وباتباع نظرات ليام، رفع الجميع رؤوسهم دفعةً واحدة نحو الثريّا. وما إن رأوا الثريّا المتأرجحة وهي تُصدر صريرًا حادًا حتى أدركوا الموقف.
تحوّلت القاعة إلى فوضى عارمة.
“آآآه!”
“الثريّا تسقط!”
“اهربوا!”
“آآآه!”
فرّ الناس على عجل.
كانت الثريّا معلّقة بالكاد، تتأرجح كالبندول، ثم انقطع الحَلْق أخيرًا وسقطت.
دويٌّ هائل دوّى مع ارتطامها، وتطايرت الشظايا والغبار في كل اتجاه. عانق الناس أجساد بعضهم وانكمشوا على الأرض وهم يصرخون.
“ليتريشيا!”
“الأميرة ليتريشيا؟”
“سموّ الأميرة ليتريشيا!”
وهم ينادون الأميرة ليتريشيا، اندفع الناس جميعًا نحو مكان واحد. تحت الموضع الذي سقطت فيه الثريّا، كانت ليتريشيا قد دخلت القاعة برفقة الأمير أليان.
ضمّها الابن الأكبر، كالاند، إلى صدره وراح يتفحّص حالتها. بدت ليتريشيا مذهولة، تحدّق شاردةً في الثريّا المتحطّمة إلى شظايا.
“يا إلهي، ليتريشيا!”
أسرع الملك والملكة، وقاد دوق وينزر الدوقات في توجيه الموقف على عجل.
“أحضروا الطبيب الملكي بسرعة!”
“ليتريشيا، هل أُصبتِ في أي مكان؟”
كان نوير، الابن الثالث، يتفحّص ليتريشيا وهو يرمق أليان بنظرة حادّة.
“كنتَ بجانبها، ماذا كنت تفعل؟”
“أ—أنا تفاجأت، لكن أخي أنقذها بسرعة! ليتريشيا!”
متجاهلًا الضجيج، أنزل ليام نظره إلى أورميا.
قبل أن تسقط الثريّا، كان قد احتضنها وابتعد بها. غير أنّ الشظايا التي تطايرت أصابت جبين أورميا وذراعها، فأُصيبت بجروح.
سال الدم من جبينها على خدّها، كأنّه دموع من دم.
‘اللعنة.’
قبض ليام على كتفي أورميا.
كانت تنظر بوجهٍ خالٍ من المشاعر إلى ليتريشيا والناس المتجمّعين حولها.
هؤلاء هم الأشخاص الذين مرّوا بجانب أورميا. كانوا على مسافة غير بعيدة، ومع ذلك لم يحتضن كالاند سوى ليتريشيا وابتعد بها.
الناس الذين تجمّعوا، سواء كانوا نبلاء أو حتى من العائلة المالكة، لم يقلقوا إلا على ليتريشيا وحدها. كانت هناك نظرات عابرة تمرّ على أورميا، لكنها لم تتجاوز ذلك.
مفارقة صارخة.
في جهةٍ، من جهة، هناك من لم تتأذى، ومع ذلك يضجّ الناس بالقلق عليها، وفي الجهة الأخرى تسيل الدماء، ولا أحد يسأل إن كانت بخير.
ولا شخص واحد.
“أنا بخير.”
دفعت الذراع التي كانت تمسك بكتفها لتساندها.
“ابتعد عني. قد يُسيء الملك الفهم.”
حين سمع ليام صوتها الخافت الموجَّه إليه وحده، أدرك الحقيقة.
هذا هو الوضع الذي كانت أورميا تنتظره.
قرأ ليام بوضوح الاتجاه الذي أرادت أورميا أن تسير إليه الأمور.
أورميا بيلتوا ستنتظر إلى أن يلاحظها أولئك. إلى أن يدرك الناس عبثية هذا المشهد، ويعرفوا عار الملك.
كانت تنوي الانتظار فحسب. وحدها.
لا يعرف كيف علمت بسقوط الثريّا، لكنها هذه المرة أيضًا واجهت الأمر وحدها.
حين يسقط طفل، لا يبكي إلّا إذا كان هناك من يواسيه. لكنها، على ما يبدو، لم يكن لديها أحد كهذا؛ فحتى وهي تنزف، لم تقل إنها تتألّم.
في تلك اللحظة، أسرع ماركس وبنجامين من وفد المبعوثين إليهم. نظر ماركس إلى أورميا الجالسة مترنّحة بين ذراعي ليام، ثم ألقى نظرة حوله.
“الأميرة مصابة. أسرعوا بإحضار الطبيب الملكي.”
أمسك ليام بذراع ماركس، فصمت ماركس بعدما شعر بالجوّ غير المعتاد.
“حسنًا.”
اشتعل حلق ليام بحرارة خانقة. رفعت أورميا رأسها من بين ذراعيه ونظرت إليه.
الفراغ المرتسم في عينيها مسّه بعمق.
“سأفعل ما تريدين.”
***
عندما انحنى ليام برأسه، خيّم ظلّ على وجهه. كانت عيناه المغمورتان بالظلام تلمعان بسواد، كبحر الليل الذي رأيته في الصور على صفحاتِ الكتب.
‘سأفعل ما تريدين’… ما الذي يعنيه ذلك؟
خفق قلبي خوفًا من أن يختلّ المخطط.
يجب أن يشهد الملك وضعي. هذا المشهد الذي، رغم أنني أنا المصابة وفي خطر أكبر، لا يقلق فيه أحدٌ سوى على ليتريشيا.
في حياتي الأولى، خلال حفل عيد ميلاد الملكة، سقطت الثريّا أيضًا. لم أكن أرقص، لكنني كنت أعبر القاعة مصادفة. وحدث حينها المشهد نفسه تمامًا كما الآن.
أُصبتُ بجروح تركت ندوبًا في ذراعي. كان الدم يسيل على ذراعي، واللحم يمزّقني بالألم. لكنني لم أستطع الحركة.
الملك الذي مرّ بي وأنا جالسة على الأرض، والملكة، وإخوتي، وحتى زوجي جيفري، جميعهم لم ينظروا سوى إلى حالة ليتريشيا وقلقوا عليها وحدها.
كانوا أكثر قلقًا على شحوب وجه ليتريشيا من الدم الذي يسيل مني، وأصدروا أوامر عاجلة بالعناية بها. وعندما خرجت ليتريشيا من القاعة محاطة بالناس، عندها فقط رآني الملك.
أول شعور خطر على بال الملك حين رأى حالتي لم يكن القلق، بل الارتباك. كان خزيًا، وانزعاجًا.
لم يكن خجلًا لأنه لم يقلق عليّ، بل لأنه انكشف، أمام أعين الجميع، وهو يفضّل طفلًا واحدًا من بين أبنائه.
مع أنه تجاهلني وتركَني، إلا أنه في تلك اللحظة شعر بالعار.
الآن، يجب أن يشعر الملك بهذا العار. يجب أن يرا الناس وجهه الحقيقي.
تسارع نبضي.
“أنا بخير الآن، ابتعد.”
وقبل أن أنهي كلامي، أحاطت ذراعه القوية بظهري وغطّى عينيّ.
“أغمضي عينيك.”
“ماذا؟”
“ولا تنطقي بكلمة.”
تلاشت أصوات الناس القلقين وهم ينادون الأميرة ليتريشيا، وتعالى صوت دقات قلبي.
“الأميرة! الأميرة أورميا!”
ناداني ليام على عجل. صرخ بيأس، كما لو كان شخصًا قلقًا عليّ حقًا. صوته هزّ جسدي وقرع قلبي.
كان ذلك إحساسًا غريبًا.
“الأميرة أورميا!”
هل سبق أن نادى أحد اسمي بهذا القدر من اليأس، ولو تمثيلًا؟
أظهر مشاعره كما لو كان قلقًا عليّ بصدق.
“الأميرة أورميا سقطت! أحضروا الطبيب الملكي فورًا! انقلوا الأميرة إلى مكان آمن!”
أدخل ذراعه خلف ركبتيّ وحملني بين ذراعيه. تفاجأت، لكن حيرتي كانت أكبر لأنني لم أفهم ما الذي ينوي فعله.
“يا إلهي، الأميرة أورميا…!”
“الدم! الأميرة أورميا مصابة!”
“هارلاند! ماذا تفعل؟ ضع الأميرة أورميا أرضًا!”
نادرًا ما يفقد كالاند رباطة جأشه، لكنه بدا مرتبكًا هذه المرة. أخذ النبلاء يتهامسون وهم ينظرون إليّ، لا إلى ليتريشيا.
“تتركون أميرة مصابة في هذا المكان المليء بالغبار؟ أهذا ما تقوله العائلة؟”
اختلطت الأصوات، وداهمني دوار. لم أعد أفهم ما الذي يحدث.
“الأميرة أورميا مصابة، ومع ذلك لم يلتفت أحد ولم يقلق عليها! لم تنظروا إلا إلى الأميرة ليتريشيا السليمة! أهذه عائلة؟!”
رفع ليام صوته عاليًا حتى اهتزّ صدره.
ووصل صدى ذلك الاهتزاز إليّ وأنا بين ذراعيه. شعرت بحرارة تتجمّع خلف عينيّ، فاضطررت لأن أطبق على أسناني.
“يرجى من العائلة الملكية لبيلتوا أن تعتني بالأميرة ليتريشيا التي ليست حتى من النسل الشرعي. أما الأميرة أورميا، فسنتكفّل نحن بحمايتها.”
سار ليام بخطوات واسعة وهو يسخر. لم أكن أرى ما يحدث بسبب تغطية عينيّ، لكنني شعرت به يتجاوز النبلاء ويخرج من القاعة.
ابتعدت أصوات النبلاء.
لم أستطع التحدّث مثل ليام.
لم أصرخ بظلم، ولم أواجه بجرأة لتحسين وضعي.
كانت هذه حياتي الرابعة، ومع ذلك لم أتحرر من حياتي الأولى. كما في ذلك الوقت، واجهت الأمر بعجز.
كنت أظن أن أقصى ما أستطيع فعله هو الصمود وحدي في تلك القاعة. لكن ليام كان…
***
نظر ليام إلى أورميا بين ذراعيه. شعر بحرارة تسري في صدره، وحين أبعد يده التي كانت تغطي عينيها، ظهر وجهها الصافي. لم تكن تبكي.
“لقد تعقّدتْ الأمور تمامًا.”
ضحك ماركس، الذي كان يتبعه، ضحكة مكتومة وهو يهزّ كتفيه، ثم ما لبث أن بردت نظراته.
“لكنكَ أحسنتَ. فمن يميّزون بين الناس مثيرون للاشمئزاز.”
قال ماركس بحدّة، وكأن تصرّفات الناس لم ترق له أيضًا.
“شيء يبعث على الغيظ. كيف لا يتظاهرون حتى بالقلق؟”
“لابد أنهم اعتادوا ذلك. اعتبروه أمرًا طبيعيًا. لكن ماذا سنفعل الآن؟ سيتساءلون لماذا يحمي الإمبراطوريون الأميرة.”
“كفى.”
أشار ليام بعينيه إلى أن أورميا تسمع كل شيء وهي بين ذراعيه.
طرقت أورميا صدره طرقًا خفيفًا.
كانت القوة كضربة كفّ قطنية لقطّة، فأفلتت منه ضحكة قصيرة. حتى وزنها كان خفيفًا.
“أنزلني. أستطيع المشي.”
“ابقي هادئة. لديّ ما أقوله للأميرة.”
“واو، هل وصلتما إلى هذه المرحلة بالفعل؟ كنت أتسائل لماذا تحمي الأميرة بحماسة شديدة.”
“اصمت، ماركس.”
“واو.”
تراجع ماركس خطوة إلى الخلف بدهشة.
“الأمر خطير، يا صاحبة السمو. ليام غاضب فعلًا. عليكِ أن تستعدّي.”
شعر ليام بزفرة أورميا الخافتة، فتابع السير بخطوات واسعة.
“هل أنا الوحيد القلق من هذا الوضع الآن؟ نعم؟ الشخص الذي تسبّب بكل هذا لا يبدو أنه يفكّر في شيء. فكّروا كيف سنعالج الأمر!”
لم يلقَ تذمّر بنجامين آذانً مُصغيَة.
دخلوا إلى غرفة استراحة قريبة واستدعوا الطبيب الملكي. ظلّت الغرفة صامتة إلى أن انتهى الطبيب من معالجة الجروح وغادر.
لمست أورميا الضمادة الملفوفة حول رأسها بوجه هادئ كعادتها.
كانت متّزنة على نحو لا يوحي بأنها شخص تعرّض لتهديد على حياته.
“كنتِ تعرفين.”
قال ليام ذلك بيقين.
طوال الحفل كان يراقب أورميا. كانت تنظر إلى السقف باستمرار.
“هل أنتـ من دبّر سقوط الثريّا؟”
سرعان ما نفى كلامه بنفسه.
“لا، ليس ذلك. الأميرة ليست في وضع يسمح لها باستخدام يد غيرها. ولا يمكن أنها تحرّكت بنفسها بتلك الحالة.”
وصلته تقارير بأنها لم تلتقِ أحدًا من الخارج سوى آل أولان أو ليام. بل لم يقترب منها أحد أصلًا.
“كيف عرفتِ أن الثريّا ستسقط؟”
عندها فقط التقت نظرات أورميا بنظرات ليام. قبض ليام على يده.
لا يعلم ماذا ستقول هذه المرأة، لكنه كان متأكدًا أنها ستثير طبعه الذي كبحه بصعوبة.
“الآن، لم يعد أمام الملكِ سوى إرسالي إلى الإمبراطورية.”
التعليقات لهذا الفصل " 22"