5
كشف الصوت المرتجف عن صدقٍ لا لبس فيه. نسيت كارينا الكلمات التي أعدّتها مسبقًا، وانفلتت منها ضحكة جوفاء.
لم تكن ضحكة ذات معنى خفي، بل كانت ردّ فعلٍ عفوي على عبثية الموقف وسخافته.
تذكّرت زيارة كورنيل لها قبل أيام، حين شكرتها لأنها أصغت إلى قصتها.
“أهذا كل ما لديكِ لتقوليه لي؟.”
شكرٌ على ما لا يستحق الشكر، واعتذارٌ عمّا لا يستوجب الاعتذار، وتجاهلٌ لحقيقةٍ لا بدّ أنها كانت تدركها في أعماقها.
أرادت كارينا أن ترى ما وراء الوجه المتقن الخالي من الشقوق، أن تلمح المشاعر الحقيقية المختبئة خلف ملامح كورنيل الهادئة.
اتّسعت عينا كورنيل المستديرتان قليلًا، وانفرجت شفتاها على نحوٍ خافت، ثم ما لبث بريق عينيها الزيتونيتين أن استقرّ.
مرّت نسمة لطيفة من خلف كارينا، واستقرّت عند كورنيل.
“…ماذا تريدينني أن أقول؟.”
خرج السؤال من شفتيها المرتجفتين على غير توقّع. رمشت كارينا سريعًا، ممعنة النظر.
وحين حدّقت فيها من جديد، لم تجد تلك الملامح البريئة النقيّة التي اعتادت رؤيتها.
“كورنيل، أنتِ…”
“إن كان هناك ما تريدينه، فقولي. سأقوله تمامًا كما تشتهين.”
رغم أن وجهها لا يزال يحمل مسحة من حداثة العمر، إلا أن حدّةً لافتة ارتسمت فيه. تعبيرٌ شعرت كارينا بأنها رأته من قبل.
«فيليس سيبقى دائمًا إلى جانبي.»
ارتجّ عقلها المزدحم أكثر، وفي الوقت ذاته، تابعت كورنيل، وقد بدت أنضج بقليل، حديثها:
“لكن، هل هذا حقًا ما تريدين سماعه يا آنسة كارينا؟.”
سقط قلب كارينا عند هذه الجملة وحدها.
كانت تلك هي الحقيقة. الحقيقة التي لم تستطع النطق بها، واضطرت لسماعها على لسان غيرها.
في الواقع، لم يكن لدى كارينا شيءٌ تريد سماعه من كورنيل. بل على العكس تمامًا.
“أنا، أنا أحب فيليس.”
كان هناك أمرٌ واحد فقط لا تريد سماعه، وكانت كورنيل، بذكائها، تعلم ذلك جيدًا.
“مهما واجهتُ من انتقادات، سأتقبّلها. لكن مشاعري لن تتغيّر.”
—
غادرت كورنيل الممر بخطى سريعة متجهة إلى قاعة الحفل. كانت الهمسات تلاحقها من كل جانب، لكنها لم تعبأ.
ظلّ صوت كارينا يتردّد في أذنيها:
«كورنيل، هل تستطيعين تحمّل مسؤولية كل شيء؟.»
كانت كورنيل تمتلك دهاءً خاصًا؛ تعرف جيدًا ما يمكنها امتلاكه، ومتى تتخلّى عمّا لا تناله.
ومن هذا المنطلق، كان فيليس هيروين رجلًا يمكنها أن تحظى به.
لذا، حين سألتها كارينا ذلك السؤال، أومأت بثقة. لكن ما أعقب ذلك لم يكن متوقّعًا.
«إذن افعلي ما تشائين. لن أتدخّل.»
كان ردّ كارينا باردًا على نحوٍ غير متوقّع، خاصة من شخصٍ قد يحمل مشاعر تجاه فيليس.
«فيليس رجلٌ طيّب.»
«…»
«وهو كذلك مع الجميع. آمل أن تدركي هذا، كورنيل.»
كان الأمر محيّرًا. لا بدّ أن كارينا تكرهها. في مكانٍ خاص كهذا، كان بإمكانها قول أي شيء.
لكن نبرتها، التي بدت كأنها تقدم نصيحة، كانت غريبة ومزعجة في آنٍ واحد.
كان فيليس طيّبًا مع الجميع، وكورنيل تعرف ذلك جيدًا.
ولم يكن أمرٌ تافه كهذا كفيلًا بجعلها تتخلّى عن مشاعرها. لقد أعدّت نفسها لأسوأ بكثير منذ بدأت هذه العلاقة.
«شكرًا على النصيحة، لكن لا بأس. أؤمن أنني أستطيع تغييره.»
وقبل كل شيء، كانت تؤمن بذلك حقًا. ولم يكن إيمانًا أعمى، بل أمرًا بدأ يتحقق بالفعل.
في يوم تساقط الثلج الأول، ستُقام مراسم خطبتها مع فيليس.
كانت كورنيل واثقة بأنها لم تخطئ.
«…يبدو أنكِ تحبين فيليس مختلفًا عن الذي أحبّه أنا، كورنيل.»
ولهذا استطاعت أن تضحك من تلك الكلمات، حتى من تلك الابتسامة المريرة التي ظلّت معلّقة على شفتي كارينا.
تسارعت خطواتها أكثر. كان هناك شخصٌ ترغب برؤيته الآن.
وحين كادت تركض، اصطدمت بشخصٍ ما وتوقفت فجأة.
“كورنيل، هل أنتِ بخير؟.”
لحسن الحظ، لم يتحوّل الأمر إلى موقفٍ محرج. رفعت رأسها عند الصوت المألوف، فالتقت عيناها بالشخص الذي كانت تبحث عنه.
كان فيليس ينظر إليها بعينين متسعتين قليلًا، يتفحّص حالها. عضّت كورنيل شفتها وأومأت.
“نعم. آسفة، هل أفزعتك؟.”
“لا، لعلّكِ أنتِ من فُزعتِ أكثر.”
هزّ فيليس رأسه وتراجع خطوة، رافعًا يده عن كتفها، وكأنه واعٍ لنظرات من حولهما.
وحين أمسكت بكمّ معطفه دون تفكير، توقّف فيليس عن السير.
“ما الأمر؟ هل حدث شيء؟.”
كان لصوته اللطيف أثرٌ غريب، كاد يجعلها تبكي دون أن تشعر. لوهلة، فكّرت في التصرّف بدلال.
لكن القرار جاء سريعًا، لم تكن في حالةٍ تستدعي ذلك.
ابتسمت كورنيل وكأن شيئًا لم يكن، وسحبته إلى الداخل.
لكن هذه المرة، كان فيليس من أوقفها.
“انتظري، كورنيل. هل رأيتِ كارينا في الخارج؟.”
تصلّبت ملامحها لأول مرة عند سماع الاسم.
“لم أرها. لم أصادفها منذ دخلنا القاعة.”
“آه، أهذا صحيح؟.”
“نعم. لم أرها، وهذا يقلقني قليلًا.”
ربما لم يكن الأمر ذا دلالة. فقلقه مفهوم بين أصدقاء مقرّبين.
لكن كلماته انسابت رغم ذلك:
“يبدو وكأنها تتجنّبني عمدًا، لماذا قد تفعل ذلك؟.”
كانت تعرف الجواب، لكنها لم تستطع قوله. وفي النهاية، اختارت الطريق الأسهل.
“الآن وقد فكّرت، أظنني رأيتها تدخل القاعة قبل قليل.”
“حقًا؟ لماذا لم أرها؟.”
“الناس كثيرون. من الطبيعي أن يصعب العثور على شخص.”
“ربما، لكن غيابها غريب.”
لم يكن من المجدي البحث عنها الآن. أقنعت كورنيل نفسها بذلك، وأعادت فيليس إلى الداخل.
وبعد تردّد، تبعها فيليس أخيرًا.
“لا تقلق، فيليس. إنه حفل.”
قد لا يكون ممتعًا للجميع، لكن هذا حال الأمور. أزاحت كورنيل قلقها بابتسامتها المعتادة.
—
بدأ نسيم الليل البارد ينساب إلى الشرفة. وقفت كارينا عند الدرابزين، تحدّق في السماء.
كان القمر، المعلّق في السواد، أكثر إشراقًا من المعتاد.
‘آسفة يا بيكي.’
اعتذرت في سرّها، ثم ألقت دبوس الشعر الذي كانت تمسكه وراء الدرابزين.
راودتها فكرة رمي حذائها أيضًا، لكنها عدلت عنها، لا يمكنها السير حافية.
ومع ذلك، شعرت بشيء من الارتياح. أسندت يديها إلى الدرابزين، أخذت نفسًا عميقًا، وزفرته ببطء.
“…أنا متعبة.”
كان إنهاكها العاطفي منفصلًا تمامًا عن حالتها الجسدية. وبعد يومٍ طويل من الضيق، كان جسدها يئنّ.
‘هل انتهى وقت الرقص؟ أريد العودة إلى المنزل فحسب.’
وبينما كانت تفكّر، هبّت ريح قوية، بعثرت شعرها للخلف. حجبت الغيوم القمر لحظة، فأظلمت الحديقة.
لم يدم الظلام طويلًا. جاءت هبّة أخرى، فانسحبت الغيوم، وانهمر ضوء القمر، أشد سطوعًا، على كارينا.
ودون أن تُغمض عينيها اللاسعتين، شعرت بانفجارٍ داخلي في صدرها.
“…هاه؟.”
لم تدرك إلا بعد لحظة أنها تبكي. انحدرت الدموع على وجنتيها، وسقطت على أرض الشرفة.
فزعت، ورفعت يدها لتغطي فمها، خشية أن يفلت صوتٌ غريب.
‘لماذا يحدث هذا فجأة؟.’
لم يكن هناك ما يدعو للحزن. كانت تفكّر فقط بأنها متعبة قليلًا.
شدّت شفتيها بقوة، متمنية ألا يمرّ أحد.
لكن قبل أن تهدأ، شعرت بوجودٍ قريب من الحديقة. وفي الوقت نفسه، تعالت أصوات من الممر خلفها.
عاجزة عن البقاء أو المغادرة، خفضت رأسها تمسح دموعها.
وهنا، وقعت عيناها على أطراف حذاء شخصٍ ما.
“هل أنتِ بخير؟.”
شقّ صوت هادئ صمت الشرفة. رفعت كارينا رأسها ببطء.
كان أمامها رجل بملامح مألوفة على نحوٍ غريب، يمدّ إليها منديلًا.
شعره البلاتيني، وكأنه مغزول من ضوء القمر، وهيئته المشرقة تركت أثرًا عميقًا في نفسها.
“…شكرًا لك.”
تناولت المنديل دون تفكير. كان كمّها المبتل يزعجها. أمسكت بالمنديل الكحلي، لونٌ يليق بالليل. تسلّل صوت نشيجٍ خافت.
لم يقل الرجل كلمات المواساة المعتادة. بل رفع نظره إلى السماء وقال:
“القمر ساطع الليلة. يجعلكِ لا ترغبين في العودة إلى الداخل.”
“…”
“ألا ترين ذلك؟.”
كان ضوء القمر يحتضنهما بدفء. ضغطت كارينا على صوتها المتردّد وقالت:
“لم أكن أبكي.”
بحة صوتها جعلت كلماتها أكثر إقناعًا. وكان الأمر صحيحًا.
لم تكن تبكي، الريح هبّت، عيناها لسعتا، وانهمرت الدموع فحسب.
“فقط، خرجت الدموع، هذا كل شيء.”
حتى هذا العذر السخيف لم يقابله الرجل بكلمة. وقف لحظة، ثم قال وهو يهمّ بالمغادرة:
“أعيدي المنديل حين لا تعودي بحاجة إليه.”
تلاشت خطواته كما جاءت، بلا صوت.
وبعد أن هدأت، نظرت كارينا إلى المنديل.
أسفل التطريز الأنيق في الزاوية، لاح لها اسمٌ صغير:
نواه فيلكاريد.
اسمٌ لم تسمع به من قبل.
تتبّعت التطريز بعينيها، ثم نهضت.
لقد حان وقت الرحيل.
التعليقات لهذا الفصل " 5"