كان جيفري أولان يلهث بأنفاس متقطعة وهو يتلفّت حوله.
فرسان الإمبراطورية المسلَّحون كانوا منتشرين في أرجاء قصر غليسيا الملكي. كانوا يفتشون المارّة تفتيشًا صارمًا، فكان الجو مشحونًا بالعنف والتوتر.
لم يمضِ على غزو الإمبراطورية للعاصمة سوى شهرين فقط، وخلال تلك الفترة تغيّر الكثير.
قاد ليام ويلبوير فرسان الإمبراطورية، فاجتاحوا غليسيا بسرعة، واستولوا على العاصمة والعائلة المالكة في يوم واحد.
كان هجوم الإمبراطورية جارفًا إلى درجة أن فرسان غليسيا، بل وحتى الدوقات، عجزوا عن مقاومته. بدا الأمر ككارثة طبيعية لا يمكن لقوة البشر إيقافها.
تلونت شوارع العاصمة بالدماء، واحترقت البيوت.
الدوقات ذوو القدرات الخارقة، الذين طالما تمّ تقديسهم ووُثِق بهم، لم يتمكنوا من إظهار قوتهم حقًا بعد أن سقطت رؤوس أفراد العائلة المالكة. فإما استسلموا أو لاقوا المصير نفسه.
بدا أن الغزو قد خطِّط له بعناية، إذ لم تكن الأضرار جسيمة خارج العاصمة.
حاول المواطنون المقاومة، لكن مع سقوط الناس تحت أسلحة الإمبراطورية، وتدحرج رؤوس الملوك على الأرض، رفعوا الراية البيضاء في النهاية.
تغيّر كل شيء بين ليلة وضحاها.
وفي خضم تلك الكارثة، ظل جيفري أولان يختبئ هنا وهناك، ونجا بصعوبة.
وهو يشاهد بأم عينيه السفينة التي كانت تقل أمه وأخته وهي تشتعل بالنيران.
تلك الكتلة الحمراء القانية من اللهب اشتعلت فوق سطح البحر بعنف، ثم أخذت تغوص ببطء في الماء. حتى تحت الماء يمكن للنار أن تشتعل، فكّر جيفري بذهول ووجهٍ مبلل.
مسح جيفري الرماد العالق بوجهه، وسوّى ملابسه قدر المستطاع.
كان سبب مجيئه إلى القصر الملكي الساقط واحدًا فقط.
الاستسلام.
حين رأى سفن الهاربين تغرق في نيران ويلبوير، تلاشت من ذهنه حتى فكرة الفرار.
الإمبراطورية أعدمت أفراد العائلة المالكة الذين يملكون البركة، لكنها أظهرت تساهلًا مع النبلاء الذين استسلموا.
أعلنت أنها ستعترف بالألقاب إن تعاون النبلاء معها.
“على الأقل، كان لأورميا فائدة في النهاية.”
لقب الفيكونت الذي حصل عليه بزواجه من أورميا.
بعد زواجه من أورميا بيلتوا حدثت أمور كثيرة، لكن جيفري كان يشعر دائمًا بثقل الحياة المترفة التي حصل عليها.
القصر والمال الشهريّْ، كلها ثروة جاءت بها أورميا. لم يكن أيٌّ منها مِن إنجازه هو.
كان يظن أن ثروة أورميا، بما أنها دخلت بيت أولان، أصبحت من ممتلكات العائلة، لكنه كان واثقًا أن قدراته كفيلة بقلب الوضع خلال بضعة أشهر.
أميرة عديمة الكفاءة، أميرة لم يلبثْ أحدٌ أن تخلّى عنها.
لم تكن أورميا بيلتوا سوى حجرٍ يُداس عليه للصعود إلى القمّة.
بهذا التفكير، ظل يتجول خارج القصر بعد الزواج. لم يكن العمل سهلًا، ودوق هايمان لم يكلفه بمسؤولياتٍ مهمة. فشلت الاستثمارات التي دخل فيها، وكان المال الذي تنفقه والدته وأخته كل شهرٍ يفوق دخله أضعافًا.
لو أن أورميا قامت بدورها كما ينبغي!
لو أن أورميا بيلتوا كانت تملك البركة!
لكانت حياته مختلفة.
لم يستطع التخلص من فكرة أن النَّاس يحتقرونه، وأن الأمور لا تسير على ما يرام، فقط لأن أورميا عديمة الكفاءة.
لكن في هذه اللحظة، بعدما غُزيت غليسيا ولم يعد له مكانٌ يلجأ إليه وأصبحت حياته في خطر، شعر جيفري لأول مرة بامتنان ضئيل تجاه أورميا.
إن كان اللقب الذي ناله بزواجه من أميرة عديمة الكفاءة سيُعترف به كلقب إمبراطوري، فسيحصل على فرصة جديدة للنهوض من جديد.
بدا له أن كل تجاربه الفاشلة السابقة لم تكن سوى تمهيد لهذه اللحظة. امتلأ قلب جيفري بنشوة حلوة تسللت إليه.
“الإمبراطورية مكانٌ لا يُقارن بغليسيا.”
ومع ذلك، لم يجرؤ على كشف نفسه والاستسلام علنًا.
هل سيكون الأمر آمنًا حقًا لو تقدم أمام هؤلاء الفرسان والجنود المسلحين وقال: ‘أنا نبيل من غليسيا’؟
سمع إشاعات عن الاعتراف بالمستسلمين، لكنها في النهاية لم تكن سوى إشاعات.
وأثناء دورانه حول القصر دون أن يجرؤ على دخوله، لمح جيفري شخصًا مألوفًا. كان هناك وجه يعرفه بين جماعة تتحرك بخفية.
‘دوق بيرسي!’
كان أول ما فعله ليام ويلبوير بعد أن أسقط عاصمة غليسيا هو إعدام أفراد العائلة المالكة الذين يملكون البركة.
بإزالة البركة، قيّد الدوقات وجعلهم غير قادرين على استخدام قدراتهم الخارقة بسهولة.
ومع اختفاء العائلة المالكة التي كانت تُزيل الألم، وهو الأثر الجانبي لاستخدام القدرات الخارقة، لم يعد الدوقات قادرين على استعمال قواهم كما الماضي.
أُلقي القبض على الدوقات وأصحاب القدرات الخارقة من سلالاتهم أو قُتلوا على يد الإمبراطورية.
كان قد سمع أن دوق فالمان ودوق وينزر هُزما على يد ويلبوير، لكن دوق بيرسي كان لا يزال حيًا.
كان دوق بيرسي، بالنسبة للإمبراطورية، عدوًا وشخصية خطرة يجب مراقبتها.
“إن وشيتُ بدوق بيرسي إلى الإمبراطورية……”
كان الدوقات أصحاب القدرة الخارقة كياناتِ لا تُمسّ.
في السابق، كان سيسعى للتقرب منهم والتشبث بنفوذهم، لكن الآن أصبح وضعهم لا يختلف عن وضعه.
تبع جيفري دوق بيرسي وهو يتسلل من الباب الخلفي للقصر الملكي. لكنه لم يقطع سوى بضع خطوات حتى انكشف أمره.
عند نصل السيف الحاد الذي وُضع على عنقه بلا صوت، ابتلع جيفري ريقه الجاف.
“أأنت زوجُ الأميرة أورميا؟”
“أ، أنا جيفري أولان، فيكونت.”
رغم أنه تزوج أميرة، لم يتذكر دوق بيرسي اسمه حتى.
‘لنقدّم رأس الدوق للإمبراطورية ونبدأ حياةً جديدة.’
حسم جيفري أمره.
“لماذا تتبعني؟ ما نيتك؟”
“جـ، جئت لإنقاذ الأميرة أورميا. سمعت أنها محتجزة هنا.”
قالها بتلعثم ومن دون تفكير تحت تهديد السيف الحاد. كان قد سمع إشاعة أنهم أبقوا الأميرة أورميا على قيد الحياة وسجنوها، ويبدو أن هذا الكلام لامس شيئًا لدى دوق بيرسي.
“إذًا هدفنا واحد. على الأقل لديكَ وفاءٌ بصفتِك زوجها. سيكون من الجيد أن يكون معنا شخص إضافي لإنقاذ الأميرة. اتبعني.”
“أ، أتيتَ لإنقاذ أورميا؟ لِمَ؟”
“إنها الوحيدة المتبقية من السلالة الملكية.”
أمر دوق بيرسي الفارس بأن يغمد سيفه، وتمتم كأنه يحدث نفسه.
“الأميرة لا تملك بركة، لكن الطفل الذي ستلده سيكون مختلفًا.”
في تلك اللحظة، اتسعت عينا جيفري.
الآن وقد أُعدم كل أفراد العائلة المالكة الذين يملكون البركة، لم يبقَ سوى أورميا، السلالة الوحيدة للبركة. زوجته!
حتى قبل قليل، لم يكن جيفري يفكر إلا في الوشاية بدوق بيرسي، لكنه أدرك الآن الورقة التي يملكها.
الطفل الذي ستلده أورميا سيصبح منقذ أصحاب القدرات الخارقة.
وسيكون قادرًا على التحكم بالناجين منهم وتسخيرهم. لم يكن الأمر مجرد اعتراف به كنَبيل إمبراطوري فحسب.
ألم يُقال: رأس الأفعى خير من ذيل التنين؟
شدّ جيفري على خده المرتعش، وتبع بصمت مجموعة دوق بيرسي.
كان دوق بيرسي قد أنهى مسبقًا التحري عن مكان احتجاز أورميا، فسار بثقة عبر الممرات السرية للقصر الملكي.
وعند سماع صوت دروع الفرسان من خلف الجدران، كان جيفري يخشى أن يُكشف أمرهم، فيسرع خطواته وقلبه يكاد يقفز من صدره.
ومع تراجع الضجيج تدريجيًا، تخلصوا أخيرًا من الغبار العفن وشِباك العناكب المزعجة.
كان ذلك السجن.
تردَّد أنين المحتضرين من كل جانب، كأنها أصوات قادمة من الجحيم. شعر جيفري بقشعريرة، ففرك ذراعيه ونظرَ حوله بقلق.
عند اجتياز زاوية ممر السجن، توقف دوق بيرسي الذي كان في المقدمة. أطلّ جيفري برأسه من خلف كتِفه، ثم تراجع خطوة إلى الوراء.
كان ليام ويلبوير هناك، ذاك الذي لوّن غليسيا بالدم.
كان أشبه بملاك الموت، أسود الشعر والعينين والملابس، يمسك بيد بيضاء نحيلة امتدت من داخل السجن.
“……بركة؟”
تمتم دوق بيرسي وقد اشتدّ نفسه.
على وجه ليام ويلبوير، الذي كان يقتل أفراد العائلة المالكة بلا تعبير، امتزجت الدهشة والألم والذهول والصدمة.
وحين كادت اليد البيضاء أن تسقط على الأرض بضعف، أسرع ليام وأمسك بها.
“كيف توجد بركة……؟ لقد مات كل أفراد العائلة المالكة…….”
كان ليام ويلبوير ينظر إلى داخل السجن بوجه مذهول، ثم رفع رأسه عند سماع تمتمة دوق بيرسي.
كان قد نصب الفخ وانتظر، ثم عاد بوجه بلا تعبير ونهض.
“نعم، توقعت أنكم ستأتون لإنقاذ الأميرة أورميا.”
سقطت اليد البيضاء على الأرض بلا حول.
كأنها شيء بلا حياة.
“الكلب الجائع لن يتخلى عن البركة.”
“مـ، من هذا؟ من هو الملكي في الداخل؟”
بينما كان يسمع صراخ دوق بيرسي، نظر جيفري إلى اليد البيضاء الملقاة على الأرض.
كانت يدًا نحيلة، رقيقة، هزيلة.
تبادر اسم واحد إلى ذهنه.
‘أورميا؟’
لكن ذلك مستحيل. أورميا بيلتوا لم تكن تملك بركة. وقد رأى لتوّه ليام ويلبوير يتفاعل مع البركة، فلا يمكن أن تكون هي.
كان استنتاجًا منطقيًا، ومع ذلك شعر جيفري وكأن قلبه يهوي.
“لا يمكن أن يكون هناك أيُّ فرد من العائلة المالكة على قيد الحياة! من في الداخل؟”
وعند سؤال دوق بيرسي المنفعل، اتجه نظر ليام ويلبوير إلى داخل السجن.
تشوه وجهه الخالي من التعبير للحظة، ومرّ عليه شعور عابر، ثم اختفى.
“أنتَ تعلم منْ يكون بالفعل.”
“لا تقل إنها الأميرة أورميا بيلتوا؟”
‘لا، مستحيل!’
وكما فكر جيفري، نفى دوق بيرسي كلامه بنفسه بعد أن نطق به.
“هذا مستحيل! الأميرة أورميا لا تملك بركة!”
“سواء كانت تملك بركة أم لا. فهذا أمر لا يخصك، لأنكَ ستموت هنا.”
عند استفزاز ليام، استلّ الفرسان سيوفهم. وسحب جيفري سيفه على عجل.
كانوا خمسة، بينما كان ليام ويلبوير وحده. وفوق ذلك، كان معهم دوق بيرسي، صاحب القدرة الخارقة.
حتى لو كان ليام ويلبوير قد قتل فرسانًا ودوقات ذوي قدرات خارقة من قبل، إلا أن المواجهة منفردًا كانت في غير صالحه.
ويبدو أن دوق بيرسي والفرسان فكروا بالأمر على النحو نفسه، فاستعدوا للقتال.
داخل السجن كان هناك فرد من العائلة المالكة يملك البركة.
أثار دوق بيرسي قدرته الخارقة، وبدأ يجمع الماء من حوله ببطء.
تسرب الماء من شقوق الحجارة في السجن، ومن الأرضية والسقف الرطب، متخذًا شكل أفعى.
كانت هذه طريقته المعتادة، لإرهاب الخصم وبث الخوف فيه.
“أنقذوا الملكي!”
عند صرخة دوق بيرسي، اندفع الفرسان.
كان الممر ضيقًا ويقيد الحركة، لكنهم، وقد تدربوا طويلًا وتناسقوا معًا، هاجموا بلا تردد.
رغم أنه تصدى لهم، بدأ ليام يتراجع تدريجيًا.
“إنقاذ الملكي هو الأولية.”
عبس جيفري عند أمر دوق بيرسي، لكنه تبعه. ومع تراجع ليام، أصبح الطريق أمام السجن خاليًا.
وقف دوق بيرسي أمام باب الزنزانة محاولًا فتحه. لكن الرجل الذي كان عليه أن يفتح الباب لم يتحرك.
اتسعت عينا دوق بيرسي من شدة الصدمة، ثم أمسك بالقضبان. اشتدت قبضته حتى شحب لون يديه.
“يا دوق؟ لماذا لا تنقذهُ بسرعة و…….”
أطلّ جيفري من فوق كتف دوق بيرسي ليرى الداخل، فتجمد في مكانه.
كانت هناك امرأة ملقاة على الأرض.
شعر وردي فقد بريقه، بشرة شاحبة نزف منها الدم، فستان فاخر متسخ، وملامح وجهٍ مألوفة رغم هُزالها مقارنة بآخر مرة رآها. كانت المرأة أورميا.
التعليقات لهذا الفصل " 45"