هي امرأة ستقول، ما باليدِ من حيلة، حتى لو كانت على شفى حفرةٍ من الموت.
فهم ليام قليلًا أيّ نوع من الأشخاص كانت أورميا. هذه المرأة ستفعل ما يحلو لها مهما قيل لها.
“آه، يبدو أنّني مهما حذترتُ الأميرة، فلن تُصغي.”
استقام ليام من انحنائه وهو يتأمّلها.
جرح في ذراعها، دم يسيل، وضمادة ملفوفة حول رأسها.
لم يكن لدى أورميا أيّ إرادة للاعتناء بنفسها. كانت من النوع الذي يتحمّل قدرًا من التضحية، لذلك لم تصلها كلمات ليام.
“حسنًا. سأفعل ما يحلو لي أنا كذلِك.”
اتكأ ليام بتراخٍ على مسند المقعد. لم يكن إعلانًا عن السماح بتصرّفها، بل إعلان حربٍ صغيرة: أنه سيتصرّف كما يشاء هو أيضًا.
“أم… أنتما الاثنان.”
كان ماركس وبنجامين موجودَين في الغرفة خشية القيل والقال بين النبلاء.
تنفّس بنجامين بعمق.
“بعد أن تأكّدنا أنكما تتصرّفان باندفاع، فلننهِ النقاش هنا ونبحث أولًا كيف سنعالج هذا الموقف.”
“آه، بنجامين. ما أقلّ إحساسك. كانت المتعة في أوجِها، لماذا تقاطعها؟”
وبينما كان ماركس يشاهد بهدوء ويرتشف النبيذ، وبّخ بنجامين.
“لا نعرف متى يقتحم أفراد العائلة الملكية المكان.”
“آه، صحيح.”
“ليس ‘آه، صحيح’! الإمبراطورية دعت الأميرة ليتريشيا، فإذا تقرّبنا من الأميرة أورميا بهذا الشكل، فماذا سيظنّ الناس؟ إظهار هذا المشهد أمام الجميع سيجعل التفاوض صعبًا.”
“حتى هذا النوع من الأزمات ينبغي احتواؤه ليكون المرء مستشارًا حقيقيًا.”
“عندما أعود إلى الإمبراطورية سأقدّم استقالتي.”
“ألم تحقق نجاحًا لا بأس به في الاستثمارات بفضل المعلومات القيّمة التي تسمعها وأنت تعمل بجانبي، إلى جانب راتبك؟ ستتخلّى عن ذلك؟”
“فلنضع طريقة للحلّ بسرعة.”
كفّ بنجامين عن ذكر الاستقالة، ونظر إلى ليام، المتسبّب بما حدث.
“أنا آسفة.”
“ولِمَ تعتذر سموّ الأميرة؟ ها، الخطأ خطأ هال، أليس كذلك؟ تفضّل يا هال، تكلّم. كان يكفي إنقاذها بهدوء، لماذا أثرتَ تلك الاستفزازات؟”
وحين نادى بنجامين ليام وهو يراعي وجود أورميا، تعثّر لفظه قليلًا فخرج الاسم كـ’هال’.
فتح ماركس فمه بوجهٍ يكاد يُغشى عليه من الضحك.
“بالمناسبة، أليس هناك أسلوبًا مستخدم منذ الكلاسيكيات القديمة؟ طريقة لا تحتاج شرحًا، ويقتنع بها الجميع بسهولة.”
“نعم؟ وهل توجد طريقة كهذه؟”
لكن وصول زائر قطع الحديث.
“جئتُ لاصطحاب سموّ الأميرة.”
دخل دوق بيرسي. وبعد أن جال بنظره على من في الغرفة، توقّف عند أورميا.
“هل أُصبتِ كثيرًا؟ إنّ جلالته قلق على سموّك.”
بعد أن استسلمت أورميا من حدّة تحديق ليام بها، نهضت بهدوء كأنها امرأة مطيعة.
راقبها ليام وهو يرفع زاوية فمه قليلًا. لا شيء في هذا المشهد يعجبه.
ولا حتى دوق بيرسي الذي التقت عيناه بعينيه.
“لكنّك تلفّظتَ بكلام فظّ في القاعة. أليست الأميرة ليتريشيا هي من دعتها الإمبراطورية؟”
“لم نقل إننا غيّرنا الشخص الملكي المدعو.”
أجاب ماركس بصوتٍ ممزوج بالضحك.
“ظننتُ الأمر متعمّدًا لأنكم تصرّفتم هكذا أمام الآخرين. نحن نراجع هذه الدعوة بعناية مع المسؤولين، وإحداث فوضى بهذا الشكل يضعنا في موقف صعب.”
اتّجهت نظرة بنجامين نحو ليام، وكأنّه يقول: ‘أرأيت؟ ألم أقل إنهم سيتّخذون الأمر ذريعة’.
“نحن أيضًا وقعنا في حرج.”
ابتسم ماركس ابتسامة ماكرة، ثم أجاب باتجاهٍ لم يخطر على بال أحد.
“يبدو أنّ هارلاند هنا وقع في حبّ سموّ الأميرة من النظرة الأولى.”
حدّق دوق بيرسي، وكلّ من في الغرفة، في ماركس بذهول. وكذلك أورميا.
“لقد بدا له المشهد مؤلمًا للغاية فوقع في حبّها. شابٌ في فوران شبابه، ورأى أميرة يحبّها تتعرّض لمثل هذا، فمن الطبيعي أن يغضب. تفهّموا الأمر. ما دام السبب هو الحب، فلا حيلة لنا.”
“ماركس.”
نظر إليه ليام مذهولًا، لكن فم ماركس واصل الثرثرة.
“الإمبراطورية تحترم المشاعر الفردية. هذا الرجل الجامد تعلّم معنى الحب بعد قدومه إلى غليسيا، ونحن نعتزم دعمه.”
“آه… هكذا إذن. سأعتبر الأمر كذلك. سموّ الأميرة، تفضّلي.”
ارتجفت وجنة دوق بيرسي وهو يستدير. كان ذكيًا بما يكفي ليدرك أنها مسرحية. وفي نظرته تحدٍّ صامت ‘جرّبوا إن استطعتم’. عندها اقترب ليام من أورميا.
اتّسعت عينا أورميا، التي كانت تخفي ارتباكها وتستمع بهدوء.
رفع ليام إحدى ركبتيه، وفكّ رباط عنقه، ثم ربطه بخفّة حول معصم أورميا. كانت شظيّة قد خدشتها، لكنها صغيرة، بلا دم، ولم تترك سوى أثرٍ أحمر.
“سآتي لاستعادته غدًا.”
“لا تضغط على سموّ الأميرة.”
أبدى دوق بيرسي امتعاضه، لكن أورميا، المعنيّة بالأمر، وافقت.
“نعم، حسنًا. غدًا.”
“سموّ الأميرة.”
رفع ليام نظره إليها وقبّل ظهر يدها.
“سأنتظر الغد بفرح.”
***
بعد أن غادر دوق بيرسي مصطحبًا أورميا، عادوا هم أيضًا إلى القصر المنفصل. ما إن وصل ماركس حتى فتح زجاجة نبيذ.
“كما توقعت، ليام! الحب. مصدر الشجاعة العظيمة، وأعظم تعويذة تجعل كل تصرّف أحمق مفهومًا.”
“هل جننت؟ أنا؟ واقع في الحب؟ الحُبّ؟”
“أنجزت الأمر على أكمل وجه، فلماذا تنكر؟”
“سنضطر إلى تصويره كتصرّفٍ أحمق اندفاعي لرجلٍ وقع في الحب، منفصل تمامًا عن دعوة الإمبراطورية. الإمبراطورية بلا ذنب، وكل الخطأ يُلقى على رجل أعمته مشاعره. سبب سخيف، لكنه فعّال.”
“وهكذا، حتى لو التقى الاثنان، لن يبدو الأمر غريبًا. وأكثر من ذلك—”
“هل هناك تأثير أكثر من هذا؟”
“ممتع. الأمر ممتع جدًا بالنسبة لي.”
تجاهل بنجامين ماركس وهو يهتزّ كتفيه ضاحكًا.
“بما أن سموّ الأميرة وافقت أيضًا، فلتلتقِ بها الآن علنًا. لقاء الاثنين سيُبرز أكثر التأثير الذي تريده الأميرة. سيُشدَّد على أنك تأثّرت بوضعها البائس، وستُتداول حادثة قاعة الحفل بوصفك وقعت في حبها من النظرة الأولى. الناس يحبّون قصص الحب العابرة للحدود.”
جلس ليام على الأريكة، وفكّر قليلًا ثم تمتم.
“إذًا، يجب أن يكون الأمر صاخبًا.”
“بالضبط. اضغط على ملك غليسيا. ذكّره بما حدث اليوم كي لا ينساه. قد لا يملك نزاهة أو ضميرًا، لكنه يعرف معنى العار. اسحق ذلك الأنف المتعجرف الذي يدّعي أنه نائب الحاكم بلا رحمة.”
“لا أحد يبرع في خدش مشاعر الناس مثلك يا ماركس.”
رمق ليام ماركس بطرف عينه ورفع زاوية فمه. كانت ابتسامة ماكرة شريرة إلى حدّ جعل بنجامين يقشعرّ بدنه.
“بشكلٍ صاخب قدر الإمكان.”
“افعل ما يجب فعلُه.”
لم يفهم بنجامين تمامًا ما يقصدانه، لكن شعورًا بالقلق اجتاحه فجأة، فراح ينظر إليهما بالتناوب.
“ماذا تنويان أن تفعلا؟ أخبراني أنا أيضًا. ولا تتسبّبا بمصيبة أخرى، حسنًا؟”
***
أكثر من يكره بيلتوا هم ويلبوير.
لقد طُردوا ظلمًا وحُكم عليهم بعذابٍ لا ينتهي. والأكثر قسوة من ذلك أن بيلتوا، القادرة على إنهاء ذلك الألم، تخلّت عنهم.
كمن يموت عطشًا والماء أمام عينيه.
منذ ما قبل ولادتهم، تسلّل الغضب والكراهية تجاه بيلتوا في دمائهم، وقبل أن يبلغوا سنّ الإدراك كانوا يسمعون الشكاوى والضغائن الموجّهة إليها.
ومع الألم الذي يتسرّب إلى العظام، نمَت كراهية آل ويلبوير لبيلتوا.
لكن أورميا بيلتوا كانت مختلفة تمامًا.
إن كانوا هم كحطبٍ مكدّسٍ عاليًا يشتعل بلهيبٍ متّقد، فإن أورميا كانت رمادًا متبقّيًا بعد احتراقٍ يفوق ذلك بعشرة أضعاف، بل بمئة.
رمادًا إن حرّكته، اشتعل الجمر في أعماقه بلا انقطاع.
كانت تعلم خطر سقوط الثريّا، وتعلم أن الجميع سيقلقون على ليتريشيا. ومع علمها، لم تتجنّب الخطر، بل راقبت الموقف.
كانت مستعدّة لأن تحرق نفسها لتحقيق هدفها.
“سأساعدكِ بكل سرور. لكن، بطريقتي.”
مجرد التفكير في تغيّر ذلك الوجه اللامبالي حتى أمام خطر الموت، جعل زاوية فمه ترتفع من تلقاء نفسها.
“ها هي قادمة.”
تنحّى النبلاء جانبًا حين نزلت أورميا السلالم. بدا المشهد وكأنهم يفتحون لها الطريق احترامًا.
كان قد تعمّد أن يطلب منها اللقاء في الحديقة المركزية والانطلاق منها.
وكما طلب، لُفّت ضمادة حتى على ذلك الجرح الصغير الذي لم يكن سوى خدش، فبدت كمن عاد للتو من ساحة معركة.
“آه، يبدو أنها أُصيبت كثيرًا في الحفل.”
“إلى هذا الحد، ولم يهتمّ أحد بالأميرة؟ حتى جلالته؟”
“إنها الأميرة أورميا، أليس كذلك.”
“مهما يكن…..”
متجاهلًا همسات النبلاء، تقدّم ليام بخطوات واسعة نحو أورميا ومدّ يده.
“سأكون مرافقكِ اليوم.”
تاركةً النبلاء خلفها، خرجت العربة ببطء من القصر الملكي.
كانت أورميا تنظر بصمت إلى الخارج، وما إن تجاوزت العربة البوابة الرئيسية حتى تكلّمت.
“الطريقة التي اقترحها ماركس كانت مناسبة. إذا أصبحنا حديث الناس، فستُذكر حادثة الحفل أيضًا. لكن…..”
“لكن؟”
ضاق ما بين حاجبي ليام، متوقّعًا أن تقول ما يثير أعصابه مجددًا.
“ألن يكون ذلك مزعجًا لك؟ سيظنّ الناس أنكَ تحبّني.”
توقّف لسانه لحظة، ثم أجاب.
“على أي حال، الأمر حدث. وإذا أخذتُ الأميرة إلى الإمبراطورية، فستخرج الأقاويل مهما كان.”
اقتنعَت أورميا بذلك، لكنها حرّكت شفتيها الصغيرتين.
“أنا آسفة.”
أزعجته تلك الاعتذار. لماذا تعتذر الضحية؟
ضحك ليام بسخرية من شدّة الغيظ.
كيف يمكن لشخص أن يكون بهذا الطبع؟
وبينما كان يراقب أورميا، وصلت العربة إلى شارع متاجر النبلاء. توقّف الناس في الشارع عند ظهور العربة الملكية.
وعندما نزل ليام مرافقًا أورميا، تعرّف بعضهم عليها من لون شعرها.
كان قد أشاع مسبقًا أنها تلقّت صدمة كبيرة بسبب ما حدث بعد الحفل، وأنه كان صادقًا معها إلى حدّ بعيد.
“سموّ الأميرة، تفضّلي بالدخول. سأهديكِ أفضل القطع التي تليق بمقامك.”
التعليقات لهذا الفصل " 23"