4
“أوه… كاميل.”
“مرّ وقت طويل يا كارينا.”
حين استدارت كارينا، رأت رجلًا يقترب منها. كان كاميل ملبورن، الابن الأكبر لأسرة دوق ملبورن.
كان شعره الأشقر الداكن المائل إلى التموج ينسجم مع ملامحه الكسولة بطبعها، وكأن الهدوء جزء لا ينفصل عنه.
“آسف، هل سبّبت لكِ إزعاجًا؟.”
تحدث كاميل بنبرة عفوية، لا لشيء سوى لأنه عرف كارينا منذ الطفولة.
حين بلغت كارينا العاشرة من عمرها، كانت أسرة دوق ملبورن قد تقدّمت بخطبة رسمية إلى أسرة دوق إديلين.
آنذاك، لم تكن كارينا ترغب في الارتباط، فرفضت العرض، كما فعل والداها.
لكن بعد عامين فقط، خُطبت لفيليس، ولذلك كان شعورها بعدم الارتياح أمام كاميل أمرًا طبيعيًا.
“لا، ليس الأمر كذلك. كنتُ أعاني صداعًا قليلًا، فجلست أرتاح.”
“وإلى متى تنوين الراحة؟.”
“حسنًا، حتى يخفّ الصداع قليلًا…”
تلاشى صوتها، وألقت نظرة جانبية. لحسن الحظ، لم يكن المدخل بعيدًا.
كانت تنوي اختلاق عذر والتوجه إلى الردهة أو أي مكان آخر. لقد بدأت تُرهَق من تفادي فيليس وكورنيل.
“إذن، هل تسمحين لي بالبقاء معكِ إلى أن تشعري بتحسّن؟.”
توقفت كارينا عند اقتراحه. امتدّت يد كاميل نحوها.
“أودّ أن أرقص معكِ. لم نلتقِ منذ زمن، واليوم… يبدو مختلفًا على نحوٍ ما.”
كلما تابع كامل حديثه، ازداد وجه كارينا تصلّبًا. انخفض بصرها إلى كعبيها المختفيين تحت ثوبها.
ثم استقرّت عيناها على شيءٍ حادٍّ ومرتفع، كعب حذاء.
“قدم…؟.”
لم تكن قدمها.
تجمّدت في مكانها، ثم استدارت ببطء. وجدت نفسها في مواجهة عينين زرقاوين صافيتين، تكادان تكونان شفافتين.
رمشت العينان ببطء، وتتبّعتا نظرتها إلى الأسفل. فزعت كارينا وتراجعت خطوة.
“كارينا، من هذا الذي يقف خلفكِ؟.”
سأل كاميل بحدة خفيفة. ولم تفكّر كارينا حتى في الالتفات مجددًا، بل انحنت فورًا.
“أنا آسفة. لم أكن أعلم أن أحدًا يقف خلفي.”
لم تجرؤ على رفع رأسها ثانية من شدّة الإحراج. حتى مقدّمة الحذاء الذي داسته كانت واضحة الانبعاج. لا بدّ أن القدم أسفلها قد تضرّرت.
“كنت متأكدة أنه لم يكن هناك أحد قرب العمود قبل قليل.”
اشتعل وجهها خجلًا. وإذ راقبها كاميل، تقدّم خطوة وجذب ذراعها نحوه.
“يبدو أن شريكتي ارتكبت خطأ.”
“…”
“لا أعلم إلى أي أسرة نبيلة تنتمي، لكني أرجو أن تتغاضى عن الأمر بسعة صدر.”
الرجل، الذي كان يرمش بصمت، انحنى فجأة، وربت بطرف حذائه على الأرض.
أغلقت كارينا عينيها لحظة من شدّة الحرج، ثم فتحتهما، لكن صاحب القدم كان قد اختفى. لم يبقَ سوى ظهره، يبتعد بخطوات هادئة، ظلّ طيفه عالقًا في نظرها.
“يا له من تصرّف فظ، أن يرحل دون كلمة. كارينا، هل أنتِ بخير؟.”
نقر كاميل بلسانه وهو يراقب ابتعاد الرجل، ثم لان صوته.
أزاحت كارينا يده التي كانت تستقرّ على كتفها، وضغطت على رأسها. في تلك اللحظة القصيرة، بدأ صداع حقيقي يتشكّل.
“أنا بخير. الخطأ كان خطئي.”
“يحدث ذلك. لنذهب إلى تلك الطاولة الآن.”
ربما بسبب هذا الخطأ غير المعتاد، شعرت كارينا بإرهاق شديد. ومن دون وعي، بدأت تتبعه.
لكن قبل أن تخطو خطوة، انتشر همس في أرجاء القاعة. توقفت ببطء، مدفوعة بالفضول.
في وسط القاعة، كانت سيلين وفيليس يقفان متقابلين.
مدّت سيلين يدها بأناقة، بينما بدا فيليس متردّدًا، يلتفت حوله بقلق.
“سيلين… وفيليس؟.”
تمتم كاميل عابسًا. أما كارينا، فظلّت تحدّق في ملامح فيليس من بعيد.
وبعد تردّد قصير، أمسك فيليس يد سيلين، لكنه لم يقدها إلى ساحة الرقص، بل انحنى وقبّل ظهر يدها. رفض مهذّب، لكنه واضح.
ما إن ترك يدها، حتى تعالت الهمسات.
“يا إلهي… هل رُفضت الآنسة سيلين؟.”
“يبدو ذلك. يا له من موقف محرج.”
“أليس هذا فيليس من أسرة الكونت هيروين؟ سمعتُ أنه مخطوب.”
“ومع ذلك، إنها مجرد رقصة. ما المشكلة؟.”
ازدادت الهمسات صخبًا. ظلت عينا كارينا معلّقتين بفيليس وهو ينسحب.
أما سيلين، فبدت وكأنها أفاقت متأخرة، ثم اختفت بين الحشود ووجنتاها متوردتان.
كما قال الجميع، الرقصة في حفل ليست أمرًا جللًا. بل إن فيليس رفضها أصلًا.
ومع ذلك، هبط مزاج كارينا إلى أدنى مستوياته. شعرت وكأنها أضحوكة أمام الجميع.
اقترب كاميل وكأنه سيقول شيئًا، لكنها أدارت وجهها.
“سأتمشّى قليلًا. وحدي.”
لم تعد تملك طاقة لمجاراة الأجواء. وإزاء حزمها، تنحّى كاميل جانبًا.
وقبل أن تغادر القاعة، ألقت نظرة على انعكاسها في الزجاج. دبوس الشعر المرصّع بالجواهر كان يلمع ببذخ. أرخته بيدها، ومضت إلى الممر الخالي.
—
“الردهة في نهاية ذلك الممر.”
قال الخادم بابتسامة لطيفة قبل أن ينصرف. اتجهت كارينا حيث أشار.
“كان عليّ أن أسأل عن الاتجاهات منذ البداية.”
غادرت القاعة دون تفكير، وتاهت في الممرات حتى آلمتها قدماها. ولم يساعدها ثوبها ولا حذاؤها غير المريحين.
لولا الشخص الذي صادفته قبل قليل في الممر المقابل، لما أهدرت كل هذا الوقت. من ناحية ما، كانت سيئة الحظ.
“لماذا كان فيليس في الممر أصلًا؟.”
كان يتجوّل وكأنه يبحث عن أحد، ما اضطرها إلى سلوك طريق غير مألوف.
والآن وقد تأكدت من عودته إلى القاعة، فلا بأس. تنفّست الصعداء حين لمحت الردهة أخيرًا.
لكن قبل وصولها بخطوات قليلة، توقفت.
“أوه، الآنسة كارينا.”
خرجت كورنيل من الردهة وتوقفت بدورها. ورغم أن كارينا كانت تتجنبها، بدت كورنيل هي الأكثر ارتباكًا. وسرعان ما اتّضح السبب.
“بصراحة، الذوق شيء يولد به المرء، تمامًا كأصله.”
انساب صوت ساخر من داخل الردهة، مرتفعًا عن قصد.
تنقّلت نظرة كارينا بين الداخل وكورنيل، وفهمت الموقف فورًا.
“عليكِ أن تشعري بالخجل. حتى لو وُجّهت لكِ دعوة، كيف تجرؤين على الحضور مع الشاب فيليس؟.”
“بالضبط. وخصوصًا أن خطيبته، الآنسة كارينا، موجودة هنا.”
“لو كنتُ مكانها لاشمأززت فعلًا. يا لقلّة الحياء.”
كانت الكلمات الحادّة موجّهة بوضوح إلى كورنيل الواقفة خارج الردهة.
أما كارينا، فكانت أشدّ تجمّدًا منها، حتى أن أنفاسها انحبست.
لم تفكّر كثيرًا في حضور كورنيل مع فيليس. فهما يقيمان في قصر الكونت.
كانت تدرك أن الأمر قد يبدو غير لائق، لكنها لم تُفاجأ.
“شيء سيُكشف عاجلًا أم آجلًا.”
بعد وعد الخطوبة واعترافهما بذلك أمامها، لم يكن سوى مسألة وقت.
“أتظنون أنها فعلت ذلك عمدًا؟ للتباهي؟.”
“مع تلك المرأة، كل شيء ممكن.”
لكن سماع ذلك من هذا القرب جعل عقلها يفرغ تمامًا.
بدت كورنيل وكأنها تحاول التحدث، تتحرّك شفتاها، لكن كارينا لم تسمع شيئًا.
“إن كان الأمر كذلك، فالمسكينة حقًا هي الآنسة كارينا.”
كان الشعور بأن يُشفَق عليها أسوأ مما توقعت. قبضت كارينا يديها بقوة، ثم أرختهما واستعادت هدوءها.
وقبل أن تدرك، كانت كورنيل قد اقتربت منها، وأشارت إلى الممر الذي جاءت منه.
“أنا آسفة، آنسة كارينا.”
تمتمت بها دون صوت، ثم انحنت باعتذار. عضّت كارينا طرف لسانها عمدًا.
“مسكينة؟ لا شيء يدعو للشفقة. في أفضل الأحوال، ستنتهي عشيقة له.”
“صحيح. وبما أن خصمها الآنسة كارينا، فعلى الشاب فيليس أن يتحلّى على الأقل بـ…”
لم تتوقف الألسن الحادّة. تقدّمت كارينا متجاوزة كورنيل نحو مصدر الأصوات.
وحين توقفت أمام الباب المفتوح مباشرة، خيّم صمت بارد.
بعد لحظة، أدارت رأسها بلا أي تغيير في ملامحها. داخل الردهة، جلست عدة نساء على الأريكة، وفي الوسط كانت سيلين، التي ارتعشت حين التقت عيناها بعيني كارينا.
كان المشهد فاضحًا بوضوحه. ومن دون كلمة، واصلت كارينا طريقها.
‘مقزِز، مقزِز، لكن…’
لسعت شفتيها المعضوضتان بألم. لم تهرب، لكنها في النهاية لم تقل شيئًا.
وعند نهاية الممر، سارت بلا وجهة، مغمضة العينين. وحين لامسها نسيم خفيف، فتحت عينيها لتجد نفسها أمام شرفة الطابق الأول.
“الآنـ- الآنسة كارينا.”
ناداها صوت صافٍ من الخلف. استدارت، فرأت كورنيل تقف على بُعد خطوات.
ماذا تقول؟ كان ذهنها لا يزال مشوّشًا، وإن أقل من ذي قبل. وفي النهاية، كانت كورنيل من تكلّم أولًا:
“أنا آسفة حقًا، لقد اضطررتِ لسماع كلمات وقحة بسببي…”
التعليقات لهذا الفصل " 4"