تطايرت شرارة صغيرة من طرف السيف، ثم تشكّلت كرة من النار.
“أو لأنكم لم تتحققوا جيدًا.”
بدأت كرات النار تزداد عددًا واحدة تلو الأخرى، حتى ملأت المكان.
حتى الفرسان المعتادين على القدرات الخارقة تراجعوا وهم يترددون كلما ازداد عددها.
تحت وطأة الحرارة المتأججة وضخامة اللهب، نظر بعضهم إلى دوق بيرسي وقد ارتعبوا. فقد خدموا الدوق طويلًا، ويعرفون جيدًا مدى عِظم وقوة قدرة النار التي يُظهرها ليام.
حتى الدوقات لم يكونوا قادرين على إطلاق مثل هذه القوة ما لم يكن فرد من العائلة المالكة إلى جانبهم.
“الآن، لم يبقَ أحد يملك البركة.”
“ليام ويلبوير!”
“عليكم أن تختبروا اليأس الذي ذاقه آل ويلبوير. أليس هذا هو العدل؟”
دارت النيران ببطء، ثم تحولت إلى دوّامة هائلة، وانطلقت نحوهم.
“آآآه!”
حتى جيفري، الذي لم يخض معارك حقيقية من قبل، رأى بوضوح الفارق الهائل في القدرات.
حاول دوق بيرسي صدّ الهجوم بقدرة الماء، لكن نيران ويلبوير كانت أعظم وأشد حرارة. وعندما اقترب الموت حتى بات على مرمى خطوة، فرّ جيفري. ركض بكل ما يملك من قوة، هاربًا من أجل حياته.
كان النفس عالقًا في حلقه، ورئتاه تؤلمانه كأنهما ستنفجران.
كان يسمع دقات قلبِه بوضوح، يلهث كما لو كانت هذه لحظاتِ حياته الأخيرة.
‘أورميا كانت تملك بركة؟’
هذا غير معقول.
لم يكن من الممكن أن يتحقق أفراد العائلة المالكة ودوقات غليسيّا بإهمال.
لم يكن ليُعقل أن يفوتهم شخص يملك البركة.
إذًا، هل أخفت أورميا الأمر؟
‘لماذا؟’
لو أعلنت امتلاكها للبركة، لاختفى كل ذلك الاحتقار والتجاهل الذي عانته.
لعاشت مكرّمة، متحررة من وصمة عارها كغضب الحاكم.
‘هل خدعتني؟’
لماذا؟ كيف؟ ولأي سبب؟
شعر بالغضب.
وشعر بالغُبن. فإلى جانبه مباشرة كانت توجد امرأة قادرة على تغيير حياته.
امرأة كان يمكنها أن تقلب مصيره، وتنقله من مجرد نبيل إلى فردِ من العائلة المالكة نفسها. بل ربما ترفعه إلى مكانةِ لم يجرؤ حتى على الحلم بها.
وتلك المرأة كانت تحبه.
أورميا بيلتوا.
المرأة التي اتسعت عيناها دهشة عندما اقتربَ منها أول مرة وكلمها.
كانت حذرة وتضع مسافة بينهما، لكن بمرور الوقت فتحت قلبها له شيئًا فشيئًا.
أما بالنسبة لجيـفري، فلم يكن ذلك سوى تعامل اجتماعي.
مجرد جزء من عمله لإنقاذ عائلته، تمامًا كما كان يتملق دوق هايمان ليحظى برضاه.
كان ينوي استخدامها كَحجرِ أساسٍ يصعد بِه إلى النَّبالة، لكن أورميا بيلتوا، الجائعة إلى المودة، سقطت في شباكه بسهولة.
وحين ذُكر لقب الفيكونت، منحه الملك إياه وكأنه يقول له: خذه وارحل.
أما أورميا، فبعد الزواج رسمت خطًا واضحًا قائلة إنها لم تعد من آل بيلتوا.
كان جيفري يتوقع ذلك، ومع ذلك لم يستطع إخفاء خيبة أمله؛ هل كانت قيمة أورميا بيلتوا لا تتجاوز هذا الحد؟
لقد تحمل مسؤولية أميرة عديمة الكفاءة ينفر منها الجميع، لكن المقابل كان أقل بكثير مما توقع.
بل إن أورميا التصقت به كحلوى مُضغت ثم بُصقت، أو كمشروب مُحلّى انسكب على اليد، حلاوة لزجة خانقة.
تعلّقها الخانق جعل قلب جيفري غير مرتاح.
“سيدي… السيّد أولان. أنت الوحيد. الوحيد الذي أحبني.”
كانت تنظر إليه بخجل.
حين يكون معها، كان يشعر وكأنه مُعترف به حقًا. نظرتها التي ترى فيه كل العالم منحته ثقة لم يعرفها من قبل.
“جيفري.”
لكن صوتها صار عبئًا عليه.
“جيفري، ألا يمكنكَ أن تبقى إلى جانبي؟”
كانت عاطفتُها تخنقُه.
أحس وكأنها قيد إضافي يضاف إلى أعباء عائلته الثقيلة.
أبعدها عنه وأدار ظهره.
كان يخشى إن أمسكته، إن التفت إليها، ألاَّ يستطيع الإفلات. لذلك ازداد قسوة.
كان يخشى أن يقع في حب أورميا بيلتوا.
امرأة بلا قدرة، بلا مال، منبوذة من العائلة المالكة. لم يكن يريد أن يتدحرج معها في القاع.
لكن… اتضح أن أورميا بيلتوا كانت تملك بركة.
توقف جيفري، وقد اعتصر الألم صدره. قبض على موضع قلبه.
كان طموحُه يقتصر على أن يصعد إلى القمّة.
كانت والدتُه تمدحه دائمًا وتصفه بالابن العظيم، لكنه كان يعرف أكثر من أي أحدٍ أنه بلا قدرة حقيقية.
وحين طلب من أخته التقليل من مصروفها، جادلته قائلة إن الزينة ضرورية للحصول على زواجٍ أفضل.
كان ثقل العائلة التي يتحمل مسؤوليتها وحده كافيًا لإرهاقه.
كان يلهث ليطعمهم، ولم يشأ أن يضيف عبئًا جديدًا.
“جيفري، أريد أن أتزوجك.َ”
في تلك اللحظة التي كان فيها النفس يضيق، والقلب يكاد ينفجر، تذكّر أورميا وهي تتقدم بطلب الزواج بصوت خافت مرتجف، خائفة من الرفض.
لم يفكر بالزواج حين اقترب منها. كان الأمر مجرد علاقات، صلة بالقصر، جزءًا من العمل.
لكن حين تقدمت هي بالطلب، لم تخطر بباله أي أفكار أخرى.
في تلك اللحظة فقط، خفق قلبه بصدق.
أورميا التي لا تطلب شيئًا سوى الحب.
المرأة الوحيدة التي أحبّت جيفري أولان، الإنسان ذاته.
“جيفري؟”
رفع جيفري أولان رأسه عند سماعه الصوت المرح.
ليتريشيا بيلتوا. الابنة غير الشرعية للملك، وعلى عكس أورميا، كانت تملك البركة.
ليست من السلالة الشرعية، لكنها محبوبة من العائلة المالكة والنبلاء، نقيضَ أورميا تمامًا، المرأة التي يمكن أن تجعله كاملًا.
كأن الغزو الإمبراطوري لم يمسّها، وقفت ليتريشيا بمعزل عن واقع موت جميع أفراد العائلة المالكة المباركين.
كانت ترتدي فستانًا فخمًا وتبتسم له.
في ممر سجنٍ قاحل، بدت كمن خرجت للتو من مأدبة.
حتى إنه شك إن كان يرى هلوسة.
“ليتريشيا.”
نطق اسمها بفرح، لكنها رفعت زاوية فمها أكثر وهي تنظر خلفه.
“شخص غير ضروري. تخلصوا منه.”
في اللحظة التي انتهت فيها كلماتها، اخترق شيء ساخن جسده من الخلف واندفع خارج صدره.
نصل سيف بارد، سريع إلى درجة أن الدم لم يعلق به، برز من صدره.
“أ….”
جاء الألم متأخرًا.
‘مؤلم، مؤلم، مؤلم!’
بدأ الدَّم يتسرب من الجرح.
ما هذا؟
من الذي طعنه؟
لماذا تبتسم ليتريشيا، التي كانت تشتكي من اضطرارها للقاءات سرية وهمسات حب، وهي تراه ينزف؟
وسط دوامة الأسئلة، تذكّر كلمات ليام ويلبوير.
“وبهذا، لم يبقَ أحد يملك البركة.”
‘كيف لا يبقى أحد؟ ليتريشيا هنا.’
انسحب السيف، وهوَى جسده الثقيل على الأرض.
اندفع الدم من صدره، وبرُدت أطرافه. أنّة خرجت منه مع الألم الذي مزّق موضع الجرح.
“ليتريشيا….”
مدّ يده نحوها. شعر بشيء يسيل من فمه.
‘لن يعجبها هذا المنظر.’
مسح فمه، فتلون ظهر يده بالدم.
“أنقذيني، ليتريشيا….”
أمسك بطرف فستانها بصعوبة، فانكشف كاحلها.. لكن جلدها كان أسود تماماً.
لكن الجلد… أسود.
“قذر، لا تلمسني.”
نفضت طرف فستانها ببرود وتراجعت. ذراعها الظاهر من تحت الكم كان أسود هو الآخر.
“هل ظننت حقاً أنني كنت أهتم بك لأنك رائع؟ أيها الحشرة. لو لم تكن متزوجاً من الأميرة، لما تلطختُ بالتحدث معك.”
قالت بازدراء. لم تعد تلك المرأة اللطيفة.
“هل كان من الضروري قتله؟ هو دودة لا تستطيع فعل شيء على أي حال.”
اقترب ليام ويلبوير منها متجاوزًا جسد جيفري، ومسح دم السيف وأعاده إلى غمده.
رمقته ليتريشيا بنظرة باردة للحظة.
“لا داعي للإبقاء عليه حيًا.”
“لو أنكَ لم تتزوج الأميرة أورميا، لكان أفضل بكثير. لكنا التقينا علنًا.”
لم تكن هذه هي المرأة التي بكت في حضنه تشكو قسوة القدر.
“دائمًا أنا، أنا سأفعل، أنا سأثبت… مزعج! كلام فارغ عن أنَّ الآخرين سيعترفون بقيمتك. كم كان ذلك متعبًا. لا فعل ولا جهد، مجرد فم. بلا قدرة أصلًا.”
العينان اللتان رأتا فيه أعظم رجل في العالم امتلأتا بالاحتقار.
“تزوجت أميرة، وكان عليك أن تشكر ذلك. لكنك طمعت بي أيضًا. من يأخذ رجلاً لا يقدّر زوجته على محمل الجد؟ الخائن سيخون مجددًا، كيف يُوثق به.”
الشفاه التي همست بالحب شتمت جيفري أولان.
“وفوق ذلك، حاولت إلصاق عائلتك المتطفلة بي. لماذا أطعم عائلة غيري؟ لستُ مجنونة.”
كانت أورميا دائمًا تعتذر. أعطت أمه وأخته فساتينها ومجوهراتها.
لم يعد لدى جيفري قوة لرفع رأسه. لامس خدّه حجر الأرض البارد، وشعر بالدم الحار ينساب خارج جسده.
“سأذهب.”
“آه، لنذهب معًا يا ليام.”
لم يكن في تصرّف ليتريشيا وهي تخاطب ليام أي غرابة.
تلاشت خطواتهما، وبقي جيفري وحده في ممر السجن.
تلاشى بصره.
“جيفري.”
تردّد صوت أورميا بيلتوا في ذهنه، تِفك التي همست له بالحبّ.
‘لو عشتُ حياة زوجية حقيقية…’
لو أحب أورميا زوجةً له، ماذا كان سيحدث؟
حياة قصيرة على أي حال، ألم تكن لتكون أسعد قليلًا؟
زوجة تهتم بأمه وأخته، تحبُّ زوجها، ولا ترى سواه.
لو التقاها مجددًا، لو تزوجها مرة أخرى.
لو قال لأمه إنَّ الأمر مرهق، ولأخته إن المال غير موجود، وعاش سعيدًا مع أورميا.
“ليُقدّم العروسان الآن قبلة التعهّد.”
استعاد جيفري وعيه عند صوت الكاهن. معبد مليء بالمدعوين، الملك والملكة حاضرون، والدوقات يراقبون. وأمامه عروس مغطاة بالطرحة.
رفع الطرحة.
تذكّر لماذا أراد الزواج منها.
لأنها أحبّته كما هو، بلا قدرة ولا مال ولا نسب.
“أورميا.”
قبل أن يرى وجهها، انهار الوهم. اختفى الزفاف والعروس، ولم يبقَ أمامه سوى الظلام.
التعليقات لهذا الفصل " 46"