ذلك الفراغ الذي سكنهما لم يعد يترك موضعًا لشيء؛ امتلأ كلّه بالحيوية.
حضوره طغى على المكان. الدوقات وأفراد العائلة المالكة، جميعهم كانوا يرمقون ليام خلسة، أكثر مما يلتفتون إلى ماركس، رئيس الوفد.
رأيته في موتي الثالث؛ في ذاكرتي، لم يمضِ زمنٌ طويل، ومع ذلك كان اللقاء أشبه بالاجتماع بعد سنوات، فغمرني شعور بالبهجة.
ليام ويلبوير، بالنسبة إليّ، رسولُ موتٍ، لكنه في الوقت ذاته وجودٌ يحمل بشارة نهاية المعاناة.
حين التقت عيناه بعيني، صرف نظره فورًا إلى موضعٍ آخر.
إذ جاء إلى غليسيا متخفيًا، ولم يتوقع أن يكون هناك من يتعرف عليه.
وبينما كنت أتابعه بنظري، انشغل الدوقات بمواجهة ماركس فينوم، ممثل الإمبراطورية.
“هذه المرة جاءنا أمرٌ صريح من جلالة الإمبراطور بالعودة بجوابٍ حاسم.”
قالها ماركس فينوم بنبرةٍ لينة، وقد زاد شعره الأشقر اللامع حضوره جاذبية.
ضحك دوق هايمان، دوق الرياح والأقوى نفوذًا في غليسيا، ضحكةً خافتة.
“جواب؟ عن أيّ جوابٍ تتحدث؟”
“نودّ دعوة أحد أفراد أسرة بيلتوا المالكة، ممن يحملون البركة، إلى الإمبراطورية. ألم نرسل الطلب عامًا بعد عام؟ هذه رسالة الدعوة من جلالة الإمبراطور.”
قدّم ماركس رسالةً مختومة بختمٍ ذهبي من شمع الإغلاق، إلى الملك.
“من دون قوّة خاصة، لا جدوى من البركة، ألا يدرك حاكمكم ذلك؟”
“ما دام ذلك ما يريده جلالته، فأنا أقوم بواجبي فحسب.”
حتى إن كانت بلا نفع، فإرادة الإمبراطور تقضي بإحضار فردٍ من العائلة المالكة، مهما كلّف الأمر.
فتح دوق هايمان الختم في موضعه، تصفّح الرسالة سريعًا، ثم ناولها للملك.
كانت دعوات استضافة العائلة المالكة غليسيا تصل من دولٍ أخرى شكليا فقط، الجميع يعلم أن غليسيا لا ترسل ملوكها إلى الخارج.
لكن نبرة الإمبراطورية هذه المرة كانت مختلفة.
“نرغب باستضافة شخصٍ واحد على الأقل، لكن دائمًا ما تكون هناك أعذار: مواعيد، أمراض، انشغال. لذا أُمرنا هذه المرة بالتنسيق مسبقًا وجلبه إلى الإمبراطورية. إرادة جلالته حازمة. وقد تعهّد بإرسال فرسانٍ لمرافقة الضيف بأقصى درجات الاحترام، إحتياطا لأي مشكلة.”
بابتسامةٍ هادئة، ألقى ماركس فينوم إنذارَه الأخير.
تصلّبت أجواء النبلاء المراقبين. وانخفض صوت دوق وينزر.
“فرسان؟”
“من أجل رسول الحاكم لاغراس، مانح البركة. وهو من العائلة المالكة، أليس من الطبيعي إرسال فرسان لضمان سلامته واستقباله بما يليق؟”
“أتقصدون الضغط بالقوة؟”
“مستحيل.”
ابتسم ماركس فينوم ابتسامةً متحفظة.
“لكن جلالته شديد الإصرار، وقد وضعنا في موقفٍ صعب. جُمعت فرقةٌ كاملة في إقطاعية الدوقية الكبرى لويلبوير، وهدّد بألا يسمح لنا بدخول الإمبراطورية إن عدنا بلا نتيجة.”
“إقطاعية ويلبوير الكبرى…”
تردّد اسم الأسرة التي خانت الوطن وتخلّت عنه، فتعالت همسات النبلاء، وتصلّب وجه الملك بعد هدوئه.
“فهمنا نوايا الإمبراطورية جيدًا. ستنظر غليسيا بعناية في طلب جلالة الإمبراطور، فنرجو منكم الانتظار.”
“نأمل أن نحظى هذه المرة بردٍّ حسن.”
انحنى ماركس باحترام، ثم انسحب مع الوفد من أمام الملك.
“يا لوقاحتهم، أن يجرؤوا على الحديث عن اصطحاب سلالة مباركة من الحاكم.”
“دعونا ننتظر ونرَ.”
لم تختلف ردود أفعال النبلاء الذين كانوا يستمعون من حولهم عن موقف الدوقات.
في الحياة السابقة، تذرّع الملك والدوقات بالتشاور، فراحوا يماطلون. انتظر وفد الإمبراطورية بهدوء، ثم وصلتهم برقية عاجلة فعادوا أدراجهم.
لم أعرف إلا لاحقًا أن الخبر المفجع كان موت شقيق ليام ويلبوير.
وبسببه فقد دوق ويلبوير الأكبر، والد ليام صوابه، واضطر ليام أن يقتل أباه بيده بعدما جنّ.
ومنذ ذلك اليوم، وقف ليام ويلبوير في مقدمة جيش الإمبراطورية، وغزا غليسيا انتقامًا.
ذلك هو المستقبل الذي ينتظر هذه البلاد، والنتيجة التي ستؤول إليها سخرية الملك والدوقات والنبلاء.
“يا بيلتوا، ألا تعرفون ما الذي يصيب من يمتلك القدرة المميزة دون بركة، وأي عذابٍ يقاسونه؟ لهذا بالذات لا يمكنني أن أغفر لكم. لو أن واحدًا منكم فقط جاء إلى الإمبراطورية، لو وُجد بينكم شخصٌ واحد يحمل ذرة شفقة……”
“تذوّقوا أنتم أيضًا. موتوا وأنتم تتوسلون للبركة.”
هكذا أصدر ليام ويلبوير حكمه، ببرود.
لم يصرخ، ولم ينفجر غضبًا، ولم يسكب ألمه.
وأمام أعين الدوقات، قطع أعناق الملك وأفراد العائلة المالكة.
الدوقات، الذين لا يستطيعون العيش دون البركة العذبة للأسرة المالكة، انكمشوا ذعرًا أمام جثثهم، ولم يجرؤوا على استخدام قدراتهم.
ولهذا السبب لم يقتلني، بل زجّ بي في السجن.
كنتُ عديمة النفع، بلا قدرة، لكنني آخر سلالةٍ متبقية من بيت غليسيا الملكي. حتى إن كنتُ عاجزة، فمن يدري ما قد يرثه أطفالي.
طُعمًا لأملٍ واهن، تشبّث به الدوقات.
الدوقات الذين احتقروني أرسلوا أتباعهم، فكانوا كفراشٍ اندفع نحو اللهب.
ليام هو من حماني.
مع أنني، على أي حال، كنتُ كائنًا محكومًا عليه بالموت.
***
بعد انسحاب وفد الإمبراطورية، دخل الملك غرفة الاستقبال مصطحبًا الدوقات. أما أنا، فاتجهت بخطاي نحو المكان الذي غادر إليه الوفد.
ليام، وقد ابتعد عن بقية المبعوثين، خرج إلى الشرفة.
وحين هممتُ باللحاق به، قُبض على ذراعي.
“إلى أين تسرحين هكذا؟”
كان جيفري.
“عليكِ أن تسانديني، وتوفّري لي وقتًا أكون فيه إلى جانب جلالته.”
“سأمرّ على غرفة الزّينة، أريد تعديل فستاني.”
“هذا ليس الاتجاه الصحيح.”
“هناك ازدحام من الجهة الأخرى.”
عقد جبينه، لكنه تقبّل العذر.
ربما رأى أن التأخير قد يحرمه من دخول غرفة الاستقبال، فأفلت ذراعي.
“أسرعي.”
تماشيتُ مع كلامه، ورفعت طرف الفستان بخفة، مسرعة الخطى.
تجاوزتُ الوفد، ودخلتُ الممر المؤدي إلى غرفة الزينة، أتنقل مختبئة خلف خزائن الزينة.
وصلتُ إلى الشرفة التي دخلها ليام ويلبوير.
“آه.”
لم يكن هناك.
لم تكن الستائر مسدلة، فظننتُ أنه يقف في زاوية لا تُرى من الخارج، لكن الشرفة كانت خالية.
يجب أن ألتقيه بسرعة.
وما إن هممتُ بالمغادرة، حتى سدّ أحدهم الطريق.
شعرٌ أسود، عينان سوداوان لا تُدرك نهايتهما ، جسدٌ قوي، وقامة شاهقة تفوقني برأسٍ وأكثر. كان يحدّق بي بنظرة حادة.
مع أنني أعرف تمامًا من هو، شددت على يدي.
كوحشٍ مفترس يراقب فريسة دخلت عرينه، كان ليام حذرا، وإن بدا سلوكه هادئًا.
صورة توضيحية
“الفيكونتيسة أورميا أولان.”
كان يعرف من أكون.
“لماذا تتبعني سيدةٌ متزوجة، وأنا مبعوث الإمبراطورية؟ نظراتك كانت حادّة على نحوٍ لافت.”
على الملأ، أنا معروفة بالعجز. الوحيدة في العائلة الملكية التي لا تؤدي واجب البركة.
أنني كنتُ أهب الألم بدل البركة، لم يكن يعلمه إلا النبلاء. سرٌّ يتداولونه همسًا، لكنه معروف للجميع.
ويبدو أن ليام ويلبوير سمع تلك الشائعات؛ فكانت نظرته إليّ باردة. وحتى ذلك البرود كان باعثًا على السرور.
“سُررتُ بلقائك، ليام ويلبوير.”
اتسعت عيناه لوهلة.
بيت ويلبوير أسرة مهرطقة، العدو اللدود لغليسيا، يُعدّون شرًّا نبذه الحاكم لاغراس.
وكان ليام يستخدم اسمًا آخر ضمن الوفد، لذلك لم يكن أحد يعلم أن ويلبوير حاضر في مأدبة القصر.
ألقى نظرة سريعة إلى الخارج.
“لا أحد يعلم بقدومكَ إلى غليسيا سواي.”
“ويلبوير اسم الدوق الأكبر. ربما خمنتِ لتشابه الملامح، لكن احذري من اتهام الأبرياء. لو كنتِ تعرفين ما يعنيه هذا الاسم في غليسيا، لانتبهتِ لكلامك.”
“أنتَ هو، ليام ويلبوير. لدي ما أقوله.”
هو يراني للمرة الأولى، أما أنا فليس كذلك. في مواجهة يقيني، توقفَ عن الإنكار.
بدا أضخم مما كان حين كنتُ أنظر إليه من داخل الزنزانة.
“كيف لأميرةٍ لم تغادر غليسيا قط أن تعرفني؟”
“وأعرف أيضًا لماذا جئتَ إلى هنا. شقيقك في حالة حرجة، أليس كذلك؟”
ارتسمت ابتسامة ملتوية على شفتيه.
“هذا يعلمه الجميع. مملكة بيلتوا العظيمة تعرف، ومع ذلك تعبث بأرواح الناس.”
كان مخيفًا، باردًا، حاسمًا. مجرد حضوره يفرض هيبةً طاغية.
أما أنا، وقد ذقتُ الموت ثلاث مرات، فلم أعد أخشاه.
“تسعى لمقابلة العائلة المالكة وانتزاع تعاونهم، لكن لا أحد هنا سيَخون غليسيا. الملك والدوقات يعُدّون التهديد بإرسال فرسان مجرد استعراض. سيماطلونك حتى تنهك. وفي النهاية، لن تكون حاضرًا في اللحظة الأهم.”
“أيّ لحظة؟”
“لحظة وفاة شقيقك.”
ما إن خرجت الكلمات حتى توهّجت نارٌ حمراء حوله، ثم خمدت بسرعة.
قدرة خاطفة، لكنها حفرت أخدودًا عميقًا بين حاجبيه.
قبضت يدٌ خشنة كبيرة على عنقي.
“أورميا بيلتوا، الملعونة من الحاكم.”
صرّ على أسنانه.
“أنتِ أيضًا من بيلتوا. تجرئين على ذكر موت شقيقي؟ وأنتِ تعلمين كم قاسى أناس ويلبوير بسببكم.”
خفض صوته، كمن يحذر أن يُسمع في الخارج، ونبرة حقدٍ تلوّن كلماته.
“قتلُكِ ورميكِ من هنا سهل. سيُقال انتحار، ولن يحقق أحد. لا أحد يريدك.”
التعليقات لهذا الفصل " 3"