“سمعتُ أن الأميرة أورميا تقيم بالكامل في القصر الملحق.”
“قيل إنها انهارت بسبب سوء حالتها الصحية، فقلق عليها وفد الإمبراطورية وأخذوها عندهم.”
“سيدة متجر الأزياء، والتجار، كلهم يدخلون ويخرجون وهم محمّلون بالبضائع. يقولون إن الإمبراطورية تَصرف بسخاءٍ لا يُصدَّق، آه حقًا.”
“يقولون إن الأميرة هي من أغوتهم. أليس هذا سبب طلاقها من الفيكونت أولان أصلًا، ذلك الـ…….”
في قاعة الحفل، كان النبلاء ينهَشون سمعة أورميا بحماسة.
وما أمتع النميمة عن الآخرين.
لكن، حتى لو لم تعجبكَ النميمة، فمن المفترض أن تشعر بالانزعاج إذا تعلق الأمر بفردٍ من عائلتك، إلا أن العائلة المالكة كانت استثناءً.
“الأخ كالاند، هل أنت بخير؟”
أمام نظرة ليترشيا القلقة، رسم كالاند ابتسامة قسرية. وعلى جانبه، كان أليان ونوير يتذمران قائلين إن الجو أصبح كئيبًا.
“كلّ الأخبار جيدة، فلماذا هذا الوجه؟”
“قلتُ لك إنكَ لين القلب أكثر من اللازم. أنت من سيقود هذا البلد لاحقًا، فكيف تكون بهذه الهشاشة؟ أرسلنا أورميا بدل ليترشيا، يجب أن تكون سعيدًا.”
“صحيح. على الأقل لن نضطر لرؤية ذلك الوجه الكئيب بعد الآن. أخيرًا، لقد طرد الحاكم دَنس غليسيا.”
أسدلت ليترشيا حاجبيها وضمّت يديها معًا.
“أنا… أتمنى فقط أن تقضي الأميرة اليوم وقتًا طيبًا مع العائلة. كانت دائمًا بعيدة، وهذا كان يؤلمني. لكنها ستغادر قريبًا.”
‘تتمنى أن تنسجم أورميا مع العائلة؟’
أراد كالاند أن ينكر ذلك.
أورميا حاولت الانسجام مع العائلة.
الذين دفعوها بعيدًا كانوا هم. تجاهلوها، تصرّفوا وكأنها غير موجودة، وألقوا كلمات قاسية بلا رحمة.
ضغط كالاند بِكفّه على صدره.
ذلك اليوم الذي سقطت فيه الثريا، ومشهد أورميا وهي تتقيأ الدم بعد تناول الدواء، كانا يزورانهِ كل ليلة في الكوابيس.
هو اكتفى بالمشاهدة.
لم يستطع أن يتحرك.
في الحلم، كان يقسم أنه سينقذها غدًا، لكن قدميه كانتا تلتصقان بالأرض، فيشاهد أورميا تسقط دون أن يستطيع الوصول إليها.
وأورميا في الحلم لم تلُمه.
كانت تتلقى الشظايا المتساقطة وتنزف وكأن السقوط أمر طبيعي.
ولم تطلب المساعدة.
نظرتها اللامبالية إليهم ظلت تطارده حتى بعد الاستيقاظ.
‘ذلك كان أكثر رعبًا.’
هل حقًا دفعوها إلى هذا الحد؟
“ليترشيا، أنتِ طيبة أكثر من اللازم.”
“الأميرة سترحل الآن. بدلًا مني.”
عند مديح أليان، انخفض رأس ليترشيا بحزن، للحظة، بدا كأنَّ طرف شفتيها ارتفع قليلًا.
كأنها سعيدة برحيل أورميا.
حين رمش كالاند، كانت ليترشيا لا تزال تحمل ذات الملامح الحزينة.
“إنه آخر حفل تحضره، أتمنى أن تغادر بذكرى طيبة. أخي، أرجوك اعتنِ بها اليوم.”
“بما أنه طلبكِ، فلا مفر.”
“إن كان طَلبكِ، فسأنفِّذُه.”
“من حسن حظنا أنكِ من عائلتنا، ليترشيا. لولاكِ لما ابتسمنا أصلًا. أنتِ زهرة غليسيا.”
“سعيدةٌ لسماع ذلك.”
كان الجو ودّيًا كالمعتاد، لكن كالاند شعر وكأنه يشاهد كل شيء من بعيد.
تطلَّع إلى المدخل.
أورميا لم تصل بعد.
منذ انهيارها، نُقلت إلى القصر الملحق حيث تقيم بعثة الإمبراطورية، ولم تخرج منه.
في البداية، منعت البعثة أي زيارة بحجة أن العائلة المالكة حاولت تسميمها لمنع إرسال أحدٍ من أفرادها.
تبيّن لاحقًا أن ما حدث كان أثرًا جانبيًا لدواء العقم، لكن ذلك لم يكن أفضل للعائلة المالكة، فمرت الأيام دون حسم.
قيل إن جيفري أولان زارها، لكنها لعنته وطردته.
ثم بدأ جيفري ينشر كلامًا غريبًا.
“ألم تكن الأميرة أورميا تحب لفت الانتباه حتى قبل زواجها بي؟ أعضاء بعثة الإمبراطورية لا يعرفون حقيقتها، لذا اقتربت منهم أولًا وانتزعت مكان الأميرة ليترشيا.”
“حين ذهبتُ إلى القصر المنفصل، كانت ملتصقة تمامًا بأحد أفراد البعثة……”
“أعتذر. يجب أن نحافظ على شرف الأميرة، فلا أستطيع المتابعة.”
كان قرار إرسال أورميا بدل ليترشيا قرار العائلة المالكة في غليسيا.
لكن جيفري روّج لفكرة أن أورميا أغوت بعثة الإمبراطورية لتُختَار بدلًا من ليترشيا.
في حفل عيد ميلاد الملكة، رأى كثير من النبلاء أحد أفراد البعثة وهو ينقذ أورميا.
ورأوا أيضًا كيف وبّختْ البعثة النبلاء وأفراد العائلة المالكة، ودافعت عنها علنًا.
لم يكد تهديد وفد الإمبراطورية ـ الذي جاء بزعم دعوة أفراد من العائلة المالكة ـ يمرّ دون أن يثير نظراتٍ مستاءة، حتى جاءت كلمات جيفري لتكون كمن يصبّ الزيت على النار.
ومن جديد، بدأت الشائعات المُسيئة عن أورميا تنتشر بين النبلاء.
“الأميرة أورميا تخلّت عن غليسيا. رغم أنها وُصمت بكونها إنكارًا للحاكم، إلاَّ أن جلالته احتواها بسعة صدر، فتمتّعت بمكانتها الملكية حتى الآن، فكيف تفعل هذا؟”
“لا عجب أنها عديمة الكفاءة. حتى الحاكم يعرف طبيعتها الشريرة.”
“يقولون إنها ظنّت أن الأميرة ليتريشيا سرقتْ مكانها. مع أنها معروفة بلطفها.”
“في الأصل، كانت الإمبراطورية تريد الأميرة ليتريشيا، لكنها انتزعت الأمر بسوءِ نية. آه، كيف لشخص مثلها أن يكون من العائلة المالكة.”
“يبدو أنها تظن أن حياتها ستتحسن إن تركت البلاد وذهبت إلى الإمبراطورية. همف. لأهل الإمبراطورية عيون وآذان، وسيدركون أيَّ نوعٍ من الأشخاص هي.”
عند سماعه أحاديث النبلاء من حوله، رسم دوق بيرسي ابتسامة عميقة.
“غبيّ ومضحك، أليس كذلك؟ لو فكّروا قليلًا لأدركوا أن هذا الكلام مُتناقض، لكن من السهل تحريضهم. الناس حقًا بسيطون.”
“هل من الصوابِ ترك الأمر هكذا؟ مهما يكن، هذا غير مقبول.”
قطّب دوق وينزر حاجبيه، لكنه لم يتدخل.
“على أي حال، الأميرة أورميا سترحل قريبًا. لا داعي لأن نتدخل. هي من نشرت الأمر بنفسها، فهل ستوضحهُ الآن؟ و ماذا لو تحدثنا عن أننا أعطيناها دواء العقم أصلًا، أمرٌ عديم فائدة.”
“دوق هايمان.”
قاطع دوق فالمان كلام دوق هايمان بوجه شاحب.
“رجاءً، لا تذكر أمر ذلك اليوم.”
“يا لك من ضعيف. ليست تلك أول مرة ترى فيها الدم.”
“مجرد تذكّره يجعل معدتي تنقبض.”
بينما كان يستمع إلى صوت دوق فالمان، نقر دوق بيرسي لسانه في داخله.
منذ ذلك اليوم، لم يكن لون وجه دوق فالمان جيدًا. ووفقًا لما قاله غانزا، فإن بقية الدوقات زادت معدلات شربهم و تدريباتهم أيضًا.
أمر سيزول مع مرور الوقت.
‘ما الذي يهم في أن تسقط الأميرة أورميا وهي تنزف؟’
ومع ذلك، شعر دوق بيرسي بمرارة في فمه.
كان لديه إحساس بأن شيئًا ما يسير على نحو خاطئ، لكنه لم يستطع تحديد ما هو. وربما لأن الأمر يتعلق بالأميرة أورميا، لم يستطع رؤيته بوضوح.
‘أميرة عاجزة مثل أورميا لا تستحق حتى الانتباه. مضيعةٌ للوقت.’
“الأميرة أورميا بيلتوا تدخل الآن.”
عند صوت المنادي، اتجهت أنظار الدوقات نحو الباب، وتوقف النبلاء عن حديثهم.
أولئك الذين لم يهتموا بدخول أورميا من قبل، وجدوا أنفسهم ينتظرون ظهورها.
“وفد الإمبراطورية يدخل.”
ومع النداء المتتالي، انفتح الباب.
“هاه.”
“ذاك…….”
“يا إلهي، الآن صار الأمر علنيًا تمامًا…… ماذا؟”
كانت ردود الفعل القادمة من جهة الباب مختلفة عن المعتاد، حتى لدى الدوقات.
استدار كالاند معهم، ثم حبس أنفاسه.
كان وفد الإمبراطورية يدخل وهم يحيطون بأورميا كأنهم يحمونها.
بين رجالٍ يرتدون أزياء رسمية سوداء مهيبة، وقفت أورميا بثوب حوريةِ بحرٍ بلون الماء، رقيقةٍ كأنها على وشكِ الانكسار.
تدرّج لون فستانها نحو الأسفل كالماء، وتلألأت عليه أحجار كريمة لا تُحصى، أما الزهرة البيضاء التي كان نبلاء غليسيا يمقتونها، فقد زيّنت شعر أورميا على نحو جميل.
في تلك الحفلة الباذخة، بدت أورميا الأكثر إشراقًا.
كثيرون لم ينطقوا بذلك، لكنهم فكّروا بالأمر ذاته.
‘هل كانت الأميرة أورميا جميلة إلى هذا الحد؟’
***
آخر حفلة في غليسيا.
بعد يومين فقط، سأغادر غليسيا أخيرًا.
عشت ثلاث حيوات، ومع ذلك لم أستطع مغادرة العاصمة حتى مرة واحدة.
كأن هذه الأرض كانت تمسك بساقيّ، فلم أجرؤ حتى على التفكير في الرحيل، وبقيت محاصرة، عاجزة عن الخروج.
وصلت همهمات النبلاء إلى ما وراء الباب.
كنت قد سمعتُ خدم القصر المُلحق يتهامسون، لذا توقعت ما سيقولونه.
“هل أنتِ متوترة؟”
“لا تنسي وعدكِ بأن ترقصي معنا بالتناوب.”
مجاملة لطيفة مليئة بالحرص.
نظرت إلى ماركس وبنجامين الواقفين إلى جانبي، ثم إلى ليام الذي كان يمسك يدي من الجهة الأخرى ليُرافقني.
“إن أزعجكِ الناس، انظري إليّ.”
كانت عينا ليام موجّهتين إليّ، كأنهما تنظران إلى أعماق روحي.
“سأجعل الآخرين لا يدخلون مجال رؤيتكِ.”
“واو، هذا الرجل يقول كلامًا كهذا؟ لو سمعت سيدات الإمبراطورية، لأغمي عليهن.”
“سيد ماركس، لن يصدقك أحد حتى لو قلت.”
تجاهل ليام كلامهما بخفة، وأرسل إشارة إلى المنادي.
“سندخل.”
أعلن المنادي ذلك في القاعة. فُتح الباب ببطء، وسكب الضوء الساطع نفسه عند قدميّ وبدأ يحيطني.
“الأميرة أورميا بيلتوا تدخل.”
خَفُتت همهمات الحشد المكتظ.
خَطوْت إلى الأمام وأنا أتلقى مرافقة ماركس وليام على جانبيّ.
“وفد الإمبراطورية يدخل.”
سقط صمتٌ خانق.
‘هذه ليست أوّل مرة.’
عندما دخلتُ المجتمع بعد أن وُصمتُ بغضب الحاكم،
وعندما انكشفتْ بركتِي في حفلة عن طريق الخطأ،
وعندما أُعلن عن تبنّي ليتريشيا،
وعندما أعلنت أنني سأتزوج جيفري،
وحتى عندما وقفت وسط الحشود الغاضبة بعد غزو الإمبراطورية.
تكرر ذلك مرات لا تُحصى.
نظرات حادة، باردة، بلا رحمة، كانت تترقب هذه المرة أي حماقة سأرتكبها.
‘رجاءً، لا تفعلي شيئًا.’
‘لا ترتكبي حماقة أخرى.’
كنت أظن أنني لا أبالي بتلك النظرات والصمت.
لكن—
‘أنفاسي…’
الذكريات التي عشت فيها القمع والاتهام وحدهما لم تختفِ بسهولة، وضاق صدري.
“موتي! لولاكِ لما حدث هذا!”
“بولادتكِ صارت حال البلاد هكذا!”
“لو لم تكن الأميرة موجودة، لكانت عائلة بيلتوا مثالية.”
تدفقت الكلمات التي سمعتها في الماضي من أدراج ذاكرتي.
أريد الهرب. خارت قواي قليلًا واهتزّت قدماي.
‘لا، لا يجوز أن أهرب. إن أظهرت ضعفي—’
كنت أعلم ذلك، لكن الذكريات المنقوشة في الجسد لا تزول بسهولة.
“انظري، أيتها الأميرة.”
في تلك اللحظة، غطّى ليام يدي الموضوعة على ذراعه. بدّد برودة أطراف أصابعي.
“الجميع ينظر إليكِ.”
أعلم. أعلم بأي تعابير، وبأي نظرات.
“لقد فُتنوا بجمالكِ.”
“اليوم، توقّف نفسي للحظة وأنا أنظر إلى سموّكِ.”
مزاح خفيف ممزوج بالضحك من ماركس وبنجامين.
شعرت بليام ينحني نحوي، فرفعت رأسي.
أخذ زهرة من فوق رأسي، قبّلها، ثم ثبّتها على سترته.
“سيتذكرون هذا اليوم طويلًا. ارفعي رأسكِ وامنحيهم صورة عن مدى جمالكِ.”
كان صوته ثابتًا، صادقًا. يا له من شخص أشبه بالسحر.
التعليقات لهذا الفصل " 31"