مدّ هارلاند طبقين، أحدهما مكدّس باللحم، والآخر موضوع فيه مقدار معتدل.
كان اللحم ووعاء الحساء على الطبق، والفرسان أخذوا أطباقًا مشابهة. ومن كمية الطعام وحدها كان واضحًا أيّ طبق يخصُّ ليام.
تأمّل ليام الطبقين بصمت، ثم رفع الذي فيه كمية أكبر.
”سأعطي هذا للأميرة إذن.”
”لماذا؟ الأميرة تأكل القليل، لذا أعطها الطبق الأصغر.”
“لا أدري ماذا قد تكون فعلتَ. أنا آكل، وإن احتجتُ أكلتُ أكثر.”
“تشه.”
أخذ هارلاند حصة أورميا من الحساء، وسكبها في القدر وخلطها، ثم أعاد ملأها.
“هارلاند.”
“أضفتُ قليلًا من الملح فقط. يمكن أكله.”
كان متوقعًا أن يكون موقف المساعد هارلاند مائلًا للعداء. حتى لو لم يكن من ويلبوير، فأي شخص على صلة وثيقة بهذه العائلة سيُظهر عداءً لبيلتوا مثل هارلاند.
وكان ليام كذلك من قبل.
اقترب ليام من أورميا الجالسة أمام النار.
كانت تنظر إلى اللهب بعينين نصف مغمضتين، وتبدو شديدة الإرهاق.
‘بهذه الحالة وتقول إنها ستساعد.’
حين نزلت أورميا من العربة، تمايلت وهي تتجه نحو الفرسان، قائلة إنها ستشارك في تجهيز المخيم.
قال الفرسان إنها ستصاب إن فعلت ومنعوها قطعًا. فاغتنم هارلاند الفرصة وبدأ يكلّفها بترتيب العربة وهو يُكثر من التذمّر.
هل لا عمل له سوى مضايقتها هكذا؟ كاد ليام يتقدم لتحذيره، لكن أورميا أشرقت عيناها وقالت لهارلاند.
“شكرًا لاهتمامكَ بي هكذا.”
شَكرتْ من كان يضايقها.
‘ليس هذا المقصود!’
لم يستطع هارلاند متابعة الكلام. ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد.
“شكرًا لأنكَ تحدثتَ معي.”
“أنت لطيف.”
“شكرًا لإخباري.”
أربك شكر أورميا هارلاند. وبسبب امتنانها الصادق، فقد حماسه للمضايقة، ولم يعد يزعجها بعد ذلك.
“تناولي هذا.”
وضع ليام الطبق أمام أورميا وجلس في المقعد المقابل.
“شكرًا.”
“ليس طعام القصر، إنه خشن. بعد تجاوز الحدود سيتحسن الوضع، فحاولي أن تأكلي الآن ولو على مضض.”
“لستُ انتقائية في الطعام. أنا ممتنة لمجرد وجود ما يُؤكل.”
لم يكن ليام قد بدأ الأكل بعد، ومع ذلك شعر بانقباض في صدره.
‘هل كان ملك غليسا يُجَوّع أبناءه؟ هل كان يميّز حتى في الطعام؟’
حتى عندما حملها بعد أن سقطت في المأدبة، كانت خفيفة جدًا.
“كُلي أكثر.”
وضع قطعة لحم على طبق أورميا.
شربت أورميا رشفة من الحساء وبدأت تمضغ اللحم ببطء. وبفمها الصغير، كان مظهرها وهي تمضغ أنيقًا ومرتبًا، كما في المآدب.
شعر ليام بالاختناق، فلعق شفتيه الجافتين وشعر بحلاوة. كانت الحلوى التي انتزعها لا تزال تملأ فمه.
تلتصق الحلاوة.
دواء يخفف تعب عضلات الكتفين ويُرخي الأعصاب—دواء لا يحتاجه ليام الآن.
بمجرد أن أخذ قضمة كبيرة من اللحم، قطب ليام جبينه بقوة وبصقها على الأرض.
”هارلاند!”
في الوقت نفسه، بدأ الفرسان المجتمعون حول المدفأة الأخرى بالصراخ وإثارة جلبة.
”اللعنة! لقد أفسدَ حتى هذا!”
“ما هذا الطعم؟!”
“توف! حتى الكلب لن يأكله! قلتُ لكم لا تتركوا الطعام لهارلاند!”
“إنه مجرد لحمٍ مشوي، كيف انتهى بهذا الطعم؟”
وسط الفوضى سقطت قطعة لحم، فانقضّ ثعلب وخطفها بسرعة.
ما إن عضّها حتى تجمّد كمن أصابه برق، ثم بصقها. استدار وركل التراب بقدميه الخلفيتين وغطّاها بسرعة.
“انظروا! حتى الوحوش لا تأكله!”
“لماذا؟ إنه لذيذ.”
“بالنسبة لهارلاند فقط! ذوقه ليس ذوقًا شائعًا!”
ما إن طحن اللحم بأضراسه حتى انتشرت رائحة التراب في فمه. امتزجت بطعم حامض، كأن لحمًا فاسدًا قد شُوي.
كانوا قد اصطادوا خنزيرًا بريًا وطيورًا أثناء تجهيز المخيم.
التقت عينا ليام بعيني أورميا المتسعتين.
كان فمها الصغير لا يزال يتحرك.
“لا تأكلي. هذا ليس طعامًا.”
“نعم؟”
“ابصقيه.”
“لا بأس.”
ابتلعت أورميا اللقمة.
حتى ليام، الذي عاش في ظروفٍ قاسية متنقلًا في ساحات القتال، كان يجد هذا الطعم صعب المضغ—ومع ذلك أكلتْهُ هي.
“لن يحدث شيء خطير لمجرد أكله. رأيتُهم يصطادونه بأنفسهم، وأكلناه جميعًا، لذلك أعرف أنه ليس مسمومًا. يجب أن نأكل لنصمد حتى نصل إلى الحدود.”
كان هذا ما قالته.
لكن هذا لا يعني أن يُؤكل أيّ شيء مهما كان طعمه.
“لم أقصد ذلك! يجب أن يكون طعامًا معقولًا على الأقل.”
“لقد أكلتُ أشياء فاسدة من قبل. هذا قابل للأكل.”
“أ-أعتذر… أن يُقارَن طعامي بشيء فاسد….”
يبدو أن هارلاند سمع كلام أورميا، إذ اغرورقت عيناه بالدموع.
بكى هارلاند وهو يسمع كلمات أورميا. فرغم أن الجميع كانوا يمنعونه من الطبخ ويصفون مهارته بالأسوأ، كان يصر على أن “الأذواق تختلف”، لكنه الآن صُدم حقاً.
“في المرة القادمة سأبذل جهدًا أكبر لتحسين مهارتي في الطهي….”
“لا تبذل أي جهد!”
رفض ليام والفرسان في الوقت نفسه.
***
كان عشاء ذلك اليوم عبارة عن حساء أُعدّ من اللحم الذي لم يلمسه هارلاند، وتقاسموه فيما بينهم.
تقرّر أن يتناوبوا على الحراسة الليلية، ودخلت أورميا إلى العربة.
أقام ليام خيمته بجانب تلك العربة.
وبما أنه كان في نوبة الحراسة قبيل الفجر، دخل إلى النوم مبكرًا، لكن سُمع صوت فتح باب العربة. كانت هي من نزل.
نهض ليام ببطء من مكانه.
‘عدم وجود خادمة يسبب إزعاجًا في مثل هذه الأمور.’
كانت هناك نوبة حراسة، لكن لم يُعيَّن حارسًا خاصًا للأميرة.
فتح ليام باب الخيمة وخرج.
تلاقت عيناه مع الفارس الذي كان يقف للحراسة قرب النار، فأشار له بيده أن يدخل، ثم نظر إلى أورميا.
كانت تقف غير بعيدة عن العربة.
ليالي الغابة باردة، لكنها كانت تنظر إلى السماء دون أن تضع حتى شالًا على كتفيها. داعب الهواء فستانها بخفّة.
تذكّر ظهرها وهي تتقدّم نحو حاجز الماء عند بوابة المدينة.
كانت من العائلة الملكية لغليسيـا، فلا بد أنها تعرف جيّدًا قوة الدوق وقدراته، ومع ذلك لم تَخف. ربما كانت تؤمن أنَّ الدوق لن يؤذيها، لكن ذلك ليس سهلًا على امرأة رقيقة.
لم يمكث ليام طويلًا في القصر الملكي، لكنه رأى الكثير.
كان من السهل استنتاج كيف نشأت أورميا، وأيّ معاملة تلقتها.
لا يستطيع القول إنه يفهم حياتها كاملة، لكن من الواضح أنها لم تُعامل كأميرة رغم كونها كذلك، ولم يكن ذلك أمر سنة أو سنتين، بل بدا أن أورميا تقبّلته كأمر طبيعي.
بدت كشخص تخلّى عن أشياء كثيرة. لم يكن لديها تعلّق يُذكر بعائلتها.
منذ أن اقترحت عليه مغادرة غليسيـا، شعر بأن الأمر غير اعتيادي.
فاجأته مرات عدّة، لكن ما حدث أمام بوابة المدينة كان طاغيًا.
“اسحب قدرتك، دوق بيرسي! هذا أمر!”
أمرت الدوق، ووقفت أمام الجنود الحاملين للرماح.
كانت تعرف ما تملك، وتعرف كيف تستخدمه.
“إرسالي هو قرار غليسيـا. جلالته والدوقات، أنتم من تخليتم عني أولًا.”
“أنا في طريقي إلى الإمبراطورية بأمر من الملك. دوق هايمان، هل ستمنعني وتخالف أمر جلالته وتثير تمرّدًا؟”
كان لديها ذكاء لرؤية ما يخشاه الدوقات، ولفهم نفسيّاتهم.
‘لماذا عاشَت هكذا حتى الآن؟’
وإلّا…
‘ما الذي جعل الأميرة تتغيّر؟’
كانت رقيقة، لكنها صلبة.
وهذا يعني أنها كانت يائسة بقدر ذلك.
‘وبشكل غير متوقّع… عديمةَ حَذر.’
تذكّر ليام ما حدث قبل دخول الخيمة، فمسح ذقنه وابتلع أنينه.
بينما كانوا يحدّدون سير الرحلة ونوبات الحراسة، جعلت أورميا الجميع يتجمّدون بكلماتها، بعد أن كانت صامتة.
“سأنام في الخيمة مع ليام.”
حتى هارلاند، الذي كان مستاءً من تصرّفات أورميا، عجز عن الكلام. وتحت أنظار الجميع، حاولت أورميا إقناعهم.
“إذا نمتُ في خيمة ليام، ألن يُربك ذلك أيّ مهاجم محتمل؟”
“هل أنتِ بكامل وعيك؟ تقولين إنك ستنامين مع ليام في خيمة واحدة؟ في ذلك المكان الصغير؟”
“آه، لا أتحرّك أثناء النوم. أنام بهدوء.”
“ليست هذه هي المشكلة! إنه رجل أجنبي! رجل بالغ!”
“لا أنظر إلى ليام بهذه الطريقة، لذا لا بأس.”
استمع ليام إلى الحوار بين هارلاند وأورميا، ثم حسم الأمر بسرعة.
لو استمرّ الاستماع أكثر، لما تحمّل الصدمة.
“الأميرة تنام في العربة. الحراسة بالتناوب. حدّدوا الترتيب.”
تذكّر ذلك، فهزّ ليام رأسه.
‘كانت متزوّجة، فلماذا لا تملك أيّ حذر؟ أم تحاول إغوائي؟’
حتى في الإمبراطورية، لم تتوقّف محاولات بنات النبلاء لإغرائه. لكن أورميا لم تبعث أيّ إحساس من هذا القبيل.
ظلّت حلاوة الحلوى، التي كان ينبغي أن تزول، عالقة في فمه.
رغم أنه نظّف أسنانه بعد العشاء بعيدان الأسنان، لم يبقَ الطعم، لكن الإحساس بقي.
“ألا تشعرين بالبرد؟”
لم تتحرّك أورميا، وواصلت النظر إلى السماء.
يجب أن ينطلقوا فجرًا، وكان ينبغي أن تنام قسرًا إن لزم الأمر. وحين وضع ليام العباءة على كتفيها، ارتبك.
كانت أورميا تبكي.
تنظر إلى السماء السوداء وتذرف الدموع بصمت.
“هذه أول مرة.”
“… أول مرة ماذا؟”
بصعوبة، وتحت ضغط خانق في صدره، تمكّن ليام من إخراج صوته.
هي التي لم تبكِ حين تحملت سخرية الجميع، ولا حين ضُربت على يد نساء عائلة أولان.
حتى عندما سقطت الثريا، ورأت أفراد عائلتها لا يقلقون سوى على غيرها، بقيت هادئة.
وحين أعطاها والدها، ملك غليسيـا، دواء العقم، لم تبكِ إلا بعد أن استفاقت من حافة الموت.
“أرى السماء الليلية لأول مرة.”
لم يستطع ليام أن يبعد نظره عنها.
تألّقت دموعها تحت ضوء القمر.
“كنتُ أنظر دائمًا إلى عائلتي فقط. أراقب تعابير من حولي، وأخفض رأسي. كنت أرى الأحذية التي أرتديها، والزهور المتفتّحة، ونقوش أرضية القاعة فقط.”
تنفّست أورميا بعمق وهمست.
“كان يكفي أن أرفع رأسي، فها هي السماء.”
كانت تبكي، لكنها تبتسم.
“كلُّ هذه الليالي الجميلة كانت تمتدّ كل ليلة… وأنا أراها الآن لأول مرة.”
ضاق حاجبا ليام تحت ثقل شعور مزعج ضغط على صدره.
رأى كثيرًا من النبيلات يبكين بعد أن رفضهن. كان يعرف كيف يواسي: كلمات لطيفة، وقول إن كل شيء سيكون بخير.
“لا تضعفي.”
قال ليام ببرود.
عندها فقط نظرت أورميا إليه.
“لم تغادري غليسيـا بعد. اتركي هذه الأفكار العاطفية حتى نصل إلى أراضي دوق ويلبوير.”
“نعم.”
أجابت بثبات، وكأن عزاءه البارد لم يجرحها.
كان تعبيرها حينها أجمل من لحظة استغراقها في التأمّل.
”سنغادر مبكراً غداً، لذا ادخلي ونامي. فمن الآن وصاعداً، ولمدة عقود، بل حتى موتكِ، ستشاهدين سماء الليل حتى تملّي منها.”
التعليقات لهذا الفصل " 38"