كانت قطرات المطر ترتطم بالعباءة المقاومة للماء، المدهونة بالزيت والتي غطّتني حتى رأسي، مُحدِثةً صوتًا مزعجًا.
استندتُ إلى ذراع ليام القوية التي كانت تطوّق خصري بإحكام، وركضنا فوق الطريق المبتلّ.
مع أنني كنت محمولةً عليه أكثر من نصف الطريق، إلا أنني حتى دون المشي أصبح نفسي لاهثًا، وكان قلبي ينقبض كأنه على وشك الانفجار.
كان ليام صلبًا.
ثابتًا كشجرةٍ عتيقة لا تهتز.
أعطاني عباءته فابتلّ هو تمامًا. حتَّى دون استخدام قدرته، كان جسده ساخنًا لدرجة أن البخار تصاعد منه. ومع أنه كان يحملني ويتحمّلني، لم تتباطأ سرعته أبدًا.
انضمّ فارسٌ تلو الآخر، ثم تباعدوا لاحقًا وهم يصدّون أتباع دوق بيرسي الذين كانوا يلاحقوننا.
الوضع لم يكن جيّدًا.
وفوق ذلك، المطر.
كان هذا بالذات بيئةً مثالية ليُظهر دوق بيرسي قدرته المائية إلى أقصى حدّ.
ومع ذلك، لم يَظهر بعد.
“لقد كان ينتظر.”
توقّف ليام فجأة.
اندفع جسدي إلى الأمام بفعل التوقّف المفاجئ، لكنه أمسك بي بإحكام.
كان هو أيضًا متوتّرًا. إذ ما إن رأى المشهد أمامنا حتى توتّرت عضلاته.
تجمّعت خيوط المطر المتساقطة، وتحرّكت كأنها أفاعٍ لتتشكّل في كتل. اتخذ ماء المطر هيئة أفعى عملاقة سدَّت طريقنا.
وكان دوق بيرسي واقفًا فوق رأسها، ثم نزل ببطء إلى الأرض.
بسبب البركة التي منحتُها له، أصبحت قدرته أقوى بدرجةٍ ملحوظة. شددتُ على طرف ثوب ليام لأخبره.
“لقد منحتُ دوق بيرسي بركة. قدرته الآن أقوى.”
لم يوبّخني ليام ولم يسألني لماذا فعلتُ أمرًا لا داعي له. أمّا دوق بيرسي فكان مأخوذًا بقوّته.
“يا إلهي، صاحبة السمو الأميرة أورميا. هل ترين هذا؟ بركتكِ تفيض في جسدي. حتى الأمير أليان، لا بل جلالة الملك نفسه، لم يكن إلى هذا الحد!”
دوّيّ! ومع صوتٍ يشقّ الهواء وقع انفجار. تحوّلت الأرض التي اصطدمت بها القذيفة إلى ساحةٍ خالية صغيرة. سقطت الأشجار وانشقّت التربة.
احتضنني ليام بسرعة، وحماني من الرياح والأوراق المتطايرة.
كأنه تفاجأ هو نفسه بقوة القدرة التي أطلقها، انفجر دوق بيرسي ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
كان يظهر جنونه.
كشف عن طبيعته الحقيقية التي أخفاها حتى الآن خلف التمثيل.
“أن أستخدم القدرة وأشعر بهذا الإحساس! ما زالت هناك قوة هائلة متبقّية! الأميرة هي بركة هذه البلاد! إنها هدية الحاكم لعائلة بيرسي!”
توجّهت عيناه اللامعتان نحوي.
“تعالي إلى هنا، صاحبة السمو. أنتِ مخدوعة بذلك الرجل. الإمبراطورية لا تملك أصحاب قدرات. لو علموا أن لديكِ بركة، لا يُعرف ماذا سيفعلون.”
بعد أن تذوّق القوّة، صار دوق بيرسي يرغب بي بجشعٍ أشدّ مما كان عليه حين تلقّى البركة.
“أعدكِ. أنا، دوق بيرسي، سأرفعكِ إلى أعلى مكانة. سأحقّق لكِ أي شيءٍ تريدينه.”
“الحرية.”
ما أريده شيءٌ واحد.
حرية مغادرة غليسيا، والموت في المكان الذي أختاره.
“ما أريده هو الحرية.”
“يمكنكِ التمتّع بها في غليسيا. في هذه البلاد التي ستفهمكِ وتحميكِ أكثر من أي مكانٍ آخر!”
“لن يكون ذلك حماية لها، بل سجنًا.”
للحظة، خطر لي أنَّ ليام ربما عاد إلى الماضي مثلي، لدرجة أنني اندهشت من دقّة استنتاجه.
تابع ليام تخميناته بحدّةٍ لافتة.
“بعد أن اختطفتم الأميرة أورميا التي دُعيت رسميًا، هل تخطّطون خارجيًا للادّعاء بأنَّ الإمبراطورية قتلتها؟”
اتَّسعتْ ابتسامة دوق بيرسي.
“ثم ستحتكرها وحدك، أليس كذلك.”
“وهل تستطيع أن تزعم أن إمبراطوريتكم مختلفة من الداخل؟ أليست خطّتكم استخدام الأميرة للضغط على عائلة ويلبوير؟”
“”أنا من استخدمتُ الإمبراطورية.”
بسبب فيض البركة، انتفخت ثقة الدوق بنفسه وصار أكثر غطرسة. رفع ذقنه ونظر إلى ليام بتعالٍ.
“أعيدوا الأميرة وتراجعوا. سنمنح الإمبراطورية عفوًا خاصًا ونتعاون معها. وإن احتجتم إلى بركة الأميرة، فسنوفرها لكم.”
“الأميرة ليست ملكًا لكَ.”
وفجأة، أطلق دوق بيرسي سهمًا مائيًا إلى الخلف.
تفرّق فرسان الإمبراطورية الذين كانوا يقتربون بسرعة.
“يالكم مِن جرذان!”
اندلع القتال بين أتباع الدوق وفرسان الإمبراطورية.
تلاطمت السيوف وتطايرت الدماء. كان من المفترض أن تكون مهارة فرسان الإمبراطورية متفوقة، لكن المعركة كانت متكافئة بشكل غريب؛ فكلما لوّح الفرسان بسيوفهم، كانت هجماتهم تتعثر وكأنها تصطدم بحواجز خفية.
رغم استجابتهم السريعة، إلا أنهم بدأوا يتراجعون تدريجياً.
“إنه يستخدم قدرته الخاصة.”
أخبرني ليام بالسبب.
كان الفرسان يتجنبون الضربات القاتلة، لكن الجروح الصغيرة بدأت تكثر في أجسادهم.
أما دوق بيرسي، الذي أسكرَهُ الشعور بالقوة، فقد كان يطلق قُدرتَه بتهور ودون مبالاة.
بدأ أتباعه يضيقون الحصار علينا، ولم تُجدِ محاولات الفرسان نفعاً بسبب تدخل القدرة المائية التي كانت تعيق هجماتهم.
ضغطٌ يتزايد شيئًا فشيئًا.
زهوري يمكنها إبطال القدرات الخاصة، لكن المطر كان ينهمر بغزارة، والوضع يصب تماماً في مصلحة دوق بيرسي. سينتهي بنا المطاف في معركة استنزاف خاسرة.
في تلك اللحظة، خطرت لي فكرة فعالة.
“خذني كرهينة.”
مرت نظرة ليام عليّ للحظة قبل أن تعود نحو دوق بيرسي؛ لم يستمع حتى لكلماتي. بدأ جسده الذي يحتضنني يسخن ببطء؛ إنه ينوي التدخل بنفسه.
شددتُ ثوبه أحاول منعه.
“المطر ينهمر.”
قدرة النار لا تظهر قوتها الكاملة في يوم ممطر.
وعلاوة على ذلك، نحن في غليسيا؛ إذا عُرف أن ليام، سليل عائلة “الخونة”، قد دخل هذه الأرض، فسيتحول الأمر إلى أزمة دبلوماسية.
ومهما بلغت نشوة دوق بيرسي بالبركة، فإنه رجل يحسب حساباً لقوته دائماً.
أحطتُ خصر ليام بذراعيّ. وبينما كان ينظر إليّ بذهول، استغلتُ اللحظة وسحبتُ خنجره من خصره، ووضعتُ نصله الحاد أمام عنقي.
“توقفوا. هذا أمر.”
“أنقذوا الأميرة!”
صرخ دوق بيرسي ضاحكاً.
رفع زوايا فمه وأعطى أوامره لرجاله بصلف، فاشتد صليل الأسلحة أكثر.
صنع دوق بيرسي من الماء سوطاً يضرب به الفرسان، الذين انشغلوا بصد هجمات أتباعه والقدرة التي لا يدرون من أين تباغتهم.
لقد اعتبر دوق بيرسي تصرفي مجرد تهديد فارغ من أميرة مُدلَّلة.
طعنتُ نفسي بالخنجر فوق قلبي مباشرة.
“أيها الدوق، توقف! كُح!”
“الأميرة أورميا!”
أمسك ليام بمعصمي. نقلتُ الخنجر إلى يدي الأخرى ووجهته نحو عنقي مجدداً. الألم الحاد الذي وخز جلدي جعل جسدي يتصلب من التوتر.
بدأت الدماء الساخنة تسيل على عنقي. حينها فقط، اختفت الابتسامة عن وجه دوق بيرسي، ورفع يده صائحاً.
“توقفوا.”
سكن صوت الأسلحة. حدقتُ في دوق بيرسي، بينما وضع ليام يده فوق يدي.
“سأفعل أنا ذلك. اتركي الخنجر.”
لا يجب أن نمنح دوق بيرسي أي ثغرة.
“أيتها الأميرة، أنا سأتولى الأمر. أرخي يدكِ.”
أمام صوته الذي بدا وكأنه يتوسل، ارتخت يدي. أبعد النصل عن عنقي قليلاً وهو يمسك بيدي.
“اسحب رجالك. سنغادر إلى الإمبراطورية كما هو مخطط.”
“أتأخذ الأميرة كرهينة؟ أنت؟”
سأل الدوق بسخرية.
“على الأقل سأمنعها من إيذاء نفسها. ألا تبدو وكأنها مستعدة لفعل أي شيء؟”
عند كلمات ليام، اتجهت نظرة دوق بيرسي نحوي مجدداً، متفحصاً عنقي وكتفي. إذا لم أستطع مغادرة غليسيا، فلا معنى لحياتي. بدلاً من أن أُسجن مرة أخرى، سأختار الموت بنفسي.
وبينما كنتُ في مواجهة بالعيون مع الدوق، مهد الفرسان طريقاً للتراجع.
أمسك ليام بيدي بقوة، لكنني لم أترك الخنجر؛ بل قربتُ النصل الذي يهدد عنقي أكثر.
“توقف.”
“هل تظنين حقاً أنكِ تستطيعين مغادرة غليسيا؟”
سأل الدوق ببرود. كان الجنود يراقبوننا بحذر بانتظار إشارة الدوق، لكنهم لم يمنعونا.
“العائلة المالكة هي البركة التي منحها الحاكم لأصحاب القدرات. أنتم هدية لنا. نحن في علاقة لا يمكن فصلها. هل تظنين حقاً أنكِ ستكونين بخير إذا غادرتِ غليسيا؟”
“على الأقل، أي مكان سيكون أفضل من غليسيا.”
“الأمور ستتغير الآن.”
“المعاملة تتغير حسب الظروف، لذا لا يمكنني الوثوق بك.”
“أيتها الأميرة.”
“بدلاً من العودة، سأنهي الأمر هنا والآن.”
لم يفتح دوق بيرسي فمه. توقعتُ أن يحاول إقناعي بكلماته المعسولة أو أن يتفوه بكلام متغطرس، لكنَّ صمته طال.
كان هذا الرجل يطلق الكلمات الجارحة ويمارس العنف دون تردد، لكنه الآن كان ينظر إليّ بنظرة غريبة.
لقد رأيتُ تلك النظرة في عيني دوق بيرسي من قبل.
في حياتي الثانية عندما أمسك بي دوق هايمان. كان ذلك بعد أن سمعتُ صدفة أنني سأموت في سن الثانية والعشرين بقلب مثخن بالجروح؛ حينها دخل دوق بيرسي القفص ونظر إليّ بتلك العينين لفترة طويلة.
حدث ذلك أيضاً في حياتي الثالثة.
عندما بدأ غزو الإمبراطورية ووصل ضجيج الفوضى إلى البرج؛ زارني دوق بيرسي ليلاً بينما كنتُ مستلقية أنتظر الموت. حينها أيضاً، نظر إليّ بتلك العيون.
كانت عيناه تحملان مشاعر وأفكاراً كثيرة لا أفهمها.
“مائة.”
ابتسم دوق بيرسي وهو يرفع إصبع السبابة. اختفت تلك النظرة الغريبة وعاد إلى طبيعته السابقة.
“سأعد حتى المائة من الآن. اهربي قدر ما تشائين. عندما أنتهي من العد، سآتي لآخذ الأميرة.. حتى لو اضطررتُ لقطع أطرافكِ.”
“لننطلق!”
احتضنني ليام وبدأ يركض. تبعه الفرسان، بينما انتظر الأتباع أمر دوق بيرسي. لقد وفى الدوق بوعده.
“واحد.”
التصق صوته الرخيم بأذني.
“إنه رجل يفي بوعوده.”
“اثنان.”
بدأ صوت العد يبتعد تدريجياً.
“ثلاثة.”
لم يعد يُسمع شيء. غرقوا جميعاً في الظلام، بينما ركض الفرسان يحموننا.
كم ركضنا؟ قلّ المطر، وتوقف ليام عندما بدأ جسدي يرتجف.
رغم أنني لم أركض بنفسي، إلا أن أنفاسي كانت متلاحقة. ورغم أن دوق بيرسي يفي بوعوده، إلا أن علينا الهرب بسرعة.
“سأضمد الجرح فقط.”
باستخدام ضمادة أعطاها له الفارس، لفّ ليام جرحي عابراً كتفي وصدر، وشدها بقوة.
“آه.”
“تحملي.”
كان صوت ليام بارداً جداً. لم يكن الأنين بسبب الألم فقط، بل لأن الجرح بدأ يؤلمني بلسعات متأخرة.
بعد أن عقد الضمادة، تفحص عنقي ولفّه بالضمادة أربع لفات قبل أن أتمكن من منعه. لم يوبخني، لكنه لم يواسِني أيضاً. كان يعبر عن غضبه بصمته.
التفتُّ حولي، فرأيتُ أن الفرسان العشرة قد تقلص عددهم إلى خمسة، ولم يكن هارلاند بينهم.
كلَّ هذا بسببي.
“لا تفعلي شيئاً ستندمين عليه منذ البداية.”
“ماذا؟”
كان صوتاً خافتاً. لم يردّ ليام على سؤالي، وكأنه كان يحدث نفسه، ثم حملني بين ذراعيه.
“لقد أعددنا الخيول على بُعد مسافة قصيرة.”
“تمسكي جيداً. سنركض حتى الحدود.”
كان عنق ليام غليظاً وصلباً، وجسده المدرب بالعضلات قاسياً لكنه كان ساخناً، مما هدأ جسدي الذي كان يرتجف من البرد.
عدّل وضعية حملي وهو يصدر صوتاً من حنجرته، ثم حرك شفتيه هامساً في أذني فقط.
التعليقات لهذا الفصل " 42"