منذ مغادرتهم القرية والجو يزداد غيوماً، ثم بدأت قطرات المطر تتساقط واحدة تلو الأخرى.
لدرجة أن كاهناً تحرّك بسبب مقال صحفي عن ذهاب أميرة غليسيا إلى الإمبراطورية. قريباً سيلحق بهم الملاحقون، ولا مجال للراحة.
‘الأمور تزداد صعوبة.’
وجّه ليام نظره إلى الأمام.
دكّ— اهتزّت العربة التي في المقدّمة بعنف فوق الطريق الوعر.
‘إذا هطل المطر فسيصير الطريق وحلاً، وسيصعب التحرّك.’
العربة تُصبح عبئاً.
حتى هارلاند الذي كان يركض في المقدّمة بدا وكأنه توصّل إلى الفكرة نفسها، فالتفت إلى ليام.
هزّ ليام رأسه نفياً.
على الأقل، كانت الأميرة أورميا تتحمّل بصمت. رغم شحوب وجهها، لا يمكنه أن يطلب من شخص يقول إنه بخير أن يركب الحصان.
أدار ليام القدرة الخارقة في جسده، فبدّد الرطوبة التي بللته.
القدرة المتعلّقو بالعناصر تزداد قوّة بوجود ذلك العنصر.
دوق فالمان، صاحب قدرة الأرض،لا يستطيع التحكم بالتراب في الأماكن المكونة من الصخور، ودوق وينزر، صاحب قدرة الضوء، يضعف في الليل.
“الماء… دوق بيرسي.”
قبل مغادرتهم بوابة القصر، كان هناك حاجز مائي هائل كجدار القلعة سدّ الطريق أمامهم.
وصل حمام زاجل يحمل خبراً بأن المتعقّب الذي كان يلاحق ماركس وبنجامين قد اختفى.
“هل أنا الدليل؟”
الدوقات رأوه وهو يعتني بأورميا.
الأمر خطير، ومع ذلك لم يكن قادراً على تسليم أورميا لشخص آخر.
لم يرصد بعد أيَّ أثر للعدو، لكن القلق داهمه. حدسه الذي صقلته ساحات القتال كان يقرع ناقوس الخطر.
كان يشعر بأن الطرف الآخر يقترب، كمن يطارد فريسة، ومع ذلك لم يلتقط شيئاً واضحاً.
شدّ أعصابه وأطلق حصانه. شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
لم يكن السبب تسرّب المطر الخفيف وتبلّل ملابسه. لقد استشعره غريزياً.
“هارلاند!”
تحرّك الفرسان وهارلاند بسرعة وفق التشكيل الذي أُعدّ مسبقاً تحسّباً لهجوم.
التصق ليام بجانب العربة.
ساد صمت غريب. حبسوا أنفاسهم وهم يراقبون الجهات الأربع.
صوت قطرات المطر وهي تضرب أوراق الشجر، وعباءة مبلّلة أصبحت ثقيلة.
شدّ الفرسان أجسادهم وراحوا يمسحون محيطهم ببطء. نظر هارلاند إلى ليام يسأله إن كان يشعر بشيء.
“سيد ليام.”
“لا يوجد صوت.”
“آه.”
رغم المطر، ما زال النهار. ومع ذلك لم يكن هناك أي صوت لمخلوقات تنشط نهاراً. في اللحظة التي أطلق فيها هارلاند تأوّهَه، اندفع رجال مقنّعون بالأسود من بين الأحراش من كل الجهات.
عشرون مقنّعاً هجموا دفعة واحدة.
ومع ذلك، حتى وهم يركضون فوق الأرض المبتلّة، لم يصدر عنهم أي صوت. كانوا يركضون على طريق مبلّل، ومع ذلك بلا ضجيج.
وجاء هجومٌ من الأمام أيضاً، فقُطع طريق العربة.
“هناك مستخدم لقدرة الماء!”
بعد إسكات الأصوات، لا حاجة للتنبيه مِن كمين يأتي من اتجاه آخر.
فرسان كتيبة السحالي السوداء عاشوا وقاتلوا مع ليام طويلاً. هم نخبة النخبة، ومستواهم مختلف أساساً عن فرسان دوقات غليسيا.
صدّوا الهجمات القادمة، ولوّحوا بسيوفهم لإسقاط المقنّعين، وهم يحمون العربة.
كان هدف المقنّعين واضحاً. لقد استهدفوا العربة التي تُقِلّ أورميا.
“انطلقوا!”
تقدّم ليام الصفوف، وأسقط المقنّعين وفتح الطريق. بدأت العربة تزيد سرعتها تدريجياً وتنطلق.
‘ما هذا؟’
وهو يحرس العربة، لوّح ليام بسيفه في وجه المقنّعين الذين لاحقوهم. شعر بإحساس غريب، فألقى نظرة خاطفة حوله.
‘إنهم يخفون شيئاً.’
في طرف رؤيته، لمح ظلالاً تنهض من بين الأشجار.
ابتلع صوت المطر الضجيج، لكن نية القتل الصادرة عن المقنّعين كانت واضحة.
كان من الصعب إحصاء عددهم.
‘إن طال القتال سنكون في وضع سيّئ.’
لم يكن ليام وحده من شعر بذلك. هارلاند، وهو يقيّم الموقف، صرخ.
“يجب إبعاد العربة!”
رغم فارق المهارة، فإن ضغط العدد يجعل الوضع خطيراً. إضافة إلى ذلك، لم يظهر مستخدم قدرة الماء بعد.
أرسل ليام إشارة بعينيه، فراح الفرسان يبعدون المقنّعين الذين اندفعوا نحو العربة، يقطعونهم ليخلقوا مسافة.
اهتزّت العربة بعنف فوق الطريق الوعر وهي تندفع.
وكأنه سِرب من النمل يتسلّق أجساد بعضه بعضاً لالتهام فريسته، اندفع المقنّعون بلا توقف. وبينما كان يصدّ سيوفهم، واصل ليام حماية العربة.
كان عدد الفرسان يتناقص واحداً تلو الآخر وهم يطيحون بالمقنّعين. حتى لو تفرّقوا، فلا داعي للقلق. فالمكان الوحيد الذي سيعودون إليه هو مكان واحد لا غير، دوقية ويلبوير.
سيوف كثيرة تموّجت خلفهم وهي تطاردهم كالحشرات.
كانوا يطاردون فقط.
هذا وحده.
كانت الخطة غريبة.
هاجموا العربة واستهدفوا أورميا، لكنهم لم يكونوا يائسين. حتى لو لم يكن الطريق رئيسياً، فهو طريق واحد. والعربة، إن هربت، فليس لها سوى اتجاه واحد، ومع ذلك لم يكن هناك كمين في الأمام.
‘هل هي خطة تطويق؟’
في الغابة التي ليس فيها الصوت، لم يُسمع سوى صوت اصطدام السيوف الحادّ وأنفاس لاهثة خشنة.
كان في الطريق الأمامي حجر بارز لا بأس بحجمه. لو علقت به العربة فقد تنقلب.
“أمامك خطر!”
من المستحيل ألّا يروه وهم يندفعون، ومع ذلك لم تحِد العربة عنه، بل مرّت فوقه مباشرة.
لكن رغم مرورها فوق حجر كبير كهذا، لم تقفز العربة.
مع أن العربة تهتز بعنف، كان ينبغي أن يكون الارتداد أقوى.
من دون تردّد، لوّح ليام بسيفه باتجاه العربة.
“سيد ليام!”
مرّ السيف قاطعاً الجزء العلوي من العربة السوداء.
انزلق الجزء العلوي كما لو أنه ورقة قُطعت، محافظاً على شكله، ثم انسكب إلى الأرض. بالمعنى الحرفي، انسكب.
أما ما تبقّى من العربة فتحوّل إلى ماء المطر واختفى فجأة من مجال الرؤية.
اختفى تماماً، بلا أي أثر يدلُّ على أنه كان هناك.
حتى آثار العجلات لم تبقَ على الأرض الموحلة.
شدّ ليام على أسنانه.
“لقد وقعنا في الفخ. إنها قدرة الماء.”
“ماذا؟ هل هو سحر وهمي؟”
ما إن انتهت المسرحية حتى تفرّق المقنّعون في كل اتجاه.
لم يبقَ سوى جثث المقنّعين القتلى، تنزف دماً ممددةً على الطريق الذي جاؤوا منه.
الطريق متعرّج، لكنه مكشوف نسبياً. توقّف الهجوم فجأة واختفى المقنّعون، فارتبك بعض الفرسان.
“استبدلوا العربة بوهمٍ مائي وهرَّبوها.”
“متى؟ من أي لحظة؟”
“استخدموا هجوماً بعدد كبير لصرف انتباهنا من دون أن نلاحظ. هارلاند!”
“نعم!”
أدار ليام رأس حصانه، وعاد مسرعاً في الطريق الذي أتوا منه.
تحوّلت قطرات المطر التي لامست جسده إلى بخار وتلاشت.
في هذه اللحظة الحرجة، خطرت في باله فجأة صوت أورميا. وجهها الذي رفعت به نظرها إليه، وهي تتوسّل بحزن.
“أريد أن أغادر غليسيا.”
“سأفعل ذلك حتماً.”
اندفع ليام بحصانه بأقصى سرعة.
***
الوحش لا يستطيع إخفاء الرائحة النتنة المنبعثة من جسده.
الرائحة تكشف الوجود.
وكلما كانت القوة أشدَّ والوحشية أعظم، نشر المفترس الأعلى رائحته معلناً سيطرته على منطقته.
قبل أن أفتح عينيّ، ومع عودة وعيي تدريجياً، عرفت من الرائحة المنتشرة حولي من الذي اختطفني.
في خضم الهجوم، انتشرت فجأة داخل العربة رائحة حلوة. ثقل جسدي وبدأ وعيي يتلاشى.
عطر النوم.
لم أتوقّع أن يهاجموا بهذه الطريقة.
“هل استيقظتِ، الأميرة أورميا.”
رفعت جفوني الثقيلة عند سماع الصوت، وتحقّقت من هو الخاطف.
“دوق بيرسي.”
ذلك الرجل الشبيه بالأفعى ضيّق عينيه، ونظر إليّ بابتسامة لا توصف من الفرح.
لم يكن هناك قوّة في ذراعي، لكنني أجبرت نفسي على النهوض والجلوس على السرير.
نظرة لزجة زحفت فوقي.
إنه من هذا النوع من الرجال.
يخفي الرغبة خلف وجه ودود، ويقف خلف العرش منتظراً اللحظة المناسبة.
كان يستمتع باللعب بفريسة أمسك بخناقها، لا تعرف متى ستموت. يتلذّذ بألمها ويدفعها إلى مزيد من اليأس.
اقترب دوق بيرسي، وجثا تحت السرير، ثم فتح صندوقاً وألبسني الحذاء.
“يبدو أن أولئك الجهلة لم يمنحوا الأميرة حتى حذاءً يليق بمقامها.”
لا، ليام أعطاني نعالاً مريحًا حرصاً على جسدي.
أمسك دوق بيرسي بيدي بأدب، وقبّل ظهرها.
قشعريرة سرت في جسدي من حرارة جسده الفاترة.
حاولت سحب يدي، لكن أصابعه أمسكت بطرفها. عيناه الضيّقتان رفعتا النظر إليّ بإصرار وجشع.
“جئتُ، أنا دوق بيرسي، لإنقاذ الأميرة من أولئك المشبوهين في الإمبراطورية. يمكنكِ الاطمئنان الآن.”
صوت لا يلين إلا عندما يكون هناك ما يُمكن سلبه.
كان دوق بيرسي لطيفاً حتى مع أعدائه، لكن الجو الآن مختلف. لم يُخفِ الإثارة والفرح المتسرّبين منه.
راح يمرّر أصابعه برفق على أطراف يدي التي يمسكها. لم تفارق عيناه وجهي لحظة.
“من الآن فصاعداً، سأحمي الأميرة أورميا.”
“أنا في طريقي إلى الإمبراطورية بأمرٍ ملكي. أرجو أن تُرسلني إلى وفد الإمبراطورية.”
دوق بيرسي لا يترك فريسة عضّها.
ومن أجل هدفه، كان يفعل أي شيء.
بصوت دافئ، شوّه الحقيقة.
“الأميرة أورميا مخدوعة. أولئك في الإمبراطورية أناس ماكرون. يخدعون الأميرة بكلمات معسولة، يستغلّونها ثم يرمونها. إنهم خبثاء.”
“قرار إرسالي إلى الإمبراطورية كان أمراً وافق عليه دوق بيرسي أيضاً.”
“صحيح. الجميع وافق. حتى جلالته ندم، متألماً لأنه اضطر لأن يكون قاسياً مع الأميرة. لكن كل ذلك كان بسبب ضغط الإمبراطورية. لو كانت لغليسيا قوة، لما اتُّخذ هذا القرار أبداً.”
كان يبدو كأنه يتأسّف حقاً على الوضع.
لو لم أكن أعرف نواياه السوداء، لربما خُدعت أنا أيضاً.
لكنني لم أعد تلك الفتاة الساذجة من حياتي الأولى.
“كان قراراً ظالماً للغاية، لكنه كان قراراً لا مفرّ منه لدولة ضعيفة مثل غليسيا.”
رفع دوق بيرسي نظره إليّ وعيناه تلمعان بالدموع.
كان يرتدي القناع ذاته الذي يَظهر عند طلب البركة، قناع التبجيل أمام الملك.
“فكّرتُ أن عليّ على الأقل إنقاذ الأميرة. أعتذر لتأخّري.”
“ما تفعله الآن تمرّد على الأمر الملكي.”
“أنا تابع مخلص لملك غليسيا. كيف لي أن أخالف أمر جلالته؟ لقد حصلتُ على موافقة العائلة المالكة.”
ليست موافقة الملك، بل موافقة العائلة المالكة.
“آه.”
نعم، نسيت. نسيت مع من كان دوق بيرسي في صفّه.
شعرت بدوار خفيف، كأن أحداث الحياة الثالثة تتكرّر من جديد. لم أستطع حتى أن أرمش وأنا أنظر إلى الشخص الذي دخل الغرفة.
جسد نحيل مغطّى برداء.
“أورميا.”
ذلك الصوت الذي تمنّيت مرة واحدة على الأقل أن يناديني به بلطف.
لكن ذلك الصوت لم يعد يهزّ قلبي الآن.
حين أزاحت اليد البيضاء النحيلة الرداء إلى الخلف، ظهر الوجه الذي تمنّيت طويلاً أن ينظر إليّ.
التعليقات لهذا الفصل " 40"