الوجه الذي كان ينبغي أن يكون حاضراً، لم يكن هناك.
”أين أورميا؟”
كان اسم ابنتها، لكن نطقة بدا غريباً على لسانه.
حدّقت الملكة في الكونت ربلر بعصبية، وقد عبست بِحاجبيها الجميلين. انحنى الكونت بخجل.
“لقد رفضت الدعوة.”
“ماذا تقول؟ هي من العائلة، وكان من المفترض أن تحضر، رفضت؟”
ارتفعت حدة صوت الملكة.
“كيف لا تأتي إلى اجتماع العائلة؟ لهذا السبب لا أستطيع أن أحب تلك الفتاة. كل تصرفاتها لا تعجبني، دائمًا تفعل ما لا يرضيني.”
“الأميرة قالت إنه بما أنها ليست من العائلة، فلا يمكنها ارتكاب فظاظة بحضور اجتماع العائلة…”
“ها! كيف تجرؤ على رفضنا؟”
“وقحة!”
فتح كالاند فمه بهدوء بعدما استمع إلى اللوم الصامت الموجَّه نحو أورميا.
“أول من تخلّى عنها هو والدتي.”
“كالاند؟”
“عندما تزوجت أورميا، قُلتِ إنها لم تعد من عائلة بيلتوا، وبالتالي ليس عليها الحضور لعشاء العائلة.”
حتى الملكة تذكّرت ذلك.
كانت تشعر بالسرور لأنه أصبح لديها عذر لعدم رؤية أورميا في تجمعات العائلة، بينما لم يكن بالإمكان تفادي الأحداث الخارجية أمام الأعين.
“مهما كان الحال! لقد طَلّقت!”
“نعم، وعندما تطلقت، قلتِ لها إنها عار على العائلة المالكة ولا يجب أن تفكر في الحضور. لهذا السبب، حتى بعد عودتها للقصر الملكي، لم تحضر أورميا عشاء العائلة قط.”
“لقد طلّقت! طلاقٌ في العائلة المالكة! بالطبع لا يجب أن تجرُؤ على الظهور في العشاء بعد فعل شيء كهذا! لكنها ستغادر غدًا، كيف يمكن أن تتصرف هكذا مع عائلتها!”
صارت ملامح كالاند شاحبة ومتوترة.
“نحن من جرّعناها دواء العقم وتجاهلناها. نحن من بدأنا كلًّ ذلك.”
عضّت الملكة شفتيها.
لم تفهم لماذا يُوجّه إليها اللوم. لقد دُعيت أورميا، وهي من رفضت، أليس كذلك؟
“كفى يا كالاند.”
“والدتي، تفضلي بالجلوس هنا. طلبتُ تحضير الحلوى التي تحبينها.”
“نعم، كما هو متوقعٌ من ليتريشيا. ابنتي.”
بمرافقة ليتريشيا، جلست الملكة بابتسامة حانية.
“اليوم، هل يمكنني أن أصلي لِلاغراس؟ أريد أن أصلي من أجل الصحة والسعادة للجميع، وأن تستمر أيامٌ كهذه دومًا.”
“حسنًا، اليوم لتصلي ليتريشيا.”
“ليتريشيا حقًا طيبة جدًا، لا أستطيع إلَّا أن أقلق عليها.”
كما هو الحال دائمًا، لم يُذكر أي شيء عن أورميا في العشاء، تمامًا كما كانوا يفعلون دائمًا.
وها قد حل اليوم الذي ستغادر فيه أورميا غليسيا.
***
استيقظتُ قبل شروق الشمس.
كان المطر يتساقط برفق، والغيوم الداكنة جعلت المكان مظلمًا.
ابتسمت.
“سيقولون إن الطقس ساء بسببي أيضًا.”
إذا كان الجو صافيًا، فسيقولون إن الحاكم فرح لأنني سأغادر، وإذا كان غائمًا، فسوف يهمس الناس أنني الأميرة المنبوذة.
لا حاجة للزينة الباذخة قبل السفر. ارتديت شيئًا خفيفًا، ونظرت في المرآة.
“أخيرًا.”
سأغادر غليسيا.
الأرض التي قيدتني بشدة وأمسكت بي بعناد، ومنعتني من الرحيل.
ولكن مع اقتراب اليوم، شعرت بخفقان قلبي بقلق.
هل سأتمكن حقًا من المغادرة؟
طُرِق الباب، فأذنّت بالدخول.
دخل ليام، مرتديًا زي الإمبراطورية الرسمي الذي ارتداه عند وصوله مع الوفد.
“هل كل شيء جاهز؟”
“نعم، لننطلق.”
أطللت من النافذة، فوجدت عددًا لا بأس به من الناس قد تجمعوا.
“فرسان الإمبراطورية في الانتظار عند أسوار العاصمة. حالما تترك الأميرة غليسيا، لن يستطيع أحد إيقافها.”
ربما لقلقه بشأن دواء العقم، شرح ليام دون أن أسأله.
هو ليس مجرد فارس عادي. أعرف حتى أي مدى يستطيع أن يصل، وقد شهدت قسوته مباشرة.
قدراته الكبيرة قضت على جميع الدوقات الأربع، وناره الهائلة أحرقت كل شيء.
دون أي بركة، أحرقَ حياته بالكامل للإنتقام.
“سأحمي الأميرة حتى لو كنتُ مضطرًا للمخاطرة بحياتي.”
صوت ليام الحازم جذب كل انتباهي، ولم أستطع أن أزيح نظري عنه.
أثق به.
معه، سأتمكن من المغادرة.
لا شيء سيستطيع أن يوقفني.
***
لو كان مجرد وفد رسمي، يكفي أن يخرج المسؤولون لتأدية المهمة دون المساس بالهيبة، لكن اليوم هو يوم ذهابي كأميرة إلى الإمبراطورية.
إنه اليوم التاريخي الذي ستذهب فيه أول مرة أميرة من غليسيا إلى دولة أجنبية.
خرج الملك والملكة وأفراد العائلة المالكة والدوقات وبعض المسؤولين لاستقبالي. تحت المطر الخفيف، حملوا المظلات وحيوا الوفد أولًا.
التقيت بعيني الملكة بين الحين والآخر. كما هو معتاد، كانت تحدق بي بغضب.
“أتمنى أن تكونوا قد قضيتم وقتًا مُرضيًا هنا.”
“بفضلكم، سنغادر بعد أن قضينا وقتًا طيبًا. وباصطحابنا الأميرة، فسيشعر الإمبراطور بسعادة غامرة.”
تبادلوا التحية الرسمية.
نظرت إلى الذين يقفون بجانب العربة.
الخدم كانوا واقفين بوجوه قاتمة، كما الطقس، وهم دائمًا يرفضون خدمتي، حتى أن الخادمات لا يلقون بالًا لاحتياجاتي. لكن اليوم، كان هناك ستة خدم لمرافقتي إلى الإمبراطورية.
سألتُ ليام.
“كم ستستغرق الرحلة إلى الإمبراطورية؟”
“عربة إلى الحدود، أسبوع واحد.”
“هل يمكننا الاستغناء عن الخدم؟”
“ستشعرين بعدم الراحة، يا صاحبة السمو.”
“أنا بخير.”
“رحلتكِ الأولى، ومع عدم وجود خدم سيكون صعبًا عليك. سنأخذهم حتى الحدود فقط.”
“لقد اعتدتُ على العيش بدون خدم، لا بأس.”
سيستغرق الأمر بعض الوقت فقط.
حاول بنجامين إقناعي.
“لكن—”
“كما ترغبين.”
ليام أذن بذلك بخفة.
“افعلي ما تشائين.”
بينما كان ماركس يحيي العائلة المالكة، لم تفارقني نظراتهم الملتصقة بي.
هل سبق وأن تلقيتُ مثل هذه النظرات الحارة منهم؟ لم أدر وجهي متظاهرة بعدم الرؤية كما كانوا يفعلون، بل شعرتُ بكل نظرة منهم.
‘هل كنتم تشعرون بنظراتي وتتجاهلونها هكذا أيضاً؟’
دائمًا كان الأمر هكذا، ومن خلال ثلاث حيوات شعرت بهذا الضيق حتى في أعماقي.
كنت أعتقد أن كل مشاعر الغضب أو أي شعور تجاههم قد تآكلت واختفت كالغبار، وأنني أصبحت غير متأثرة بهم.
لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك.
كنت متأثرة جدًا بنظراتهم.
تلاقت نظراتي بعيني الملكة.
تلك العيون التي كانت تحدق بي، ارتعشت عند حوافها، وابتسامة مصطنعة ارتسمت على شفتيها.
بينما كانت عيناها تفيضان بالازدراء.
‘حسنًا، هذه هي المرة الأخيرة.’
ليست المرة الأخيرة بالنسبة لي فحسب، بل بالنسبة لهم أيضًا.
خطوتُ نحوها أولًا.
دائمًا كنت أول من يقترب، ثم كنتُ أستسلم بعد أن أتأملهم.
“أورميا.”
صوت الملكة المرتجف.
المرأة التي تُعرف خارجيًا بالأم الحانية والمحبوبة من الجميع، كانت شفتاها ترتجفان بانزعاج.
هي من أنجبت طفلًا يُسمّى بـ “غضب الحاكم”.
قبل أن تكون أمًا، هي بشرية وملكة، ولكي تعيش، كان عليها أن تنكرني وتتخلّى عني.
“لماذا لم تحضري البارحة؟ كنا ننتظرك، وكان هذا آخر عشاء لنا معًا.”
“نعم، يا أورميا. لقد حزنت والدتكِ كثيرًا.”
من المضحك أن أليان هو من نطق بهذه الكلمات اللطيفة. الرجل الذي لطالما استهزأ بي وانتقدني.
“لستُ من العائلة.”
“حتى اليوم! …كم أنتِ أنانية… فقط تواصلي عند الوصول.”
حاول أليان الصراخ لكنه كتم غضبه.
“أختي، احذري من الإمبراطوريين. أخشى أن يتغيروا إذا عرفوا حقيقتكِ.”
ليتريشيا زعمت القلق لتزيد التوتر.
“في الإمبراطورية هناك كثير من أتباع ماجنوس. ومع وجود غليسيا والدوقات خلفكِ، لا تقلقي من الإمبراطورية. سنتواصل معك وصولكِ، أميرة.”
بعد كلام دوق بيرسي، تبعت الدوقات بكلمات مشابهة، كلها وعود مزيفة بدعوى الاهتمام بي، رغم أنهم ليسوا كذلك.
لم أسمح لـ كالاند بالكلام رغم أنه فتح فمه ليتحدث. أومأتُ برأسي بخفة واستدعيتُ خدم وفرسان غليسيا الذين كانوا يقفون بجانب العربة الإمبراطورية.
“سأترك هؤلاء هنا.”
تغيّر وجه الملكة قليلًا، لكنها حافظت على دور الأم الحنون.
“خُذيهم معكِ. كيف يمكن أن تذهبي وحدك إلى تلك الأرض البعيدة؟”
“لقد اعتدت أن أكون وحيدة.”
“يا لكِ من غبية حتى النهاية! عليك التفكير في هيبة غليسيا. ألا تخافين مما سيظنه الإمبراطوريون؟”
أمسكت الملكة بذراعي، وأظافرها حادة، وبينما كانت تهمس لي بتعابير توحي بالأسى، كانت تنطق بكلمات كالسم.
“لن تعرفي أبدًا الامتنان! لا تظني أن كل ما عشته كان من حقكِ. ولا تظني أن بإمكانك العيش في الإمبراطورية بدون بركات غليسيا والحاكم لاغراس.”
كما لو أن السكين يجرح خارجيًا، بينما السم يتغلغل داخليًا.
كم تألمتُ من كلامهم في الماضي.
“لا أحد يحب طفلة تخلى عنها الحاكم مثلكِ. حتى الإمبراطوريون سيشعرون بطبيعتك وسيفرّون منك. ستدركين أن لا أحد يحبك، سوى عائلتكِ. نحن فقط.”
”هذا صحيح، أنا طفلة نبذها والداها أيضاً.”
عند اعترافي بذلك، احتدت كلمات الملكة.
“متى نبذناكِ نحن!”
أمسك الملك بكتف الملكة ليهدئها، وهو يتظاهر بالهدوء.
أخبرتها بالحقيقة.
في الحياة الثانية أصبحوا عبيدًا، وفي الثالثة كنتُ مسجونة.
”هل يجب أن تفعلي هذا حتى في يوم رحيلكِ؟ لهذا السبب أكرهكِ! أنتِ تثيرين قشعريرتي! لقد تحملتُ الغثيان وتجرعتُ الأدوية المرة من أجل ولادتكِ، فكيف ولدت طفلة مثلكِ لا تفكر في قلب أمها!”
حتى يوم رحيلي، من الذي نبذ الآخر أولاً؟
“كفى.”
“أمي، البابا بانتظارنا. يجب أن نستمع للمباركة قبل الرحيل.”
“…حسنًا.”
عند كلمات كالاند، ابتعدت الملكة، وقد نظرت إليّ بغضب، ثم توجّهت للبابا، كأم قلقة على ابنتها.
“يرجى الصلاة من أجل صحة أورميا وسلامتها. إذا كانت بركة البابا، ربما يحمي الحاكم لاسلاس هذه الطفلة المنبوذة قليلًا.”
“نعم، يا صاحبة الجلالة. إن لاغراس يسمع صلوات الجميع.”
منذ زمن بعيد، لم تكن سلالة غليسيا الحاكمة هي بيلتوا.
وفي يوم من الأيام، ظهر قديس قادر على شفاء أصحاب القوى الخارقة بالبركة.
أصبح أولئك الذين جنّوا من الألم قادرين على التحكم بقواهم بالكامل، وظهر لهم نفوذ، وصعد القديس إلى العرش.
هكذا بدأت غليسيا الحالية.
الحرم الملكي حافظ على علاقة وثيقة مع المعبد، لكنه استسلم للقوة وحمى نفسه فقط.
حين غزت الإمبراطورية، انهارت أسرة بلتوا الملكية.
الإمبراطورية لم تمسّ المعبد أو الكهنة، والمعبد أعلن ذلك كنعمة من لاغراس، ليقوي ولاء المصلين.
ولكن العائلة الملكية، التي وثقت في لاغراس، خُدعت.
والرجل الذي طأطأ رأسه أمام ليام وهو يدوس على دماء بيلتوا حينها هو هذا الرجل.
‘البابا غريس.’
وقف البابا غريس أمامي.
هز الكاهن سلسلة المُبخرة الذهبية في دوائر، وبدأ عبق أوراق الريف البيضاء المميزة للمعبد يتصاعد.
“يا صاحبة السمو، اركعي على ركبتيك.”
همس الكاهن بهدوء، لكني لم أستطع التحرك.
ارتفعت أصوات ترانيم كهنة المعبد في كل مكان
“اليوم تغادر ههذ الطفلة الصغيرة في رحلتها…”
شعرت بالاختناق.
رائحة البخور، ترانيم كهنة المعبد، وصوت البابا ضغطوا عليّ بشدة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"