“آنسة، أرجوكِ اخرجي بسرعة!.”
دوّى صوتٌ صافٍ في أروقة الممر، ففتحت كارينا باب غرفتها وهي بالكاد تستطيع إبقاء عينيها مفتوحتين. كانت بيكي، التي حاولت تهدئة كارينا المتذمّرة من الخروج، تلفّ منديلًا حول عنقها بعناية.
“الجوّ بارد في الخارج. لا يمكننا أن نسمح لآنستنا المتعبة أن تُصاب بالتهاب في الحلق.”
أومأت كارينا بلا وعي، ثم خفضت ذقنها فجأة. شدّ انتباهها لون المنديل ونقوش تطريزه، فتنهّدت.
“هذا ليس منديلي.”
فكّت المنديل عن عنقها وأعادته، فمالت بيكي برأسها وهي تتسلّمه.
“لكنّه كان في الدرج بالتأكيد.”
“حسنًا، وراءه قصّة ما. على أيّ حال، لا يمكنني استخدامه.”
“يا إلهي، لا تقولي إنّك تلقيتِه من أحد السادة؟ لقد بدا تصميمه مختلفًا قليلًا.”
“ماذا؟ ليس الأمر كذلك.”
أفلتت كارينا المنديل بدهشة، بينما أخفت بيكي ابتسامة ماكرة خلف يدها. وبعد لحظة تردّد، انتزعت كارينا المنديل من جديد، ولفّته حول عنقها بلا اكتراث.
“لننطلق بسرعة. أمّي تنتظر.”
لاحقتها ضحكات بيكي العابثة وهي تهبط مسرعة إلى الطابق الأوّل. كانت لورا بانتظارها عند المدخل، فاستقبلتها بابتسامة مشرقة حالما نزلت الدرج.
“مرّ وقتٌ طويل منذ آخر نزهة جمعتنا نحن السيّدات فقط، يا كارينا.”
“حقًّا، أليس كذلك؟.”
كان هذا اليوم هو الموعد الذي انتظرته والدتها منذ أيّام. وبعد تفقد الأمتعة، صعدتا العربة التي انطلقت فورًا نحو تلّ يقع عند أطراف .
ومع تأمّل كارينا للمشهد من خلف النافذة، بدأ مزاجها يتحسّن تدريجيًا. كان شعورًا بالسكينة لم تعرفه منذ زمن، ولسببٍ ما، شعرت أنّ هذه النزهة ستبقى ذكرى لطيفة.
وعندما بلغ صفاء خاطرها عنان السماء، توقّفت العربة. فتحت لورا الباب بوجهٍ مورّد كفتاةٍ صغيرة.
“آه، دعيني أفتحه لكِ!.”
هرع السائق الشاب ليفتح الباب، وما إن نزلت كارينا حتى انكشف أمامها التلّ بأكمله. امتدّ العشب الأخضر بلا نهاية، وتناثرت أشجار القيقب التي نثرت أوراقها في الريح، فلوّنت المكان بالأحمر والأصفر.
لكنّ أكثر ما شدّ الأنظار كان الشجرة العتيقة المنتصبة في قلب السهل. شجرة ضخمة لا يطوّقها عشرة رجال معًا، تتساقط من حولها أوراق الجنكو الذهبية في مشهدٍ بديع.
“هيا يا كارينا.”
وبرغم بطء خطواتهما، بدت المسافة إلى الشجرة قصيرة على نحوٍ مدهش.
فرش السائق حصيرة في مكانٍ مشمس، ووضع السلّة جانبًا. وصلت كارينا بعدهما بقليل، ورفعت بصرها إلى الشجرة.
“أأُخرج الطعام؟.”
“سأفعل أنا ذلك، خذ قسطًا من الراحة. لا بدّ أنّك متعب من قيادة العربة.”
“لا، لا بأس. لستُ متعبًا على الإطلاق.”
التقطت كارينا بعض أوراق الجنكو الذهبية ورفعتها في وجه الشمس، فرسم الضوء خطوطًا ناعمة على جانب وجهها. وفي تلك الأثناء، ناولت لورا السائق شطيرة شكرًا له، ثم فتحت السلّة المكدّسة بالطعام.
“هل تظنّين أنّنا سنتمكّن من أكل كلّ هذا؟.”
“أفضل من أن يكون قليلًا، أليس كذلك؟ وإن كان سيكون أجمل لو حضر المزيد من الناس.”
تنهدت لورا بأسف، لكنّها توقّفت فجأة، وحدّقت في مكانٍ ما، ثم شهقت وهي تغطّي فمها.
“كارينا! انظري هناك.”
رفعت كارينا رأسها فورًا، ولم يطل بحثها رغم اتساع التلّ.
“أليس هذا فيليس؟.”
كان فيليس يعبر الحقل العشبي متجهًا نحو الشجرة. خرجت من صدر كارينا زفرةٌ عميقة. لم تمضِ سوى ثلاثة أيّام على الحفل، وحتى لو كان الأمر محض صدفة، بدا قاسيًا أكثر ممّا ينبغي.
خفضت الخبز الذي بيدها، فقالت لورا بنبرة مرحة:
“كنت أمزح فقط، لكنّه جاء فعلًا.”
“…هل دعوتِه يا أمّي؟.”
“ذكرت الأمر لميليسا. سألتها إن كان يرغب في المجيء.”
لوّحت لورا بيدها، بينما انحنى فيليس بأدب وهو يقترب. لم يكن ثمة ما يوقف خطواته الوادعة، إلى أن وقف أخيرًا أمام الحصيرة.
“أعتذر عن التأخير، سيّدتي.”
هزّت لورا رأسها نافضة الاعتذار، فيما تحرّكت كارينا جانبًا بتردّد. ابتسم فيليس ابتسامة دافئة، ثم التقط ورقة جنكو سقطت مع نسمة باردة، وقدّمها إلى كارينا.
“هذه لكِ.”
لم تستطع أن تتقبّلها بابتسامة. لطفه الدائم كان يرهق قلبها.
—
كان الغداء تحت شجرة الجنكو رومانسيًا بحقّ. لو أنّ الريح كانت أهدأ قليلًا لكان المشهد كاملًا. أزاحت كارينا شعرها وهي تفكّر بذلك.
“الهواء بارد بعض الشيء، كان ينبغي أن أحضر معطفًا إضافيًا.”
وبينما كانت لورا تفتّش في السلّة، توقّفت كارينا عند يدٍ امتدّت نحوها. كان فيليس يضع معطفه على ساقيها، وقد أمسك شطيرته بفمه.
“لدينا بطانية هنا… يا إلهي، فيليس.”
حتى البطانية التي قدّمتها لورا، ناولها فيليس لكارينا، ثم ابتعد قليلًا.
“ملابسكِ خفيفة. ماذا لو أُصبتِ بالبرد؟.”
“أشعر بالدفء في الواقع.”
تأثّرت لورا بردّه، فناولتْه كوبًا من الحليب الدافئ. أمّا كارينا، فشدّت أطراف المعطف بيدها. كانت معتادة على طبيعته هذه، لطيفًا مع الجميع.
“أنا سأفعلها.”
“شكرًا لكِ، ديلا.”
لم يكن لطفًا خاصًا بها. كانت تعرف ذلك، ومع إدراكها المتجدّد لهذه الحقيقة، ابتلعت مرارتها بصمت.
“كارينا، هل تفضّلين الحليب أم الشاي؟.”
“…هل لديكِ شاي أسود؟.”
“بالطبع. لحظة واحدة.”
كانت لورا تهمهم بسعادة، بينما تخرج الترمس. لم تشأ كارينا أن تُفسد النزهة، فأجبرت نفسها على الهدوء. لكنّ فيليس سبقها وأمسك الترمس.
“تفضّلي. احذري، إنّه ساخن.”
حدّقت كارينا في سطح الشاي المرتجف، الذي عكس اضطرابها الداخلي.
“هل والدتك مشغولة كثيرًا هذه الأيام؟.”
“إنها ليست على ما يرام. كانت تتمنى حقًّا أن تأتي معنا، لكن للأسف لم تستطع.”
“يا للأسف، إلى أيّ حدٍّ ساءت حالتها؟.”
“الأمر ليس خطيرًا. تبدو فقط مرهقة في الآونة الأخيرة.”
ومضت الأحاديث بين فيليس ولورا بسلاسة، وكأنّهما أسرة واحدة. جلست كارينا صامتة، تقضم خبزها بلا وعي، حتى هبّت الريح مجددًا.
“الرياح قوية فعلًا، هل ننتقل إلى مكانٍ آخر؟.”
“هل نتحرّك قليلًا إلى الجانب؟.”
قال فيليس ذلك وهو ينظر إلى لورا، وفي اللحظة نفسها اندفع شعره من الخلف إلى الأمام بفعل الريح. كانت كارينا تجلس قبالته مباشرة.
تلاقت نظراتهما. وكانت كارينا أوّل من أشاح بعينيه، ثم وضعت قطعة الخبز جانبًا؛ إذ لم تعد قادرة على الاستمتاع بالطعام.
“لا، هذا المكان أفضل من حيث الشمس.”
هزّت لورا رأسها مستسلمة، ولفّت شالها بإصرار.
كان المنظر أجمل من أن يُترك بسبب الريح. ومع سقوط الأوراق من خلفهم، رفعت كارينا فنجانها.
“كارينا.”
“نعم؟.”
“أذلك مشبك شعر جديد؟.”
مدّت يدها إلى شعرها، لكنّها لم تجد شيئًا. وفي اللحظة التالية، انحنى فيليس وأزال ورقة علقت بشعرها.
“ها هو.”
ابتسم وهو يناولها الورقة الثانية، لكنّها لم تستطع أخذها.
“هاها، لماذا تبدوان لطيفين هكذا؟.”
ضحكت لورا، فيما أبعد فيليس الورقة. استسلمت كارينا، ونهضت أخيرًا.
“سأتمشّى قليلًا.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"