خرج دوق بيرسي من المختبر وتوجّه بسرعة نحو المدخل، فيما لحق به المساعد الذي كان ينتظر أمام باب المختبر عن قرب.
“هل الفرسان مستعدّون؟”
“نعم.”
“سأذهب أنا أيضًا.”
“تمّ الاستعداد.”
كان الفرسان مصطفّين يتقدّمهم قائد الفرسان.
“ألصقتم بهم مراقبة، أليس كذلك؟”
“نعم. بعد وقتٍ قصير من مغادرتهم البوابة، انقسموا إلى ثلاثة فرق. عدد الفرسان متساوٍ، كما أنّ العربات كانت متطابقةً ومُعدّة مسبقًا لكل فريق.”
“توقّعوا المراقبة. كانوا عازمين على ذلك.”
بإذنٍ من ملك غليسيـا، كانت المهمّة هي اصطحاب أميرة أورميا إلى الإمبراطورية.
لو كانت دعوة رسمية عادية، لما احتاجوا إلى مثل هذه الخطّة. في الأحوال المعتادة.
“إنهم يعرفون قوة الأميرة.”
‘كيف عرفت الإمبراطورية؟’
حتى دوقات غليسيـا لم يلاحظوا الأمر حتى الآن. سواء في القصر الملكي أو في عائلة أولان، كانت عيون الدوقات مزروعة في كل مكان، لذا فإن جهلهم بالأمر لا يُعقل.
إذًا لا يبقى سوى جواب واحد.
‘الأميرة أورميا نفسها أخبرت الوفد. كانت تُخفي الأمر بإحكام من أجل الذهاب إلى الإمبراطورية.’
تذكّر دوق بيرسي رجلًا لم يفارق جانب أميرة أورميا.
شَعرٌ أسود، وعينان سوداوان. رجل ذو هالة غير عادية تجذب النظر بشكلٍ غريزيّ. ذلك الذي قيل إنه تابع لأسرة ويلبوير الخائنة.
“مجرّد تابع؟”
لم تكن تلك الحدّة في حضوره حدّة شخص يعيش تحت إمرة غيره.
أصدر دوق بيرسي أمره.
“هارلاند. اتبع الجهة التي يوجد فيها ذلك الرجل.”
***
“أنا آسفة.”
لم أكن أعلم، لأنني لم أركب العربة لهذه المدّة الطويلة من قبل.
بعد مغادرتنا بوابة المدينة، وباستثناء أوقات الأكل والنوم، واصلت العربة السير ليومين كاملين.
حتى العربة المريحة التي لا تهتزّ كثيرًا لا تنفع عندما تسير في طرق سيّئة. كان جسدي يرتدّ حتى إنّ مؤخرتي كانت ترتفع عن المقعد. ككرة داخل صندوقٍ صغير، كنت أقذف هنا وهناك.
لقد خارت قوايَ تمامًا.
خرجت من العربة وكأنني أتدحرج منها، ثم جلست تحت شجرة.
في اليوم الأوّل كان الأمر محتملًا، أمّا في اليوم الثاني فقد فقدتُ إحساسي تمامًا.
تحت سماء الغروب، كان عشرة فرسان ينشطون في إشعال النار ونصب الخيام وتحضير الطعام.
كان الظلام يحلّ سريعًا في الغابة.
“سأساعدكم أنا أيضًا.”
“بهذه الحالة؟ هل تستطيعين الوقوف أصلًا؟”
سخر صوتٌ فظّ بلهجة باردة.
هارلاند الحقيقي، مساعد ليام، نظر إليّ بازدراء.
“اجلسي بهدوء. لولا كونكِ الأميرة لما اضطررنا للتخييم أصلًا! آه! ساقي! سيد ليام!”
ركل ليام ساق هارلاند، فدمعت عيناه. نظر هارلاند إلى ليام وهو يزمجر بشفتيه.
“هذا قاسٍ جدًا. كيف تضرب مساعدكَ الثمين بهذه الوحشية!”
عندما التقيت به في الحياة الثالثة، كان يقف بهدوء خلف ليام، لذلك لم أكن أعلم أن لديه مثل هذه الشخصية.
“قلتُ لكَ أن تتحدّث باحترام.”
“وماذا فعلتُ أنا أصلًا؟ إنها من بيلتوا، ومع ذلك أُعاملها باحترام كافٍ!”
“أسلوبك.”
“أنا من أتباع أسرة ويلبوير. لذلك ستتفهم الأميرة، أليس كذلك؟ ثم لماذا هذه المرأة تحديدًا؟ لو دخلتُ غليسيـا معك يا سيد ليام، لكنتُ تعلّقت بساقك لأمنعك!”
“لو حدث ذلك، لانكشفَت هويتي.”
“سيّد ليام! يستحيل أن أتسبب في ذلك!”
“لقد ناديتني باسمي ‘ليام’ فور رؤيتك للأميرة، وتريد مني أن أثق بك؟ ألم تنسَ أنني استبعدتك من المهمة بسبب لسانك هذا؟”
“أووو…….”
لم يجد هارلاند أيّ عذر، فحوّل نظره عن عيني ليام الباردتين واتجه نحو الفرسان.
“أنا المسؤول عن الطعام.”
ما إن انتزع مغرفة الحساء، حتى هرع الفرسان إليه في فزع.
عندما اقترب هارلاند من الموقد، سمعتُ حتى أنا أصوات الفرسان المكلّفين بالطهي وهم يضربون جوانب بعضهم ويتناجون.
“يا رجل، ماذا سنفعل؟”
“إنه يشوي اللحم فقط، من الصعب إفساده. سيبقى في المستوى المتوسط على الأقل.”
“إذا أصبح غير قابل للأكل، ستتحمل أنت المسؤولية.”
كنتُ أضحك، لكن الإرهاق كان يضغط على كتفيّ.
كان لديّ رغبة شديدة في الاتكاء على الشجرة خلفي.
دروس المعلّم الذي كان يشدّد على أنّه يجب الجلوس بظهر مستقيم حتى لو كدتُ أسقط، بحجّة أن عليّ أن أكون قدوة للنبلاء، أظهرت فائدتها في مثل هذا الموقف.
نظرتُ إلى يديّ الموضوعتين بلا قوّة فوق ساقيّ. كانت راحتا يديّ محمرّتين.
بسبب تشبّثي بالمقبض داخل العربة المتأرجحة لأثَبِّت جسدي، لم يعد في ذراعيّ أي قوّة.
‘أنا ضعيفة.’
كنت دائمًا ضعيفة، ودائمًا ضحيّة.
عاجزة.
خضعتُ للدوق، ولم أستطع مقاومة الملك. كنت أعرف كيف أستخدم البركة، لكن ذلك كان كلَّ ما أملكه.
وبغباء، لم أجد ما يجب عليّ فعله إلا بعد مرور ثلاث حيوات.
لو كنتُ أقسى، أكثر هدوءًا، أكثر برودًا، ألم أكن لأهرب أسرع قليلًا؟
من الأرض التي جلستُ عليها، بدأ الظلام يزحف نحوي ببطء ويقضمُني. كان ظلام الهاوية يترصّد الفرصة لابتلاعي في أي لحظة.
صار جسدي أثقل فأثقل.
كنت متعبة.
متعبة لدرجة أنني أريد أن أستلقي ثم لا أنهض مجددًا.
لم أكن قد غادرتُ العاصمة إلا اليوم بالكاد، ومع ذلك تسلّلت إليّ أفكار واهنة.
‘لا أريد أن أفعل شيئًا.’
ماذا لو اختبأتُ هكذا؟
لم يتبقَّ لي من الزمن سوى عامين. لا، أقل من ذلك.
حياة محدودة. والموت المقرَّر سيأتي لا محالة.
في الحياة الثانية والثالثة، كانت اختياراتي فشلًا. خرجتُ من القصر الملكي وغادرتُ العاصمة، لكنني لم أغادر غليسيـا بعد.
ألن يكون العيش كما أشاء، براحة وطمأنينة، أسهل من الذهاب إلى الإمبراطورية، حيث بيئة غريبة وأناس غرباء أعيش بينهم مشدودة الأعصاب؟
دون صراعٍ في إمبراطورية لا يُعرف مصيرها، أعيش بسلام وراحة.
‘أنا ضعيفة فعلًا.’
مجرد الخروج من العاصمة جعلني على وشك الانهيار.
مع أنني قلتُ إنني سأُنقذ ليام على الأقل.
‘هكذا لا أختلف عن حيواتي السابقة.’
وسأموت في النهاية، مرة أخرى، وحدي، في ذلك المكان الضيّق والمظلم والبارد.
“تفضّلي.”
مع صوته العميق، تساقطت على ركبتيّ زهور ملوّنة.
لا، لم تكن زهورًا.
كانت سكاكر ملفوفة بورق ملوّن. رائحة حلوة عذبة انتشرت، وبمجرد شمها سال لعابي في فمي الجاف..
“سكاكر الزهور من متجر ماشي!”
“تعرفينها.”
كان ليام يتكئ على الشجرة وهو ينظر إليّ.
“سيستغرق تجهيز الطعام وقتًا، كلي منها الآن. السكر يخفّف التعب.”
متى اشتراها؟
رفعتُ نظري إليه، فمال ليام برأسه.
“يقولون إن سكاكر الزهور من متجر العاصمة في غليسيـا مشهورة. لا يمكننا التوقّف في القرى لأن الدوقات قد يلحقون بنا. اشتريتُ صندوقًا كاملًا، فإن أردتِ المزيد أخبريني.”
“… شكرًا لك.”
كانت هذه السكاكر تأتي ضمن الهدايا التي منحها لي دوق هايمان في حياتي الثانية.
طعمها لا يختلف عن غيرها من السكاكر الفاخرة. بل إن شكلها بسيط ومستدير بلا تميّز، لكن سبب شهرتها كان مختلفًا.
’كانت هناك خرافة منتشرة بين الآنسات تقول إن الحب سيتحقق إذا كانت السُّكَّرة بنفس لون الغلاف.’
مجرد دعاية تجارية.
سيدةٌ تعرف صاحب المتجر جيّدًا كانت قد تفاخرَت أمام دوق هايمان بأنّها هي من اقترحت عليه هذه الخطة التسويقية.
كنت أعلم أنها كذبة، ومع ذلك، كلّما فتحتُ الغلاف، شعرتُ بالإثارة.
‘لم يخرج اللون نفسه أبدًا.’
كان حبي الأول جيفري.
هل لهذا كانت دائمًا مختلفة؟
“كلي واحدة الآن. وجهك شاحب وكأنكِ ستسقطين.”
“آه، نعم.”
ما مِن معنى كبيرٍ للأمر.
أمسكتُ طرفي الغلاف وسحبتهما ببطء. لم يكن لديَّ أي توقعات وأنا أسمع خشخشة الورق.
بالتأكيد ستكون خاسرة كالعادة، لكنني أردتُ فقط تأكيد حظي العاثر.
خشخ-!
في اللحظة التي فُكَّ فيها الغلاف الملتوي، حجب ذراع ليام رؤيتي. وجدتُ نفسي فجأة بين ذراعيه.
كانغ-! دوت دويٍّ معدنيٍّ حادٍ بالقرب مني، وفي الوقت نفسه، انغرز سيخ معدني في الأرض.
انعكس ضوء الشفق الأخير الباهت على سيفه.
ماذا حدث؟
رأيتُ خط فكه القوي. ارتفعت عروق رقبة ليام الغليظة، ورأيتُ تفاحة آدم تتحرك بقوة أمام عيني.
“هارلاند!”
“هـ… هييك! أنا آسف!”
لم أستطع التفكير في أي شيء آخر بسبب الرائحة المنبعثة من ليام.
“لا، حقاً.. لماذا يطير السيخ إلى هناك وأنت تشوي اللحم؟”
التعليقات لهذا الفصل " 37"