المكان الذي عرفتُ فيه طريقة استخدام زهوري كان المعبد.
فبوجود الزهور، يمكن الذهاب إلى أي مكان، ولن تكون هناك حاجةٌ إلى عائلة بيلتوا.
كان عليّ أن أُنتج الزهور بينما أستمع إلى صلوات الكهنة.
في البداية كان الأمر إقناعًا لطيفًا، لكنه سرعان ما تحوّل إلى إكراه وعنف.
“لقد كان هذا هو معنى إرسال لاغراس للسموّ الأميرة إلى الأرض. الاستقلال الكامل لدوق هايمان والمعبد.”
“هيا، رُدّي نعمة الإله. أظهري زهرة البركة حالًا.”
“لا أريد…….”
لم يكن الأمر مؤلمًا في البداية، لكن عندما أُجبرت على إنتاجها عشرات، بل مئات المرات، صار عذابًا.
لم يتوقف الجشع القبيح، وحتى حين تراكمت الزهور كالجبل لم يرضَ أحد.
“الألم يختفي إن ركّزتِ. شعوركِ بالألم يعني أن صلاتكِ ليست صادقة. سلّمي جسدكِ للاغراس. كل ما فيكِ هو مشيئة الحاكم.”
باستثناء أوقات النوم والطعام وقليل من الراحة، كنتُ أُنتج الزهور بينما أستمع إلى التراتيل وصلوات الكهنة.
لم يكن يُسمح لي بالرفض. ومع دخول عهد دوق هايمان، ازدادت قوة المعبد، وأي رفض لأوامر الكهنة كان يُعد هرطقة يُعاقَب عليها.
كان وقتًا لا تكفي كلمة “مرعب” لوصفه.
“أكثر، نريد المزيد!”
“أورميا! المزيد!”
كنت أشعر بأنني أتحطّم. الكهنة والدوق كانوا يعلمون، ومع ذلك دفعوني لإنتاج المزيد، ولو قليلًا.
“آآه! الزهور!”
“أورميا! ما الذي تفعلينه في هذا اليوم المقدّس؟!”
“توقفي فورًا!”
رفعت رأسي فزعة عند سماع الهمهمات. كانت الزهور البيضاء تتساقط من حولي.
تبعثرت مع الريح، وذبلت.
تراجع أهل غليسيا جميعًا خطوة إلى الخلف خوفًا من لمس الزهور. حتى الخدم ابتعدوا مذعورين، فخلا المكان من حولي.
توقفت التراتيل، وابتعد البابا عنِّي وقد نسي بركته.
“يا صاحبة السمو.”
عندها فقط رأيت وجوه الناس وقد شحب لونها، حين أمسكت يدٌ كبيرة بذراعي.
زهوري.
تلك الزهرة الصغيرة الجميلة التي استُغلت بسلطة دوق هايمان. زهرة مسكينة لم تُمنح سوى الاستغلال البائس.
“لا.”
مددت يدي نحو الزهور المتساقطة.
“لا أريد.”
اختفت الزهرة من يدي المضمومة.
واختفت معها كل الزهور التي كانت في مجال بصري. وربما حتى زهوري الموجودة في مكان ما من غليسيا.
“ماذا؟”
“زهور صاحبة السمو؟”
ليختفِ كل أثري من هذه الأرض، من هذا البلد.
إنها الحياة الرابعة، لكن بحساب كم مضى من الزمن، فلم يتجاوز بضع سنوات. حتى إن بهتت الذكريات وتآكلت، فإنها كانت تعود فجأة.
ضممت يديّ اللتين كنتُ أقبض بهما إلى صدري وفتحت عينيّ.
أعادني همس الناس إلى الواقع.
“يا صاحبة السمو، هل أنتِ بخير؟ وجهكِ شاحب.”
“صاحبة السمو؟”
‘فلنغادر بسرعة.’
انحنيتُ ممسكة بطرف فستاني أمام من خرجوا لوداعي.
حيّيتُ هذه الأرض التي لن أعود إليها.
‘وداعًا، أيها الموطنُ الذي نبذني.’
“انطلقوا!”
وهكذا، تحت حماية وفد الإمبراطورية، غادرتُ أخيرًا عاصمة غليسيا.
***
انطلقت عربة وفد الإمبراطورية التي تقلّ أورميا. وقد نُشر الجنود على طول الطريق المؤدي إلى بوابة القلعة التي تمر عبر العاصمة.
تمت حماية ليتريشيا، وإرسال أورميا. ومع ذلك، لم تكن تعابير وجوه أفراد العائلة المالكة والدوقات العائدين إلى القصر مشرقة.
بسحنة جادّة، سأل دوق هايمان كالاند.
“هل استطاعت الأميرة أورميا إزالة الزهور من قبل؟”
“هذه أول مرة أرى فيها ذلك.”
تدخّل دوق بيرسي، الذي كان يستمع.
“لم يرد أيُّ تقرير من هذا النوع.”
“أيعني ذلك أن الأميرة كانت تخفي الأمر طوال هذا الوقت؟”
“نادراً ما أظهرت الأميرة زهورها أمام الآخرين.”
“وماذا في ذلك؟ إنها مجرّد نذير شُؤم.”
استخفّ أليان بحديثهم.
في تلك اللحظة، اقترب مساعد دوق بيرسي على عجل.
“أعتذر، وصل اتصال عاجل من القصر. الأمر طارئ.”
لا يحدث أن تصل رسالة بهذه العجلة من القصر. ظنّها مبالغة، فانفصل دوق بيرسي عن الجمع.
وعند سماعه التقرير الخافت من مساعده، اتّسعت عينا الدوق الباردتين.
“كان اللورد إدوارد يدرس زهور الأميرة أورميا، لكنها اختفت فجأة. وفي اللحظة نفسها، تسلّلتْ إليه البركة.”
إدوارد هو الأخ الأصغر لدوق بيرسي.
وبسبب علاقته السيئة مع الأمير الثاني أليان، رفض تلقي البركة بدافع الكرامة، وتحمل الألم كاملًا.
لهذا كان مهتمًا كثيرًا بعائلة ويلبوير التي ذهبت إلى الإمبراطورية، وتولى قيادة أبحاث لإيجاد بديل عن البركة.
شدّد المساعد مرة أخرى.
“زهور الأميرة أورميا تحولتْ إلى بركة. ووفقًا لقول اللورد إدوارد، فهي قوية إلى حدّ كبير.”
في تلك اللحظة، تذكّر دوق بيرسي مشهد تلاشي زهور أورميا المتطايرة.
كان قد ابتعد عن الزهور مع الآخرين، فكانت المسافة لا بأس بها.
اختفت وهي تشعّ بضوء باهت، ولم يشعر بأي تغير في جسده.
“لا يمكن أن يكون…”
وقف شعر جسده. قشعريرة سرت فيه.
في تلك الأثناء، ركض أحد الكهنة نحو الملك على عجل.
“جلالتك، الزهور التي كانت محفوظة في المعبد قد اختفت.”
عند التفاتته، كان دوق فالمان يقرأ تقريرًا عاجلًا أُخرج من حمامة زاجلة.
أراه لدوق هايمان، فالتفت الأخير مصدوماً نحو دوق بيرسي.
اختفى التعبير من وجه دوق هايمان، الذي لم يفقد رباطة جأشه من قبل.
”الأميرة أورميا.. هل يعقل أنها…”
الدوقات الذين كانوا في أمس الحاجة للبركة أدركوا الأمر أولاً.
‘هل تملك الأميرة أورميا البركة؟’
***
اصطفّ وفد السفارة، واعتلى الفرسان صهوات خيولهم في المقدمة.
تَلَتْهم عربة أورميا، ثم الموكب وعربات الأمتعة، وفي المؤخرة فرسان المرافقة حتى بوابة القلعة.
ألقى ليام نظرة جانبية على فرسان غليسيا.
اختفت زهور أورميا.
وفي تلك اللحظة، شعر ليام، الذي كان قريبًا منها، بتسلل البركة إلى جسده.
وراقب الدوقات في الحال.
لم يكن هناك تغيير ظاهر سوى الدهشة من اختفاء الزهور، لكن ذلك لم يكن باعثًا على الاطمئنان.
قاد ليام حصانه إلى جانب العربة.
كانت أورميا تنتظره دون أن تغلق النافذة، تبدو كطفلة ارتكبت خطأً، غارقة في الكآبة.
“أنا آسفة.”
لم يكن ليام غاضبًا. حين بدأت بركة كبير الكهنة، شحب وجه أورميا كما لو فقدت دمها.
كان يتساءل إن كان عليه إيقاف الصلاة، حين تناثرت فجأة زهور بيضاء.
بدت كصرخة.
وشعر أنها إشارة استغاثة منهـا.
“هل شعروا بذلك أيضًا؟”
“المسافة بعيدة، فلن يكون لها تأثير مباشر. لكن ربما اختفت كل الزهور الموجودة في غليسيا. كانوا يحتفظون ببعضها في المعبد، وقد تكون اختفت. سيصل التقرير قريبًا.”
“إذًا المسألة هي مدى سرعة اعترافهم ببركة الأميرة.”
“كنتُ طوال الوقت ‘غضب الحاكم’. لن يتقبلوا الأمر بسهولة.”
“لا. يجب أن يسرعوا.”
اتّسعت عينا أورميا، ورغم توتر الموقف، ارتفع طرف فم ليام قليلًا. تلك التي كانت تتصرف وكأنها تعرف كل شيء، بدت كشابَّةٍ في عمرها.
‘لم تتجاوز العشرين بعد.’
“لأن الأميرة تتجه إلى الإمبراطورية.”
“آه.”
“مجرد احتمال وجود بركة كافٍ ليحاولوا الإمساكَ بها.”
ارتجفتْ عينا أورميا وهي تبتلع أنفاسها.
عمق كالبحر يهتز. شعر ليام بانقباض في عنقه عند رؤية ارتباكها.
شعور غير مريح تسلل إلى صدره.
لم يكن الإحساس ذاته حين علم أول مرة بامتلاكها للبركة.
أن يراها تتأثر بكلامه.
أمسك ليام خصلة من شعر أورميا المنسدل.
شعرها الناعم ذو اللون الجميل دغدغ أطراف أصابعه. فسحب يده بسرعة.
“لا تقلقي. ما وقع في يدي لن يُنتزع أبدًا.”
انعكس وجهه في عينيها الواسعتين.
قاد ليام حصانه نحو ماركس في المقدمة. وكان ماركس يراقب طوال الوقت، فابتسم بخُبث.
“قلتَ إنك ستتعاون مع التمثيل، لكن يبدو أنكَ كنت جادًا.”
“فرساننا ينتظرون خارج الأسوار، أليس كذلك؟”
“نعم. أولئك الجبناء منعوهم من الدخول، فاتفقنا على الالتحام خارج البوابة.”
“أسرع. زد السرعة.”
“ماذا؟”
حين اقترب ليام من ماركس، اقترب بنجامين أيضًا.
“احذروا لئلا يبدو الأمر مريبًا. بنجامين، أرسل رسالة فور الوصول للتحرك مباشرة.”
“ليام؟”
“قد لا يتركون الأميرة تغادر غليسيا.”
فهم ماركس خطورة الوضع رغم عدم معرفته بكل التفاصيل.
“بسبب زهور الأميرة؟ القدرة على إزالتها لم ترد في التقارير. بنجامين.”
التعليقات لهذا الفصل " 34"