ابتلع الدوقات وأفراد العائلة المالكة الذين بقوا في قاعة المثول ريقهم بصمت. الدم الأحمر لوّن أرضية قاعة المثول المقدّسة.
إنه دم أورميا، وهي من الدم الملكي.
رغم أنّ كالاند أخذها ولم تعد موجودة في المكان، ظلّ مشهد أورميا وهي تتقيأ دمًا عالقًا كمقطعٍ تتكرر.
في لحظةٍ واحدة، تلطّخ صدر ثوبها بالدم. وجهها الخالي من أي لون بدا كوجه ميت.
الدوقات الذين قادوا ساحات القتال ولم يرحموا قتلةً مأجورين سعوا لأرواحهم، لم يكونوا غرباء عن رؤية الدم، ومع ذلك تسلّل إليهم قشعريرة مرعبة.
أما الأمراء الذين نشؤوا مترفين داخل القصر فكانت حالهم أسوأ. نوير تقيأ تقيؤًا جافًا، وأليان شحب وجهه حتى اصفرّ وترنّح.
“من الذي دسّ لها السم.…؟”
“لم يتأكد الأمر بعد.”
“كنا سنرسلها أصلًا، فمن الذي يفعل شيئًا كهذا!”
“…هل كان حقًا دواء عقم؟”
تبادلوا النظرات ولم يجرؤ أحد على الكلام بتهوّر.
“نظّفوا المكان.”
خرج الملك من قاعة المثول أولًا.
شعر وكأن دم أورميا الملقى على الأرض يزحف ويلتصق عند قدميه بلزوجة، فلم يستطع أن يخطو خطوة أخرى.
تذكّر عيني أورميا اللتين كانتا تنظران إليه بهدوء حتى في لحظة سقوطها. أغمض الملك عينيه بإحكام.
خفق قلبه بقلق.
“كان أمرًا ضروريًا. لم أُخطئ.”
لكن الإحساس بأنه أخطأ لم يفارقه.
شعر وكأنه ارتكب خطأً جسيمًا لا يمكن التراجع عنه، فالتصق شؤمٌ ثقيل بكتفيه.
خرج الدوقات أيضًا من قاعة المثول بوجوهٍ متصلّبة.
“فعلُ مَن هذا؟”
“هل يُعقل أن يكون أحدنا؟ وما الفائدة من ذلك؟”
“الأميرة ستغادر على أي حال. وقد شربت الدواء بنفسها. ولو لم تذهب الأميرة، لَطالبوا بالأميرة ليتريشيا. فلماذا يفعل أحد شيئًا كهذا؟”
“تصرف أحمق بلا داعٍ….”
وبينما كان يستمع إلى حديث الدوقات، تمتم دوق هايمان.
كان قد تلقّى التقرير. الأميرة تجرّأت وطلبت المرسوم الملكي، فتعكَّر مزاج الملك. قال لها أن تنتظر، لكنه أمر الدوقات بالحضور ظهر اليوم التالي.
أحيانًا كان يتصرّف بنزق، فظنّ الأمر عاديًا.
ودواء العقم كان يُستخدم بين النبلاء مع العشيقات، ولم تكن هناك مشكلة في سلامته.
ابتلع دوق هايمان المرارة التي صعدت إلى حلقه.
شعر بنذيرٍ سيئ قوي.
كان شعورًا دقيقًا، كأن ترسًا صغيرًا في آلةٍ ما بدأ ينحرف، لكنّه قلقٌ يوحي بأن حادثًا كبيرًا قد يقع يومًا ما.
مع ذلك، وبحسب تقدير دوق هايمان، لم يكن هناك ما يمكن أن يسوء.
بما في ذلك سقوط أورميا.
‘وماذا يمكن أن يفسد بسبب مجرد أميرة مثل أورميا؟’
“احذروا من انتشار الشائعات إلى القصر الملحق الذي يقيم فيه الإمبراطوريون، فقد يسبب ذلك إزعاجًا.”
قمع دوق هايمان إحساسه السيئ.
***
كان حلقي يحترق.
في كل مرة أتنفّس فيها، كان الهواء الحار يخدش حلقي وأنفي.
سبق أن قرأت روايةً يظهر فيها مشهد يكون فيه البطل فوق الحمم البركانية.
شعرت أن الأحاسيس التي وصفها الكاتب حينها لا بد أنها كانت مثل هذه تمامًا.
كان جسدي يحترق من الداخل.
هكذا كان الألم عندما شربتُ الدواء الذي أرسله الملك وأنا محبوسة في البرج في الحياة الثالثة.
كنتُ مرهقة، وكنت أتمنى لو كان سمًّا خالصًا. تقيأت دمًا، ولم يخرج مني حتى أنين من شدة الألم.
الخادمة التي كانت تُدخل لي الطعام ظنت أنني أتدلل لأن الطعام لا ينقص، فمرضتُ وحدي أسبوعًا كاملًا.
لم يكن للوقت أي معنى، ولم أعد أميّز بين الليل والنهار.
برودة الجدران الحجرية التي نفذت إلى العظم كانت الخلاص الوحيد.
“إنه أحد الأعشاب التي تدخل في دواء العقم. بعض الناس لا يناسبهم هذا الورق، فيعانون من هذه الأعراض الجانبية.”
“إلى هذه الدرجة؟ أليس سمًّا؟”
“أجرينا فحص السموم، لكنه ليس كذلك. إنها مجرد استجابة رفض.”
كنت أسمع أصوات الآخرين بشكلٍ مشوّش، ثم انقطع الوعي.
ارتفعت الحرارة، وبدأ ألمٌ لا أعرف مصدره ينهش جسدي. حتى في تلك الفوضى التي لم أستطع فيها فتح عيني، كنت أشعر بأنفاسي الحارّة.
عضضت على أضراسي من الألم الذي كان كأن أحدهم يخدش أحشائي بأظافره. حتى لو صرخت، فلن يأتي أحد.
ليتني متُّ هكذا.
ابتلعت أنيني عند تلك الفكرة.
لا يجب أن يأتي طبيب القصر ليعالجني.
كان وعيي مشوشًا، لكن الخوف هاجمني فجأة.
ماذا لو كنتُ ما زلت في الحياة الثالثة؟
ماذا لو كانت الحياة الرابعة، حيث تطلّقتُ كما أردت والتقيتُ بليام، مجرد هلوسة صنعها الألم؟
عندما خطر لي أن الحياة الثالثة قد لا تكون انتهت بعد، ارتجف جسدي. سئمت. كنت خائفة.
في تلك اللحظة، أمسك أحدهم بيدي بقوة.
يد كبيرة. حرارة جسد دافئة لكنها مريحة.
“أورميا.”
لم ينادني أحد بهذا القلق من قبل.
‘إنها الحياة الرابعة.’
عندها فقط شعرت بالاطمئنان.
وأنا أشعر بالدموع الساخنة تنهمر من عيني، سقطت في الظلام.
***
فتحت عيني على رائحة ثقيلة هادئة. كانت غرفة غريبة، لكنني لم أشعر بالقلق.
كان العطش يمزق حلقي. ربما ما زالت الحمى موجودة، فقد كانت شفتاي جافتين.
اقترب أحد الخدم.
“لقد استيقظتِ. هذا القصر الملحق داخل القلعة حيث يقيم وفد الإمبراطورية. هل أقدّم لكِ ماءً؟”
“نعم.”
انزلق الماء الفاتر بسلاسة وكان منعشًا.
“الزمي الفراش. سأحضر طبيب القصر.”
خرج الخادم بهدوء، فعمّ الصمت. كان القصر الرئيسي يُرى من النافذة.
أدرت رأسي نحو الشرفة.
حتى أصغر حركة كانت مرهقة. لم أستطع النهوض، إذ لم تكن في جسدي قوة.
دخل ضوء الغروب إلى الغرفة.
“اخرج. أعرف أنكَ هناك.”
رائحة ليام.
دفع الستارة المتمايلة وخرج ليام من الشرفة. حتى الخدم لم يعلموا بوجوده هناك.
“استيقظتِ بعد أربعة أيام.”
“نعم.”
في المرة السابقة مرضت أسبوعًا كاملًا وحدي. وجود من يعتني بي جعل استيقاظي أسرع.
“لم يكن في الدواء شيء آخر. قالوا إن جسدكِ لم يتحمّل أحد المكونات، فحدثت هذه الأعراض.”
“أعرف.”
في الحياة الثالثة، قال طبيب القصر الذي جاء متأخرًا إلى البرج الشيء نفسه.
أن أحد الأعشاب لم يناسبني.
صمت ليام قليلًا.
“هل توقعتِ أن يحدث هذا؟”
“لستُ عالمةً بكلِّ شيء.”
كنت فقط أؤمن بشيء واحد.
أن طبيعة البشر لا تتغير.
تذكّرت اختياراتهم خلال ثلاث حيوات، وفعلت ما يريدونه.
أرادوا أن أشرب دواء العقم، فشربته أمام أعينهم.
كان ليام يقف وظهره لنافذة الشرفة، فلم أستطع رؤية تعابير وجهه.
“إجبار الابنة على شرب دواء عقم… أمرٌ مريع.”
“لا يوجد تاريخ لذهاب أحد من العائلة الملكية إلى دولة أخرى. الملك يقدّس النسب، لذلك كانت الخيارات محدودة.”
“وأنتِ، مع علمك بذلك…”
صمتَ مرة أخرى. سمعتُ صوته وهو يأخذ نفسًا عميقًا.
“لم يكن هناك خيار آخر إن أردتُ الذهاب إلى الإمبراطورية.”
“ولهذا انتزعتِ حتى هذا.”
كان في يد ليام ورقٌ مجعّد، وعلى طرفه أثر داكن مائل إلى السواد.
المرسوم الملكي الذي انتزعته.
“كان المكان مليئًا بالدوقات والعائلة الملكية. قالوا إن المرسوم كان بطلبكِ، لكنهم جعلوكِ تشربين الدواء أمام الجميع. مع علمهم بما قد يحدث، شربتِه أمامهم.”
لم يكن سؤالًا ينتظر جوابًا، بل تأكيدًا.
“أردتِ أن تريهم ذلك عمدًا.”
اقترب ليام من السرير، وأسند ذراعه قرب رأسي ونظر إليّ.
عيناه الباردتان أمسكتا بي ومنعتاني من الحركة.
ومن فمه خرج صوت ناعم منخفض، كأنه يهمس بالحب، لا يشبه تعابير وجهه.
“هل أكسر ساقيكِ؟ أستطيع أن أجعلكِ لا تمشين أبدًا. إن كنتِ تحبين هذا القدر من الألم، سأساير ذوقكِ. قولي ما تريدين.”
“……أنا آسفة.”
“أنتِ لا تعنينها.”
“لن يحدث هذا مرة أخرى.”
“نعم، لن يحدث هذا، لكنكِ ستخططين لشيء آخر.”
كانت كلماته دقيقة، فلم أستطع نفيها.
ابتسم ليام بخفة، كأنه قرأ أفكاري.
“الأميرة أورميا.”
غمرني ظلّه، لكنني لم أخف من ليام.
رأيتُ غليسيا تُغزَى، ورأيتُ الملك والملكة ينزفان ويموتان تحت سيفه، ومع ذلك لم يكن ليام ملاك موتٍ بالنسبة لي.
“احتججتُ قائلًا إن ما حدث محاولة تسميم لمنع إرسال الأميرة إلى الإمبراطورية. فرسان الإمبراطورية قادمون لحمايتكِ. وحتى مغادرتكِ غليسيا، ستكونين تحت حماية الإمبراطورية.”
ثم همس برقّة.
“لذا احفظي جسدكِ. سأخرجكِ من غليسيا. إن أنقذتِ أخي، فسأحقق لكِ أي أمنية. فاعتني بنفسكِ.”
“أمنية……”
“نعم، سأحققها. مهما كانت. أي شيء تريدينه.”
في الحياة الأولى هربتُ إلى الشوارع، فطاردني الناس ورجموني بالحجارة. في الثانية لم أستطع الخروج من القفص. في الثالثة حُبست في البرج.
ومع ذلك قال الناس، والنبلاء، والخادمة التي كانت تحضر الطعام.
“وُلدتِ أميرة وعشتِ برفاهية حتى الآن.”
“يعتنون بكِ إلى هذا الحد، فما الذي يزعجكِ؟ هناك من يعاني أكثر منكِ بكثير. كثيرون لا يملكون حتى ثمن وجبتهم القادمة، فاصبري قليلًا. أنتِ مدللة.”
“أغار من الأميرة. على الأقل تأكلين جيدًا. لو كان هناك من يجهز لي الطعام في كل وجبة، لما تمنيت شيئًا.”
كان ألمي حقيقيًا، ومعاناتي ليست وهمًا، لكنهم برروها بمقارنة أنفسهم بي ليحافظوا على ضمائرهم.
لأنني عشت برفاهية، لأنني لم أذق الحرمان، قالوا إن هناك من هم أكثر بؤسًا، فوبخوني وقللوا من ألمي وسمّوه دلالًا.
‘لم أخطئ.’
انهمرت دموعي الساخنة.
لم تكن لديّ حتى القوة لأرفع يديّ وأغطي وجهي، فبكيت أمام ليام.
عشتُ ثلاث حيوات، وسألتُ الإله.
‘إن كنتُ سأموت على أي حال، فلماذا تعيدني إلى هذا الألم؟’
تعلّقتُ بأملٍ خافت: هل ستكون هذه المرة مختلفة؟ هل أستطيع الهرب؟
لكن الألم استمر.
تمنيتُ لو يمنحني الموت راحة، لو لا أستيقظ مرة أخرى.
ومع ذلك فتحتُ عينيّ في الحياة الرابعة.
عانيت، ومع ذلك كنتُ سعيدة.
الكعك الحلو كان لذيذًا، وأحيانًا كنت أضحك لأسباب سخيفة. أشياء عادية فاتتني: طقس جميل، نسيم بارد.
لا أطمح الآن إلى السعادة.
أتمنى فقط أن أعيش هكذا، ثم لا أفتح عينيّ مرة أخرى.
“أنا……”
أمسكتُ بقميص ليام بيدٍ ضعيفة. فانحنى نحوي.
على الأقل، أريد أن أختار المكان الذي يُدفن فيه جسدي.
لا أريد أن أترك ذرة من روحي أو جسدي في هذا البلد.
“أريد أن أغادر غليسيا.”
غليسيا التي يقولون إنّ الحاكم يحبها كثيرًا.
أريد أن أدوس كبرياء شعب البلاد الذين يدّعون أن الحاكم يحبها، كما داسوني.
التعليقات لهذا الفصل " 28"