48. إنهاء الألم هو الرحمة
بعد أن انتهينا من الطعام، جلسنا نتدفأ على موقد النار.
انكمش جسدي أمام هواء الجبل البارد. لم أستطع الاستلقاء، واكتفيتُ بإمساك سُكّرة زهرية باهتة اللون كانت في جيب فستاني.
كنت أريد أن أعطي ليام السكاكر، لكنني ترددتُ في كيفية فتح الموضوع.
منذ اليوم السابق وهو يبحث عني بلا توقف، وكانت مسيرة شاقة حتى عبور الحدود. أكلنا العشاء، لكن الكمية لم تكن كافية.
‘لا بد أنه متعب… لو أعطيته السُكّرة لكان أفضل.’
وبينما أنا مترددة، غفوتُ على حالتي.
استيقظتُ على بردٍ يتسلل إلى العظام. وعندما نهضتُ، سقطت أوراق الشجر التي كانت تغطيني.
لم يكن في الكهف سواي.
“ليام؟”
كان موقد النار لا يزال مشتعلًا بقوة، يبدو أنه أضاف حطبًا في منتصف الليل.
خارج الكهف، كان الفجر مغطى بضباب كثيف لا تُرى خلاله الأشجار بوضوح.
هممتُ بالنهوض، لكن جسدي كان يتمزَّق ألمًا في كل موضع.
رفعتُ جسدي المتصلب كقطعة خشب.
ارتديتُ الفستان الذي ما زال يحتفظ بشيء من الرطوبة. ظننتُ أنه لن يجف لكونه سميكًا، وبالفعل لم تجف إلا الأجزاء الرقيقة، بينما بقيت الأجزاء السميكة رطبة.
وحين خرجتُ إلى مدخل الكهف لأتفقد الخارج، أوقفني ليام.
“المكان خطر، إلى أين تذهبين؟”
كان بلا قميص، مكتفيًا بسترة مجعدة فوق صدره العاري، بعدما أعطاني قميصه بالأمس.
شعرُه الذي كان ممشطًا بعناية أصبح مبتلًا بندى الصباح، وانسدل بلا ترتيب.
توقفتُ لحظة وقد نسيتُ الكلام أمام مظهره الحادّ القوي.
“هل نمتِ جيدًا؟”
“لم أستطع اصطياد شيء. لذا سنُفطر بهذا.”
ناولني تفاحة ما زال الندى عالقًا بها، يبدو أنه قطفها أثناء تجواله.
كانت أكثر احمرارًا وشهية من الفاكهة التي جمعناها بالأمس.
“لا تزال هناك فاكهة من أمس.”
“تلك لي.”
تقدَّم نحو القميص المعلق على الشجرة.
تأمله لحظة، ثم أدخل ذراعيه فيه بحركة غير مريحة، وبدأ يأكل فاكهة الأمس.
“لا توجد آثار لملاحقين. لكن لا يمكننا الاطمئنان. يبدو أننا دخلنا الغابة بعمق أكثر مما توقعت، علينا التحرك.”
“نعم. سأطفئ النار.”
تذكرتُ ما كنا نفعله أثناء التخييم، من إطفاء النار قبل انطلاق الفرسان.
رفعتُ طرف فستاني وبدأت أركل التراب بقدمي نحو الموقد.
حرّكتُ قدمي بجد. كان ليام ينثر أوراق الشجر على الأرض ليمحو آثار مكوثنا، وعندما التفتَ إليّ كان ينظر إليّ بتعبير مذهول.
“ما الأمر؟”
“لا شيء.”
غطى فمه بيده، لكنني رأيتُ وجنتَه تختلجُ بضحكةٍ مكتومة. احمرّ وجهي خجلاً.
“ما الأمر؟”
“الأميرة تعمل بجدٍ فعلًا.”
“هاه؟ لقد رأيتُ الفرسان يطفئون النار هكذا.”
“الطريقة صحيحة.”
بركلة واحدة من ليام، انهالت كومة من التراب على الموقد. النار التي لم تنطفئ رغم محاولاتي المتكررة خمدت في لحظة.
بينما كان يمحو ما تبقى من الآثار، بدأتُ أضفِّر شعري.
قال ليام في حياتي الثالثة إن الشعر الطويل يعلق بالأغصان أثناء السير في الغابة.
“هل سنرمي هذا؟”
“نعم، إذا ارتديتُ كل شيء سيصبح ثقيلًا.”
نظر إلى الفستان الداخلي الذي خلعته، ثم مزّقه بقوة. أخذ قطعة كبيرة ولفها على كتفي كعباءة.
“قد لا يبدو جميلًا، لكن الضباب لم ينقشع والجو بارد. أفضل من عدم ارتدائه.”
أما القماش المتبقِّي فقطّعه إلى شرائط طويلة كالأربطة.
أجلسني دون تردد ورفع طرف فستاني. لم أجد وقتًا للاعتراض، إذ لفَّ القماشَ من قدمي حتى ساقي.
“آه… شكرًا لك.”
“كان عليّ أن أترككِ ترتدين الحذاء.”
شعرتُ بالدفء يسري في ساقيّ.
بعدها، خرجنا من الكهف وانطلقنا.
كان ليام صيادًا ماهرًا.
الغابة المغلّفة بالضباب لم يكن يُعرف فيها أين الشرق من الغرب، وحتى عند الصّعود إلى أرض مرتفعة لم يكن بالإمكان رؤية ما حولنا لتحديد الموقع.
ومع ذلك، كان يرفع نظره أحيانًا إلى الأشجار ليحدد الاتجاه.
وكما قال، كانت الغابة المغمورة بالضباب باردة.
حتى طرف الفستان الذي كان قد جف قليلًا عاد فابتلّ من جديد.
لولا الأقمشة التي لفها حول قدمي، لكنتُ قد تعبتُ بسرعة.
كان ليام يمسك بي كلما تعثّرتُ بسبب الأوراق المبتلة والطحالب، ويقودني إلى الأمام.
كان ذلك شعورًا غريبًا.
ليام يسير أمامي، مواكِبًا خطاه مع خطواتي.
الضباب كثيف، فلا يُرى ما أمامنا. ومع ذلك لم أشعُر بالخوف.
كأن طريقًا جديدًا يُخلق أمامنا مع كل خطوة.
كأن لم يبقَ في العالم سوانا.
رغم أن الموقف لا يسمح بإرخاء الحذر، لم أستطع أن أزيح نظري عن ظهره.
خلال ثلاث حيوات، لم يحدث شيء كهذا من قبل. مستقبلٌ جديد كان ينفتح أمامي.
لم تكن محاولاتي عبثًا.
كنت أتقدم نحو نتيجة ذات معنى.
انقبض قلبي وسخنت أطراف عيني.
“شش.”
توقف ليام وأصغى.
سُمع خافتًا عواءُ وحفيفُ أوراق تُداس أثناء الركض. من الصوت وحده بدا أن هناك عددًا من الوحوش.
ثم سُمع صوت قصير حاد ‘كِـنغ’، واقترب شيءٌ بسرعة.
وسرعان ما دخل مجال الرؤية.
وحش أحمر اندفع نحونا.
“أميرة، إلى هنا!”
احتضن ليام خصري ورفعني إلى أعلى الشجرة.
كانت الأغصان زلِقة وسميكة، بالكاد تمسكتُ بها. لم تكن قوتي كافية.
“ادعسي على كتفي واصعدي.”
“ليام!”
أمسك بقدمي وأرشدني لأدوس على كتفه.
بعد أن تخبطتُ قليلًا، تمكنتُ بصعوبة من الصعود إلى غصن سميك. وعندما نظرتُ إلى الأسفل رأيتُ ليام يشهر سيفه.
“أن نلتقي بحيوان الإنتروس المقدس في مكان كهذا… لا أدري أهو حظ حسن أم سيئ.”
في حياتي السابقة، كان ليام يصحب ذئبًا أبيض.
كان حرّاس الجبال يقولون إن الذئب الأبيض الذي يعيش في سلسلة إنتروس هو حيوان مقدس، ويخشونه.
لم أدرك ذلك لأنَّه كان مغطى بالدم وهو يركض، لكنه كان أبيض الفراء. وكلما اقترب، شعرتُ بضخامته الهائلة.
“ليام، اصعد بسرعة إلى الشجرة!”
شدّ ليام قبضته على السيف.
وجّه السيف نحو الذئب المندفع، لكن خلف الذئب كانت هناك مجموعة من كلاب سوداء ضالة، تنبح وتطارده كأنها تطوّقه. كان عددها يتجاوز العشرة.
ظننتُ أن الذئب يستهدفنا، لكنه في الحقيقة كان هو المطارد.
“اللعنة!”
غرس ليام سيفه سريعًا في جذع شجرة ميتة ليصنع موطئ قدم، ثم قفز عليها.
حيثما مرّ الذئب، خُطّ طريق أحمر.
كان يركض يائسًا وهو ينزف. وعندما وصل أسفل الشجرة التي صعدناها، حذّرنا بعينيه ثم سقط.
الكلاب المثارة بدأت تنبح احتفالًا بالنصر.
حاول الذئب النهوض بصعوبة وراح يزمجر في وجهها، بينما أخذت الكلاب التي أحاطت به تضيق شيئًا فشيئًا.
ثم حدث أمر مروّع.
كانت الكلاب تعضّ الذئب الجريح عضّات خفيفة، واحدة تلو الأخرى، وتستفزه.
حتى وهو واقف، كان الذئب أطول من إنسان. بدا أنهم يريدون إنهاكه ببطء بدل المجازفة بهجوم مباشر.
“آآآووو!”
قاوم الذئب، لكنه كان وحيدًا. ترنّح وهو يعرج. بدا أن الكلاب عازمة على التهام روحه، إذ واصلت الهجوم بلا هوادة.
ظل الذئب واقفًا بعناد، لكن الدم تناثر على الأرض.
“إن تركناهم، فلن ينتهي الأمر.”
بدت كلماته كذريعة لمساعدته.
كسر ليام غصنًا قصيرًا ورماه نحو الكلاب.
اشتعل الغصن فورًا، فتراجعت الكلاب مذعورة.
“عندما يكون هناك وسيط، يمكن تعزيز القدرة.”
لأن آل ويلبوير عاشوا بلا بركة، تعلموا استخدام القدرة الخارقة بأقصى فاعلية بأقل قدر من القوة.
قفز ليام إلى الأسفل ولوّح بسيفه مهددًا الكلاب.
ولأن الصيد كان شبه ناجح، حاولت الكلاب الانقضاض عليه، لكن ما إن رمى غصنًا مشتعِلًا آخر حتى تفرقت وهربت.
أنشأتُ زهرة. وعندما لامستها، خمدت نار ليام.
لأن الصباح كان رطبًا والأوراق مبتلة، لم تنتقل النار إلى مكان آخر.
“ليام، خلفك.”
كان الذئب يترنح وهو لا يزال يحذره.
زمجر، ثم تدفق الدم من عنقه وسقط.
أنزلني ليام من الشجرة وتفقد حالة الذئب.
حتى بعيني الجاهلة، كان وضعه حرِجًا. كان يلهث محاولًا النهوض.
رغم أن الدَّم كان يتدفق من جراحه، ظل يتخبط بيأس ليعيش.
لكن حركتَه أخذت تضعف. لم يستطع الوقوف، ومع ذلك ظلَّ يزمجر محذرًا.
ألا توجد طريقة لمساعدته؟
إنه يريد الحياة إلى هذا الحد.
أمسك ليام بسيفه بإحكام. وكان رأس السيف موجّهًا نحو الذئب اللاهث.
ما زال حيًا.
“ليام.”
“إنهاء الألم هو الرحمة.”
لم يكن في يده تردد. ومع النصل البارد، أغمض الذئب عينيه.
نحن في الجبال، وعلينا الرحيل.
لا طريقة لعلاجه، ولو تركناه فستعود الكلاب وتنهشه حتى الموت.
كان اختيار ليام صحيحًا. صحيح، ولكن……
“لنذهب.”
“نعم.”
جمعنا الأوراق وغطينا بها جسد الذئب.
كان من الأفضل أن نبني له قبرًا من الحجارة، لكن علينا أن نغادر الجبل سريعًا.
كلٌّ موت يصبح في النهاية غذاءً لشيء ما، ويعود إلى الأرض، ليغدو جزءًا من الطبيعة وسمادًا لحياة جديدة.
وأنا أيضًا سأكون كذلك.
‘أتمنى أن يكون الأمر هكذا.’
أتمنى، ولو قليلًا، أن يكون لوجودي نفع.
كنتُ أتمنى ذلك، لكنَّ تخبُّط الذئب المحتضر لم يغادر ذهني.
تعِب جسدي في الطريق الجبلي الوعر، وتسربت أفكار كئيبة.
حدقتُ في ظهر ليام وأنا أواصل السير.
أليس تمسُّكي بالحياة شبيهًا بتخبط الذئب المحتضر؟
أعرف يوم موتي، ومع ذلك أتحرك نحو ما أريده. إنهاء الألم رحمة، لكننا سنموت في النهاية على أي حال.
لذلك، الآن فقط، أريد أن أعيش كما أشاء.
خطوتُ خطوة من أجل أن أمنح ليام حياة أفضل.
انقشع الضباب وظهرت الغابة، وبانت الجبال البعيدة. كان الحزن المتسلل ثقيلًا، لكنه لم يوقفني.
قليلًا فقط، قليلًا بعد.
فالموت مستقبل محتوم.
لذلك، ولو قليلًا، أريد أن—
“هاه، ما هذا؟”
في تلك اللحظة، خرجت كرة فرو صغيرة من الغابة وعضّت ساق ليام.
لم تكن قوية، لدرجة أن ليام اكتفى بالنظر إلى قدميه بدهشة.
تراجعت ثم عادت تعض حذاءه الجلدي مرات عدة، بشجاعة لا بأس بها.
“كنتُ أتساءل لماذا أُصيب حيوان الإنتروس المقدس… يبدو أنه كان يحمي صغيره.”
لقد قاتل ليحمي صغيره ثم استدرجهم بعيدًا.
شعرتُ بسرورٍ يتفتَّح في قلبي.
كان صغير الذئب، بحجم جرو تقريبًا، وكانت أطرافه الأمامية سوداء كأنه ينتعل حذاءً.
‘فالكن! إنَّه فالكن!’
التعليقات لهذا الفصل " 48"