44. لا يوجدُ حياةٌ تالية
تناثرت أزهار السهل في الهواء.
حلّقت القذائف فهزّت الأرض، وتعالت صرخات الجنود وأنينهم.
اجتزنا بتلات الزهور العالقة في الفراغ واندفعنا داخل نفق النار. بدا وكأنه سيحرق كل شيء، لكن داخله لم يكن حارًا.
“أوقفوا ويلبوير! لا تدعوهم يعبرون الحدود!”
“أنقذوا صاحبة السمو!”
تعالت صيحات دوق هايمان ودوق بيرسي، وبدأ الهجوم لإزالة نفق النار.
الماء يغلب النار.
الماء المحمول مع الرياح هدم جزءًا من نفق النار. كان ليام يعيد ترميمه بسرعة بقوته، لكن الدوقين اللذين عملا معًا طويلًا عرفا الطريقة.
كان نفق النار متينًا، لكن من خلال فجوات صغيرة اخترقت السيوف والرماح. تصدى لها ليام بسيفه، وتكفّل الفرسان الذين خلفه بالبقية.
إطفاء النار بالرياح ممكن، لكن دوق هايمان في وضعه الحالي لا يستطيع.
إنها الطريقة المحرّمة التي استُخدمت عند تأسيس غليسيا.
إفراغ الهواء من مساحة كاملة وتحويلها إلى فراغ قاتل يميت كل ما فيها ويطفئ النار.
لكن استخدام قوة بهذا الحجم يتطلب وجود فرد من العائلة الملكية إلى جانب المستخدم. قوة تستلزم أن يراهن شخصان بحياتهما.
والآن، أنا كنتُ إلى جانب ليام.
صحيح أنَّ الماء يغلب النار، لكن النار القوية تبخِّر الماء نفسه.
أمسكتُ بالركاب، وباليد الأخرى ضغطتُ على فخذ ليام. لم أستخدم بركتي بهذه الطريقة من قبل، لكنني كنت واثقة أنها ستنجح.
“ليام، سأساعدك.”
بدأت أزهاري تتطاير داخل نفق النار.
أزهاري هي البركة.
ما إن لامست الأزهار المتطايرة جدران النفق حتى اشتعلت النار بقوة أكبر. أُغلقت الثقوب المتفحمة من الهجمات الخارجية، واختفت الفجوات.
عزّزتُ قوة نار ليام وجعلت النفق أكثر صلابة.
“هاه؟ النار؟ بركة؟!”
وصلني صوت هارلاند المصدوم.
يبدو أن ليام ضبط قوته، إذ لم يتحمل جنود غليسيا الذين حاولوا اللحاق بنا الحرارة، فصرخوا وهربوا إلى الخارج.
اشتدّ ذراع ليام الممسك باللجام، وتصلّب.
“من يتأخر نتركه خلفنا!”
“مع هذا الطريق الذي فتحتَه لنا، فَيتأخر يستحق الموت!”
“آخر من يصل يشتري الجعة الليلة!”
انفجر الفرسان بالضحك وهم يتبعون ليام.
كان الموقف خطيرًا، ومع ذلك كانوا يضحكون. كل شيء بدا غريبًا.
أركض مع ليام داخل نفق النار. لامس صدْره الساخن ظهري، وانتقل إليّ صوت دقات قلبه المتسارعة.
أنفاسه الخشنة، حرارة النار، وأزهاري المتناثرة.
كل شيء في غليسيا تلاشى خلفنا، ولم يعد بإمكان أحدٍ الإمساك بي.
كراااخ! انفجرت قذيفة خلفنا.
انتهى النفق الذي بدا بلا نهاية.
لوّح أمامنا علم عليهِ سحلية سوداء، وكان جنود الإمبراطورية بانتظارنا.
“وااااه!”
اختفى نفق النار، وبسبب القوة العسكرية الهائلة للإمبراطورية، لم يجرؤ جنود غليسيا على تجاوز السياج الحدودي.
من خلف السياج، كان دوق هايمان ودوق بيرسي على صهوات خيولهم يحدّقان بنا.
رفع ليام سيفه ببطء نحوهما.
“الإمبراطورية لا تتجنب القتال إن فُرض عليها!”
أطلق جنود الإمبراطورية صيحات الاستهجان باتجاه غليسيا.
تصلبت تعابير الدوقين. جمحَ حصان الدوق، لكنه لم يعبر الحدود.
“ويلبوير! سنقدّم احتجاجًا رسميًا للإمبراطورية!”
“جئنا بصاحبة السمو أورميا بأمرٍ ملكي من ملك غليسيا!”
صرخ دوق هايمان، فردّ عليه ليام فورًا.
“هل تستطيعان تفسير خرقكما للأمر الملكي، واختطافكما للأميرة، وملاحقتها حتى الحدود وتهديدها؟ إن كان كذلك، فاحتجّا كما تشاءان!”
“لا تغترّ بنفسك، يا ويلبوير!”
“ستندمين، صاحبة السمو.”
حتى تحذير دوق بيرسي الهادئ تولّى ليام الرد عليه.
“الندم سيكون من نصيبكما.”
ألقى ليام نظرة سريعة عليّ، يسألني بعينيه إن كان لديّ ما أقوله لهم.
ليس لديّ كلمة أقولها لأناس لم يصغوا إليّ يومًا.
هزَزتُ رأسي نفيًا، فدار ليام بزمام الحصان.
“لنعد!”
“نعم!”
انطلقنا، وبقي جنود الإمبراطورية في مواقعهم يراقبون جنود غليسيا ويكبحونهم.
هذه هي أرض الإمبراطورية.
أخيرًا خرجتُ من غليسيا.
***
كانت عربة تقف أمام الطريق حيث يبدأ المضيق. هناك أنزلني ليام.
“سنذهبُ قلعة الدوق الأكبر بالعربة بأرياحية. لن يستغرق الأمر طويلًا.”
“نعم، شكرًا لك.”
“إذا تقدّمنا قليلًا سنصل إلى ساحة مفتوحة. سنتوقف هناك قليلًا للعلاج فقط ثم ننطلق.”
مرّت عيناه على الضماد الملفوف حول صدري. تسلّل دمٌ باهت من خلاله.
ما زالت قوات غليسيا تُرى من بعيد. لم يحن وقت التأمُّل في شعور مغادرة غليسيا بعد.
استندتُ إلى ليام ومشيتُ بساقين مرتجفتين.
ما إن أركب العربة، وأصل إلى القلعة، وأعالج شقيق ليام، ينتهي دوري.
أخيرًا سأردُّ دينه.
“لقد تعبتِ.”
فتح ليام باب العربة.
في الحقيقة، من تكبّد العناء أكثر هو ليام، وفرسانه أيضًا.
مهما كان قويًا، بدا الإرهاق واضحًا على وجهه. تلاقى نظرنا لحظة قصيرة، لكنها حملت مشاعر كثيرة.
حين خططتُ لهذا الأمر في البداية، لم أكن واثقة حقًا من قدرتي على مغادرة غليسيا. لكنني وثقتُ بليام.
ليام… ومع ليام، كان الأمر ممكنًا.
ارتجفت يدي الممسكة بمقبض العربة، فشدّدتُ قبضتي.
“ليام، أنتَ أيضًا… تعبت.”
بينما كنتُ أنظر لوجه ليام الذي ارتسمت عليه ابتسامة خفيفة، ابتعد فجأة عن نظري. رأيتُ صورته تبتعد وكأنها لقطات بطيئة في لوحة مرسومة.
رأيتُ وجهه وهو يتشوه من الصدمة.
ريحٌ خانقة شدّت جسدي وقذفتني في الهواء.
“أورميا!”
“دوق هايمان!”
سمعتُ صراخ ليام ودوق بيرسي.
امتلأ مجال رؤيتي بالسماء الزرقاء.
تهاونتُ.
نسيتُ أيّ شخصٍ هو دوق هايمان. ذاك الذي إن لم يستطع امتلاك الشيء، يدمّره كي لا يملكه غيره.
دوّي انفجار، وظهر ليام أمام عيني.
“تمسّكي جيدًا.”
احتضنني بكلتا يديه. لفّ ذراعيه حول رأسي وخصري وشدّني إلى صدره.
“اللعنة.”
سقطنا بسرعة.
ارتطمنا بالماء وأنا أسمع دقات قلب ليام. صدمةٌ عنيفة هزّت جسدي… بل روحي أيضًا.
***
في حياتي الثالثة، حين حُبستُ في البرج، فقدتُ كل دافع للحياة.
كانت هناك خادمة تعتني بي، لكنها كانت تضع الطعام وتغادر، وغالبًا ما كنتُ وحدي.
قضيتُ وقتًا طويلًا أستعيد حياتي الأولى والثانية، وما مضى من حياتي الثالثة.
ما الذي كان ينبغي عليّ فعله، وأي اختيار كان عليّ أن أتخذه.
ولِمَ حدث لي كل هذا.
ألقيتُ أسئلة بلا إجابة بلا نهاية، لأجل شيء واحد فقط.
كي لا أنهار.
لو توقفتُ عن التفكير، شعرتُ أنني لن أتحمّل.
جسدي الضعيف بدأ ينهش روحي، وشعرتُ كأن جزءًا مني ينهار ببطء، كجذع شجرة ميتة تتآكل.
تمتمتُ لأني أريد أن أعيش.
لا… إذا فكّرتُ بالأمر، لم يكن لأني أريد الحياة، بل لأنني كنتُ فقط أشعر بالملل.
أغمضُ عينيّ فيكون النهار قد صار ليلًا، وأغمضها وأفتحها مجددًا فيختفي الزمن، وتُملأ الأواني التي كانت فارغة بطعام بارد.
كنتُ فقط أتمتم.
كان دوق بيرسي يزورني سرًا ليلًا، وكان يحدّق بي إن فتحتُ فمي، لذا صرتُ أتمتم نهارًا فقط. وكان هناك من استمع إلى تلك الكلمات.
خادمة، أكبر مني قليلًا بالعمر، لكنها إذا حُسب عمرها بما عِشتْه كانت أصغر مني.
“فقط لأنه كان معكِ عند الموت صار مُحسنًا؟”
كانت الخادمة الفظة تظنّ تمتماتي مجرد أوهام.
أحيانًا كنّا نتبادل ما يشبه الحوار، وأحيانًا كانت تشتم من طرف واحد. وأحيانًا كنتُ أتعلّق بها فقط لأسمع صوتها.
“هو لا ينقذكِ ولا يخلّصكِ، بل سيغزو هذا البلد ويقتل الأمراء، ومع ذلك تقولين مُحسن؟ هذا لا يُعقل.”
كان ذلك قبل أن يغزو ليام البلاد.
ومع ذلك، من بين كل حيواتي، كان أكثر من شعرتُ بالامتنان له هو ليام.
“لأنّه كان إلى جانبي.”
“لهذا فقط؟ كان الأوْلى أن ينقذكِ. أن يُغدق عليكِ المال، ويجعلكِ تعيشين بأقصى ترف، وتتناولين أفخمَ الطعام، وترتدين أجمل الثياب. ماذا يتغير لمجرد أنه بقي قربكِ؟”
“لقد أنقذني… انتقم لي.”
“تلك الأوهام لن تساعدكِ. يا لكِ من شخص يعيش حياته ببساطة. هناك من تَخلّت عنها أختُها وتكدح بالكاد لتعيش.”
كانت الخادمة، القلقة على لقمة شهرها القادم، تكره الأيام التي تضطر فيها لإحضار الطعام لي.
كانت تحسدني على استلقائي بلا عمل في السرير.
وقالت إنها تتمنى لو عاشت بدلًا مني هذه الحياة “المحبوسة”.
في ذلك اليوم، كانت في مزاج جيد على غير العادة.
وفي النهاية، بعدما أفرغت غضبها عليّ، قُتلت بسيف ليام.
استخدمتُ كلمة “الانتقام” لأقنعها، لكن هذا لم يكن كل شيء. تراكمت أشياء كثيرة، لكن أكبر سبب لامتناني لليام كان أنه بقي إلى جانبي.
حين غزا غليسيا وجاء إلى البرج، كم كنتُ سعيدة لرؤيته.
بكيتُ فرحًا، لكن بالنسبة له لم يكن سوى هذيان شخص يُحتضر. ومع ذلك، كان يزورني أحيانًا وينظر إليّ بصمت.
كنتُ سجينة بلا زائرين، لذلك كان يتمتم كأنه يخاطب نفسه، يلومني ويشتم بيلتوا ثم يرحل.
في حياتي الثالثة، لم يكن لديّ وسيلة لمساعدته.
كان جسدي كجذع متعفن. علم ليام أن بركتي جعلت دوق بيرسي مدمنًا، فرفض أن يتلقّى البركة.
تحمّل الألم كراهبٍ ناسك.
وكان هو أيضًا يتعفّن ببطء من الداخل.
في حياتي الثالثة، لم أمضِ معه وقتًا طويلًا، لكن إذا أضفتُ حياتي الأولى، كان الشخص الذي بقي إلى جانبي أطول وقت.
“لو كانت هناك حياةٌ تالية.…”
شعرتُ بأن جسدي يحتضر.
صلّيتُ بصمت للإله.
إن كانت هناك حياة تالية، إن التقيتُ بهذا الشخص مجددًا، فلَيتني أستطيع مساعدته.
سأموت، لكنّني أريد على الأقل أن أكون نافعة له.
أريد أن أنقذ ليام ويلبوير وحده.
“لا، لا توجد.”
كأنه سمع تمتمتي، أجاب ليام بصوت جاف.
“لا توجد حياة تالية.”
‘لا أريد أن أعيش حياة كهذه مرة أخرى.’
لم يقلها، لكنني شعرتُ بها.
ليام ويلبوير لم يكن يحمل كلمة “الأمل”. لم يكن لديه دافع، ولا معنى للحياة.
بعكسي، أنا التي تعلّقت بكل شيء وطَمعت فيه، هو ترك كل شيء.
شخص جاف، يبدو وكأنه سيتفتت إن لمسه أحد قليلًا.
إن وُجدت حياة تالية، فليكن هذا الشخص سعيدًا.
ليمتلك ما لم أمتلكه أنا، ويشعر بما لم أشعر به.
حتى لو لم تستمر حياتي، فليكن ذلك بَدَلي.
***
فتحتُ عيني وأنا أشعر بدموع ساخنة تنساب من طرفهما.
كان ليام ويلبوير ينظر إليّ.
كان الظلام يحيط بنا، فلم أرَ سواه. كان مبتلًا ومتعبًا، لكن عينيه كانتا تشتعلان بالحرارة.
أعلنَ بصوت منخفض ثابت.
“لا توجد حياةٌ تالية.”
هل هذه الحياة الخامسة؟ أم حلمٌ أراه في حياتي الثالثة؟
انفجرتُ بالبكاء عند كلماته.
“لن أسمح للأميرة بالموت.”
#صورة
التعليقات لهذا الفصل " 44"