اختار أسرة لا ترتبط كثيراً بالبيوت الدوقية، حتى لا يخضع القصر الملكي لنفوذ عائلة واحدة.
لكن كلما كانت الأسرة أضعف، كانت أكثر عرضةً للإغراء.
وهكذا، وبأي وسيلة كانت، استمرّ ارتباطها بالبيوت الدوقية. فحين تتراكم الهدايا، تتسلّل في هيئة رشاوٍ، وتتحوّل إلى ديْنٍ في القلب، وهذا الديْن يحرّك الناس.
وهكذا، كان البيت الذي أمسك بيد أسرة الملكة هو بيت بيرسي.
“كم عانيتِ من الألم طوال هذا الوقت.”
في طفولتي، كنت أتوق إلى هذا الحضن بشدّة.
“كان ينبغي لنا أن ننتظر… كان ينبغي لنا أن نعرف أن هناك زهوراً تتفتح متأخرة هكذا….”
تبعثرت الكلمات اللطيفة قرب أذني.
كانت تضمّ رأسي بعناية، وتواصل تمرير يدها على شعري.
كأنها تحاول إذابة السنوات الماضية المتجمّدة، لم تتوقف يد الملكة عن مداعبة شعري، واحتضان ظهري، والإمساك بخدّي، ممثّلةً الحنان.
كأمٍ استعادت طفلها الضائع، كانت أطراف أصابعها مشبعة بالأسى والتوسّل. لو كنتُ أنا من حياتي الأولى، لكنتُ انخدعت رغم معرفتي بأنها كذبة.
لأنني كنتُ أريدها.
“كان هناك بركة… لو عرفنا مبكراً، لما اضطررنا إلى تبنّي تلك الطفلة العامية وإدخالها إلى العائلة المالكة… آه، أورميا. أورميا، ابنتي.”
كانت نبرتها مفجعة. ازداد نحيبها وابتلت وجنتي بدموعها.
وأنا أستمع إلى صوت ندمها، وجدت نفسي أضحك.
لم تكن الملكة تندم لأنني أملك البركة، بل لأنها تبنّت ليتريشيا، تلك العامية، وأدخلتها كأميرة.
“ابنتي، أورميا. طفلتي.”
في يومٍ ما، كنت أحلم بمشهد كهذا.
أن أُوصم بأنني ‘نفي الحاكم’ ويُحتقر أمري، ثم في ليلةٍ ما يأتي الحاكم ويقول: الآن سأرفع عنكِ معاناتكِ، ويمنحني البركة مجدداً.
ثم يأتي والداي، الملك والملكة، يعتذران ويحتضنانني.
ويحيطني الأمراء، ويحبّونني بلا حد، وكالاند الذي لن يتركني وسيحملني بين يديه دائماً.
كم سيكون ذلك سعيداً.
كم سيكون جميلاً.
كنت أظن أن انكشاف البركة سيجعلنا عائلةً مثالية، وأنني سأُعترف بي أختاً وابنةً لهم.
في حياتي الأولى، وفي حياتي الثانية.
ولهذا، في حياتي الثالثة أيضاً، كشفتُ عن بركتي.
من دون أن أتخيّل أبداً أن الملك سيأمر بحبسي بوجهٍ مرعوب.
“احبسوا أورميا في البرج. وأعلنوا أنها أُرسلت إلى العاصمة الإقليمية لتطهيرها.”
“آه، أورميا. هذا القرار من أجل حمايتكِ. لو كنتِ فقط تملكين بركةً عادية مثل الآخرين….”
كانت حياتي الثالثة شديدة البرودة.
تجمّد قلبي، بل تحطّم إلى شظايا.
اختفى شعوري تجاه العائلة. لم يبقَ حتى ذرّة رمل، ولا أي أثر يُذكر.
“لماذا لم تخبرينا أبكر؟ لماذا أخفيتِ امتلاكك للبركة؟ لو عرفنا قبل تبنّي ليتريشيا لكان أفضل… لماذا الآن فقط؟”
الملكة التي أنجبت نفي الحاكم.
الملكة المسكينة التي اضطرت لإبعاد ابنتها وتبنّي فتاة عامية لتربّيها كابنة.
كان محور الملكة، ولا يزال، هو نفسها فقط.
بوجهٍ مبلّل تماماً، أمسكت الملكة بوجهي.
“أورميا، استمعي جيداً. كل ما سأقوله الآن هو من أجلكِ.”
سمعتُ هذه الكلمات في حياتي الثالثة أيضاً.
“أن نضطر لاتخاذ قرار كهذا… لا تعلمين كم هو مؤلم ومحزن لي كأم.”
قالتها وهي تحبسني في البرج.
“أورميا، موتي.”
أصدرت الملكة حكم الإعدام عليّ.
ومن خلف الملكة، كان دوق بيرسي يحدّق بي.
وحين التقت أعيننا، ورغم خطورة الموقف، لم يُخفِ ابتسامته.
“لا داعي للخوف. لسنا نقول لكِ أن تموتي حقاً، يا أورميا. إنه قرارٌ لإنقاذكِ.”
تردّدت الملكة لحظة، ثم مسحت خدّي بلطف وهمست.
“وجودكِ فوضى. لقد جلبتِ الاضطراب إلى غليسيا مرةً أخرى. ما أقسى الحاكم… لماذا يمنحكِ هذا القدر الملتوي مراراً.”
لا، أنا كنت ممتنّة للحاكم.
لأنه منحني الفرصة الأخيرة.
فرصة أن أتخلَّى الجميع أنا أولاً.
“أورميا.”
نادت الملكة اسمي وانفجرت بالبكاء.
جلس دوق بيرسي إلى جوارها، وأمسك بيدي بخفّة.
“حالياً، يشكّل القصر الملكي والبيوت الدوقية بنيةً مثالية لا تشوبها شائبة. إن انكشف أن الأميرة تملك البركة، سينهار هذا التوازن، وستبدأ الصراعات ومحاولات الاستحواذ عليها. ثم إننا نتحدث عن زهرة بركة يمكن حفظها وأخذها بعيداً.”
كان وجودي مشكلة دائماً.
بوجود البركة أو بدونها.
“وجود الأميرة أورميا جلب الاضطراب إلى غليسيا. وهذا الاضطراب سيهدّد حياة الأميرة. ناقشتُ الأمر مع الملكة من جميع الجوانب، وقرّرنا من أجل سلام غليسيا إزالة وجود الأميرة.”
“اطمئني. سنكتفي بتزييف موتكِ.”
“سنلصق الأمر بالإمبراطورية. سنجعلها قصة اكتشافهم لبركة الأميرة وابتزازهم لها وأخذها، ثم ذهاب الفرسان لإنقاذها. وفي محاولة عدم التفريط بها، تقتلها الإمبراطورية، لتلقى موتاً مأساوياً.”
تحدّث دوق بيرسي عن موتي وهو يبتسم بعينيه.
ظنّني أميرة ساذجة، نبتت برفق في حديقة الزهور، وأنه إن عاملني بلطف فسيسهل إقناعي.
“سيكون الجثمان مشوّهاً إلى درجة يصعب التعرف عليه، وستُقام جنازة مهيبة. رسمياً، ستخلد الأميرة إلى الراحة الأبدية، لكن في الحقيقة ستعيشين بأمان وحرية تحت حماية دوقية بيرسي.”
كان يشرح بعناية أنهم سيغيّرون سِجني من القصر الملكي إلى دوقية بيرسي.
”لا تقلقي يا أورميا. من الآن فصاعداً ستكون أمكِ معكِ. ابنتي، منذ الآن يمكنكِ العيش بسعادة دون الاهتمام بالآخرين، معي أنا.”
هل ظنّت أنه ما إن تعترف بي ابنةً لها حتى أوافق ودموعي تترقرق؟
وأن أنسى كل ما مضى؟
بعد أن مزّقتني مرارًا بالتجاهل والازدراء والكراهية، تريدني أن أنسى بكلمات قليلة؟
أم أنها تظن أنني سأطيع لمجرد أنها “أمي”؟
حين اكتفيت بالنظر إليها دون جواب، ربّتت الملكة على كتفي. وعلى وجهها الجميل مرّ ظلّ ضيقٍ عابر.
“حسنًا، لا بد أنك تفاجأتِ. اذهبي للراحة الآن. من الآن فصاعدًا سيتكفّل دوق بيرسي بكل شيء. يكفي أن تثقي بالدوق.”
“نعم، هذا صحيح. لكنني أودّ التأكد فقط.”
نظرةٌ جشعة مسحتني من رأسي حتى قدميّ.
“هل فعلًا أظهرتِ، يا صاحبة السمو الأميرة أورميا، البركة؟”
“يا دوق، ألم تقل أنت ذلك؟ قلت إن لدى أورميا بركة.”
كأنها تشكّ في أنها خُدعت من دوق بيرسي، سحبت الملكة يدها عن كتفي.
“الأمر مؤكّد. لكن يجب التحقق.”
رفع دوق بيرسي يدي برفق.
كانت يده رطبة فاترة. التصقت بي بشكلٍ مقزّز.
“الأميرة أورميا، هلاَّ تمنحينني البركة؟”
الملكة أيضًا نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالتوقّع.
‘لا شيء يتغيّر.’
مهما تكرّر الأمر، لم يتغيّر شيء.
في الحياة الثالثة، كانت الملكة، أمي في تلك الحياة، تزور أحيانًا البرج الذي حُبستُ فيه.
وكان دوق بيرسي يتبعها دائمًا.
“أورميا، دوق بيرسي في صفّنا. سيحميكِ من الآن فصاعدًا.”
“امنحي الدوق البركة.”
“كل هذا من أجلكِ.”
“يا صاحبة السمو، أرجوكِ.”
كان ذلك تحت مسمّى الحماية والمساعدة.
بعد أن عشتُ الحياة الأولى والثانية، كنتُ منهكة.
جاءتني فرصة فتكلّمتُ إلى الملك، لكن في النهاية لم يُسجَن سوايَ أنا. كان شعور العجز، وأنَّ لا فائدة من أي تصرّف، نَهش جسدي كله.
“من المؤكد أن أورميا أظهرت البركة.”
“هلّا انتظرتِ قليلًا في الخارج يا جلالة الملكة؟ يبدو أن الأميرة تشعر بالخجل.”
لم يكن مجديًا أن أدير وجهي أو أتظاهر بعدم السماع.
خرجت الملكة. برجٌ يتسرّب إليه هواءٌ بارد. أطلق دوق بيرسي قدرته الخاصة وكسى الجدار بطبقة ماءٍ رقيقة لعزل الصوت.
“لا فائدة من الرفض. ستمنحينني البركة.”
الدوق ذو القدرة الخاصة لا يستطيع إيذاء أحدٍ من العائلة الملكية.
رأيتُ تلك المقولة تتحطّم بالخيانة في حياةٍ سابقة.
لم ينفع الصراخ. غرز إبرة حادة في مكان تخفيه الثياب، ولم يحاول حتى سد فمي.
كان مثابراً ومستعداً لفعل أي شيء للحصول على ما يريد. اليأس من طلب المساعدة جعلني أجثو على ركبتي.
كانت عينا دوق بيرسي الآن كذلك.
كأنهما تخبراني بما سيفعله إن لم أُظهر البركة كما يريد؛ كانتا باردتين.
تفحّصني بنظرٍ حادّ وشدّ قبضته على يدي.
استعجلني لأثبت قيمتي.
أعيشُ الحياة الرابعة، لكنَّ حيواتي السابقة بالنسبة إليّ ليست سوى ذكرياتٍ تعود لبضع سنواتٍ مضت.
ارتجف جسدي وضاق نفسي. كان دوق بيرسي، الذي كان يلتصق بي كعلَقةٍ ويمتصّ البركة، أبغضَ وجودٍ لديّ ومصدرَ خوفٍ مظلم.
لكن الآن الأمر مختلف. سيعثر عليّ ليام. كنا في طريقنا إلى الإمبراطورية.
“أرجوكِ، البركة.”
صفع-! اشتعلت راحة يدي حرارةً.
للمرة الأولى عرفتُ أن حتّى من يَضربُ يتألّم.
حين صفعتُ دوق بيرسي فجأة، شهقت الملكة.
“أورميا!”
نزلتُ من السرير ووقفت.
نزعتُ الحذاء. كنت أرتدي الجوارب، لكن رطوبةً خانقة زحفت على ساقيّ.
لمس دوق بيرسي خدّه المصاب بخفّة ونظر إليّ.
“اركع.”
رفعتُ ذقني.
أنا لستُ ملكًا لك.
إن أردتَ مني شيئًا، فعليك أن تتوسّل وتتضرَّع.
رفعتُ يدًا واحدة باتجاه دوق بيرسي.
كما فعل الملك، انتزعتُ خضوع الدوق بأطراف أصابعي.
“يا صاحبة السمو.”
وقد احمرّ خدّه، ركع دوق بيرسي على ركبةٍ واحدة، وأمسك يدي كما لو كانت شيئًا نفيسًا.
إن كان لا بدّ من أن تُنتزع، فالأجدر أن أهبها لفقيرٍ جائع. سيكون ذلك أكثر قيمة.
حين ركّزتُ، انساب نورٌ خافت من أطراف أصابعي.
“آه!”
راقبتُ دوق بيرسي وهو يصرخ وقد غمرته البركة.
ما إن رأت الملكة البركة حتى غطّت فمها.
“آه… هذا… آه، أن توجد بركة كهذه…”
ملأتُ بطن الدوق الجائع بالبركة.
حتى يشعر بالشبع بطعمٍ فائق، ملأتُه بها بعنايةٍ، حتى التخمة.
أعرف ما سيؤول إليه حال دوق بيرسي لاحقًا.
بعد أن يتذوّق بركتي، لن يرضى ببركة أيِّ ملكيٍّ آخر.
سيظلّ يشعر بالعطش.
كان دوق هايمان في الحياة الثانية كذلك.
لا يشعر بالرضا التام إلاَّ ببركتي، ولا يكتفي ببركة غيري.
لمعت عيناه الساخنتان بالرغبة، وهدأ كوحشٍ شبعان.
دون أن يدرك أن ما أكله سمٌّ ينهش جسده ويقرض رأسه.
ابتسمتُ أنا أيضًا لدوق بيرسي.
سيظمأ إليّ.
طوال حياته لن يرضى ببركة غيري وسيتخبّط.
مهما نال، سيشعر بالجوع ويتألّم.
لقد جعلتُ الدوق بيرسي مدمناً.
***
“أورميا. من الآن فصاعدًا سيحميكِ دوق بيرسي. اتّبعي الدوق. وحين تُرتَّب الأمور سنلتقي في العاصمة. ابنتي.”
قالت الملكة إنها لا تستطيع الغياب طويلًا وعادت.
وقبل أن يخرج دوق بيرسي متبعًا الملكة، التفت إليّ مرةً أخرى.
عينان مفعمتان بالشغف والحرارة التي لم تخمد، كانتا تتحقّقان مني مرارًا.
“سأعود قريبًا.”
“سأنام.”
“لا يجوز أن نزعج نوم صاحبة السمو. استريحي.”
كان دوق بيرسي على وشك المغادرة، ثم توقّف واقترب مني.
تراجعتُ حين حاولت يدٌ باردة أن تلمس خدي.
رُفض، لكنه ابتسم.
“سأناديكِ من الآن فصاعدًا أورميا. سنقيم جنازة، وإن ناديتكِ بالأميرة قد يلاحظ الآخرون.”
مع أن كل من حوله أتباعه ولا أحد سيُخدع، كان دوق بيرسي يتخبّط ليتقرَّب مني.
“إذًا، إلى اللقاء.”
بقيتُ وحدي.
سُجنتُ مجددًا.
كان المطر يهطل في الخارج. حلّ الليل، والقمر محجوبٌ بالغيوم.
أهو اليوم أم الأمس؟
كان الليل والغابة أشدّ سوادًا تحت المطر، وخارج النافذة لم يكن سوى الظلام.
حين تُرِكتُ وحدي، تدفّق القلق.
“لا شيء يتغيّر.”
هل ستنتهي حياتي الرابعة محبوسة على يد دوق بيرسي؟
إن كان كذلك، فلماذا عدتُ ثلاث مراتٍ وكرّرتُ الحياة؟
ماذا تريدون مني؟
وماذا بوسعي أن أفعل؟
ثقل العجز المتراكم عبر ثلاث حيوات ضغط على كتفيّ.
تسلّل اليأس إلى قدميّ والتصق بجسدي.
”ليتها تنتهي هكذا.”
هل أنهيها هكذا؟
الموت أبسط مما يُظنّْ، والحياة تافهةٌ إلى حدٍّ بعيد.
إن كان قبل عودة دوق بيرسي، فهناك فرصة للهرب.
فرصة للهرب من هذه الحياة.
تسارع نفسي وارتفع صدري. انتفخت المشاعر وسدّت حلقي. قبضتُ يدي. كان صوت ارتطام المطر على الزجاج يذكرني بوجود النافذة.
إن كسرتُها…
إن قفزتُ إلى الخارج، فسأكون—
“الأميرة أورميا.”
في تلك اللحظة، انفتحت النافذة وظهر ليام من الظلام. مدّ يده إليّ.
التعليقات لهذا الفصل " 41"