلامي سخيفًا.
مع ذلك، لم أرد ترك فالكن خلفنا.
بدافع العجلة، حملتُ الجرو الذي كان يزمجر محاولًا عض كاحل ليام.
كان أبيضَ كثيفَ الفراء، ككرة قطن، لكنه ثقيلًا بما يكفي لأتردد لحظة.
كان عليّ أن أسند مؤخرته جيدًا.
رغم أنَّه كان يهز ذيله لي، خفتُ أن يعضّني لاحقًا. لكن عينيه، اللتين ضاقتا حذرًا، ما إن نظر إليّ حتى اتسعتا، وارتسمت على وجهه ملامح دلع.
بدأ ذيله يهتز بسرعة.
حتى ليام، الذي كان على وشك الاقترابِ بدهشة، توقف في مكانه.
“إنه هادئ.”
“شخص بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه يقول إنه سيحمل عبئًا؟”
“أستطيع أخذه.”
كان كلامه صحيحًا، لكن فالكن تبعنا لأنَّه يريد النجاة.
كان دافئًا، يرفع رأسه إليّ بوجه بريء ويهز ذيله.
“لن أساعدكِ.”
كانت نبرته تقول إنني سأتخلى عن الأمر بنفسي من شدة التعب.
“نعم! شكرًا لك. هذا رائع، فالكن.”
“حتى أنّكِ أطلقتِ عليهِ اسمًا بالفعل…”
كان بحجمٍ يسمح له أن يحتضن صدري بسهولة.
لم أحتضن حيوانًا من قبل، فكان الإحساس غريبًا. في القصر الملكي، كان إخوتي يربّون الحيوانات، لكن لم يُسمح لي بذلك قط.
كنتُ خائفة أيضًا.
لم أستطع تربية حيوان، خوفًا من أن يمتد إليه شُؤمي كما يقول الناس، فيموت سريعًا.
في أسرة أولان لم يكن الأمر واردًا أصلًا، وفي الحيوات الأخرى لم تكن لدي تلك الحرية.
توقع ليام أنني سأستسلم سريعًا، وكان محقًا إلى حدٍّ ما.
كانت يداي مشغولتين تمامًا. في الطريق الوعر لم أستطع التمسك بالأشجار لأُسند جسدي، فاضطررت إلى الاعتماد أكثر على ساقيّ، وتضاعف الإرهاق.
ذلك الثقل الذي شعرتُ به منذ اللحظة الأولى التي حملته فيها، ازداد ثقلًا مع الوقت.
حتى السير وحدي في هذا الطريق الجبلي القاسي كان شاقًا، فكيف وأنا أحمله؟
كما في الحياة الأولى، حين كنت أركض في الأزقة هاربة من الناس، ضاق نفسي بشدَّة. وبسبب رطوبة الطريق الجبلي، ازداد تعرّقي.
كان الزفير الخارج من صدري حارًا.
تجمعت الحرارة خلف عينيّ، وتشوش رأسي.
كان ليام يلتفت بين الحين والآخر، يراقب إن كنت أتابع السير، أو متى سأعلن الاستسلام.
ابتسمتُ له عنادًا.
ومن المفارقة أنني، كلما ازداد جسدي تعبًا، شعرتُ بوضوح أكبر أنني على قيد الحياة.
ما دمتُ حية، فمن الطبيعي أن أتعب، وأن أشعر بالحر والضيق من الرطوبة.
راودتني فكرة الهروب إلى موتٍ مريح، لكن هذه اللحظة التي شعرتُ فيها أنني قد أسقط في أي ثانية كانت مفرِحة.
كم كنتُ عاجزة في الحيوات السابقة؟
لم أعد أسيرة لا تملك أن تفعل شيئًا. حتى لو كان الأمر صعبًا، كنتُ أحرّك ساقيّ، أحمل فالكن، وأخطو خطوةً نحو مستقبلٍ أفضل، ولو قليلًا.
قد لا أستطيع تغيير موتي، لكنني حاولتُ، ولو لاحقًا، أن أكون نافعةً لليام.
“أرى قرية.”
توقف ليام وتنحّى جانبًا، فظهرت قرية صغيرة تضم نحو عشرة منازل متجمعة. كان هناك تجمّع سكني في عمق الجبال.
“إن تقدمنا قليلًا فقط—”
ما إن خطوتُ خطوة حتى انقلب جسدي وسقط، واسودّت الدنيا أمام عيني.
شدَدتُ فالكن إلى صدري كي لا يسقط. شعرتُ بيد ليام تمسك بي.
“كان يمكنكِ أن تطلبي المساعدة…….”
سمعتُ صوته باهتًا قبل أن يغيب وعيي.
***
بالطبع، كنتُ قد طلبتُ المساعدة مرارًا في الماضي.
“ألستِ في عمرٍ يمكنكِ فيه الاعتماد على نفسكِ؟”
“جلالة الملكة مشغولة.”
“الأمير نوير يختلف عنكِ، الأولاد نموهم أبطأ. هل تريدين المديح لهذه الدرجة؟”
كانت الرُّدود التي تعود إليّ، مصحوبة بتنهدات، مليئة بالضجر في كل مرة.
كان هناك خدمٌ في القصر الملكي يستجيبون لطلبات الأميرة، لكنهم كانوا يوبخونني بنظراتهم، أو يضعون الكؤوس بقوة ليُشعروني بالانزعاج.
لم يكن مسموحًا لي أن أطلب، وإن أصدرتُ أمرًا كانوا يتجاهلونه بحجة وجوب الرجوع إلى الملكة أو إلى من هو أعلى منهم.
وعندما تتراكم مثل هذه الأمور شهرًا، ثم سنة، ثم سنوات، يصبح الطلب نفسه أمرًا صعبًا.
لأنكِ تعرفين مسبقًا أنكِ سترفضين.
ولأنهم سيتجاهلونَكِ.
لأن صوتكِ لا يصل إليهم، ولا يُسمَع.
ومع الاعتياد على الاستسلام، غاصت كلمة “طلب” عميقًا في ذهني.
فكيف يمكنني أن أنطق بها؟
ليام قال منذ البداية إنه لن يساعد.
“قلتُ لكِ، ألا تتذكرين ذلك؟”
“لا، قلتُ إنه لا يمكن. يا إلهي، كم هذا مُتعب.”
“كان عليكِ أن تصغي جيدًا حين تكلمتُ، أورميا.”
الإنسان قادر على ممارسة العنف بالكلام وحده.
كانوا يتأففون لأنني أُجبرهم على تكرار الكلام ذاته.
حتى لو شددتُ ظهري ورفعتُ رأسي، فإن أورميا في داخلي كانت تصغر أكثر فأكثر.
رغم أنني أحاول الآن أن أمتلك القوة وأتغير، فإنني، وقد صغرتُ بالفعل، كنتُ أُظهر أحيانًا ضعف حياتي السابقة.
‘لا بأس.’
أنا أتحسن شيئًا فشيئًا.
وهذا يكفي.
أورميا في داخلي ما زالت صغيرة، لكنها رفعت صوتها أمام الدوقات وخرجت من بوابة القلعة، ومنحت البركات وزرعت السمّ.
نبذتُ عائلتي والذين حولي بيدي، وكان لديَّ هدف أريد تحقيقه قبل الموت. ثم غادرتُ غليسيا ووصلتُ إلى الإمبراطورية.
‘أنتِ تقومين بعملٍ جيد.’
أنا أعلم.
أعلم أنني أبلي بلاءً حسنًا.
ورغم أنني أقسمتُ ألا أتزعزع بكلام الآخرين، وألا أسمح لهم بهزّي—
ورغم كل ما مررتُ به—
“كان يمكنكِ أن تطلبي المساعدة…….”
ما زلتُ ضعيفة.
كانت هناك كلمات أقسى وأشد إيذاءً، ومع ذلك آلمني قول ليام وحده.
كنتُ أظن أنني صرت قادرة على رفع رأسي والمضي قدمًا بثقة، لكن في داخلي ما زالت أورميا الصغيرة الجريحة منكمشة.
‘لأنني كنتُ غضبًا من الحاكم.’
رغم أنني أعلم الآن أن هذا لم يعد صحيحًا، فإنني، وبحزن، ما زلتُ أنكر نفسي.
تسللت رائحة العشب الجاف.
لم يكن سريرًا فاخرًا محشوًا بالقطن أو الفراء، بل سرير خشن محشو بالقصب، يخترق القصب الملاءة ويخز جلدي بخدر.
كانت غرفة متواضعة، لكنها تحمل أثر حياة.
كان جسدي ثقيلًا فلم أستطع حتى التفكير في النهوض، واكتفيتُ بإدارة رأسي بصعوبة.
التقت عيناي بعيني ليام. وبجواره كان هارلاند، الذي افترقنا عنه عند الحدود.
“بهذه الحالة كان يجب أن تنتظر! مهما كان حقدك على بيلتوا، فهي امرأة كانت قد سقطت في الماء، كيف تجعلها تمشي في طريق الغابة؟!”
“هارلاند.”
“حتى لو قالت إنها بخير، كان يجب عليكَ أن تمنعها يا سيدي ليام! سمو الأميرة ليست فارسًا يواصل المسير أيامًا بلا نوم!”
“كفى.”
“أعرف أنك لا تحب سماع التوبيخ، لكن حان الوقت لتخالط المجتمع قليلًا وتتعلم كيف تتعامل مع النساء! قلت إنك ستأخذ سموها إلى مقر الدوقية، أليس كذلك؟ لديها بركة. إن حاولوا إعادتها من غليسيا، ولو مرضت قليلًا، فسيستغلون ذلك ذريعة لقول أي شيء! ألا تفكر حتى في الاعتناء بها؟!”
“الأميرة استفاقت.”
نظر هارلاند إليّ بذهول.
وحين التقت أعيننا، تراجع بسرعة وكأنه يهرب.
“……آه، لدي عمل، سأذهب الآن.”
قبل أن يخرج، أطلّ هارلاند برأسه من الباب موجّهًا حديثه إلى ليام.
“وبخصوص ذلك الأمر، من فضلكَ قل أنَّه مرفوض. مستحيل.”
بعد خروجه، خيّم الصمت.
لم يتكلم ليام، لكن ضيقه وصل إليّ بوضوح.
وقبل أن أستعيد وعيي بالكامل، ظلت الكلمات المنحازة التي تركها هارلاند تتردد في أذني.
“مهما كان حقدك على بيلتوا…….”
“ولو مرضت فسيستغلون ذلك ذريعة…….”
رغم أنني أمدّ له يد العون بنيّة طيبة، فإنني بالنسبة لليام ما زلتُ مجرد شخص غريبٍ يثير الشك.
أنا أريد مساعدة ليام، وليام يريد إنقاذ أخيه. لم نكن سوى شخصين التقت أهدافهما.
تنهد ليام بخفة، ثم عبث بشعره وجلس إلى جانب السرير.
ذكّرني منظره بالخدم والوصيفات الذين كانوا يتنهدون قبل أن يبدؤوا خدمتي.
“أنا آسفة. تأخرنا بسببي. لن أُتعبكَ بعد الآن.”
كانت حالتي أسوأ مما توقعت.
كان صوتي متشققًا وخشنًا، ومجرد الكلام جعل حلقي يؤلمني وكأنه سينقطع.
“ظننتُ أنني بخير…… يمكننا المغادرة غدًا. هذا سيتحسن بسرعة.”
يوم موتي محدد سلفًا، لذا فهذا القدر لا بأس به.
هل كلماتي غير كافية؟
هل خيّبتُ أمله؟
لم يفتح ليام فمه بسهولة.
مهما كان رأيه بي، فهذا غير مهم.
يكفي أن أنقذ أخاه وأساعده.
“أنا آسف لأنني لم ألاحظ.”
توقفت أفكاري في رأسي المشتعل بالحمّى.
خلال ثلاث حيوات، فكرتُ.
ماذا كنتُ أريد من عائلتي، ومن الدوقات، ومن أسرة أولان، ومِن أولئك الذين لاموني؟
حتى الانتقام تجاهلتُه لأنه مُرهق، لكن عقدة صدري لم تُحَلّْ.
التعليقات لهذا الفصل " 49"