2
“يجب أن أردّ.”
بما أنّ الرسالة وصلتها متأخرة يومين، فإنّ الردّ عليها الآن يُعدّ متأخرًا أصلًا. عقدت كارينا عزمها، وضغطت سنّ القلم بقوة على الورق.
لكن الصفحة البيضاء لم تمتلئ سوى بنقاط سوداء بلا معنى. وفي النهاية، لم تستطع كتابة كلمة واحدة، فوضعت القلم جانبًا.
“لقد تخلّصتُ من الدواء، لكن شراب الفاكهة لا بدّ أنّه ما يزال موجودًا. عليّ أن أتفقد المطبخ.”
كانت الرسالة الأخرى أشبه بدعوة، لكنها أُلقيت في أحد أركان المكتب دون أن تحظى حتى بنظرة عابرة. ومع فكرة شراب الفاكهة، شعرت كارينا بتحسّن طفيف، قبل أن تدرك حالتها فجأة، فتدلّى كتفاها بإرهاق.
بعد أيام من العذاب، بات شيء تافه كشراب الفاكهة كافيًا لإسعادها. لم تستطع إلا أن تشعر بالشفقة على نفسها.
وفوق ذلك، كانت كورنيل قد حضرت العشاء الذي تغيّبت عنه في ذلك اليوم، بناءً على اقتراح قدّمه والدا العائلتين في مطلع العام. وبالنسبة للكونت هيروين، الذي كان يعاملها كابنته، فلا بدّ أنّ الأيام الماضية كانت ثقيلة عليه.
“متى أصبح الاثنان مقرّبين إلى هذا الحد؟.”
تمتمت كارينا، وهي تستحضر صورة فيليس وكورنيل واقفَين جنبًا إلى جنب، وكأنّ الأمر لا يعنيها.
لكن التفكير في ذلك لم يكن مجديًا. لقد أخبراها بكل شيء، وقد تقبّلت الأمر.
“على أيّ حال لم أكن غافلة تمامًا.”
بطريقة ما، كان ما حدث أمرًا لا مفرّ منه. منذ اللحظة التي رأت فيها كورنيل تدخل بيت الكونت للمرة الأولى.
كانت كورنيل امرأة مميّزة بلا شك؛ تمتلك شخصية تعرف كيف تُحَبّ، وطموحًا حقّق في عامين ما لم تحقّقه كارينا طوال حياتها. وكانت مناسبة تمامًا لفيليس، ذلك الرجل اللطيف مع الجميع.
لذا كان على كارينا أن تتقبّل الأمر.
نهضت من مكتبها، وسارت نحو سريرها ثم ألقت بنفسها عليه. كان الحساء الذي لم تتذوقه قد برد تمامًا، ومع ذلك لم تعد شهيتها.
قررت كارينا أن تقضي هذا اليوم على هذا النحو، للمرة الأخيرة. كان قرارًا لا تدري إن كانت قادرة على الالتزام به، لكنه كان أقصى ما استطاعت فعله.
—
“استمتعي بوقتكِ يا كارينا. أتمنى لكِ أمسية ممتعة.”
تركت الدوقة خلفها بابتسامة مشرقة، وانطلقت العربة. وفي اللحظة نفسها، أطلقت كارينا زفرة خافتة.
لم تكن متأكدة إن كان ذلك بسبب أناقة ثوبها المنعكسة على النافذة، أم بسبب اضطرارها لحضور حفلة لا رغبة لها فيها.
“هل وصلتكِ دعوة عائلة راسل؟.”
كانت الدعوة التي وصلتها قبل أيام تخصّ حفل عيد ميلاد سيلين، الابنة الوحيدة لدوق راسل.
وبالنسبة لكارينا، لم يكن الخبر سارًّا. فمنذ صغرهما، لم تُخفِ سيلين نفورها منها يومًا.
وكان السبب بسيطًا، بذور لطف زرعها شخص ما منذ الطفولة.
“هل أنتِ بخير؟ خذي يدي وانهضي.”
لا بدّ أنّ المشهد كان في حديقة إحدى النبيلات. صورة سيلين وهي تبكي بعد سقوطها، ونظرتها إلى فيليس وهو يمدّ يده لها، ما تزال راسخة في ذهن كارينا.
كان فعلًا محمودًا بلا شك، لكن نتائجه لم تكن كذلك. وضعت كارينا يدها على رأسها النابض بالألم.
“إذًا، ستلتقين فيليس هناك، أليس كذلك؟.”
ما إن خطر اسم فيليس ببالها حتى سأل والدها، الدوق إديلين. كانت لا تزال تحدّق عبر النافذة حين أومأت برأسها.
“نعم.”
“أنتم دائمًا معًا. أتعجّب لماذا تذهبان كلٌّ على حدة اليوم. حسنًا، لا بأس.”
شبك أسيليس ذراعيه وخفّض صوته بعدم رضا. من دون أن تقول شيئًا، أمسكت كارينا بذراعه. لان تعبير وجهه فورًا، وكان ذلك يثير في قلبها مزيجًا من الألفة والمرارة.
وبينما كانا يتبادلان الحديث، وصلا إلى قصر آل راسل.
ما إن توقفت العربة حتى فتح المرافق الباب. نزل أسيليس أولًا، ثم مدّ يده إليها.
“هيا، انزلي.”
أمسكت كارينا بيده ونزلت. وكان لون السماء قد بدأ يفقد زرقتَه.
تتابعت العربات الأخرى في الوصول. وبعد وصية أخيرة بالاستمتاع، عاد أسيليس إلى عربته.
ومع ابتعادها، بلغ مسامع كارينا صوت حوافر متعثّرة قليلًا. من دون تفكير، التفتت.
توقفت عربة غريبة على الطريق، ومن بابها المفتوح نزل رجل لم تره من قبل. لسببٍ ما، التقت نظراتهما للحظة. كان شعره البلاتيني اللامع يسطع بوضوح لافت.
“سآتي لاصطحابك بعد الحفل، يا سيّد نواه.”
انحنى الرجل الذي تبعه باحترام وهو يتحدث. وحتى تلك اللحظة، لم يرفع نواه عينيه عن كارينا.
وحين استدار ليجيب مرافقه، استأنفت كارينا خطواتها المتوقفة.
كانت نوافذ القصر تعكس آخر خيوط الشمس الغاربة. وكان الحفل على وشك أن يبدأ.
—
ملأت الموسيقى الأنيقة القاعة. وقفت الآنسة سيلين على المنصة، تتفحّص الحضور بابتسامة.
سارت كارينا مباشرة عبر منتصف القاعة نحوها. تقابلت المرأتان في جوّ غريب.
“يا للمفاجأة، آنسة كارينا.”
“مرّ وقت طويل، الآنسة راسل. عيد ميلاد سعيد.”
ابتسمت سيلين بعينيها، بينما أخفت فمها خلف المروحة. لم يكن معلومًا إن كانت ابتسامتها صادقة.
خلفها وقف عدد من النبيلات والنبلاء المقرّبين منها. ولم تكن نظراتهم ودّية على الإطلاق. بل إنّ بعضهم كان يتهامس بابتسامات ساخرة.
“يبدو أنّ الجميع مستمتع.”
تحمّلت كارينا النظرات بهدوء وقدّمت هديتها. ففي المناسبات الرسمية، لا أحد يجرؤ على الوقاحة الصريحة.
وحين ألقت سيلين نظرة خلفها قليلًا، خفَتَ التوتر بين المجموعة. بدا أنّهم لا يريدون إشاعة حديث عن صراع نفوذ في الحفل.
“شكرًا لحضوركِ. أتمنى أن تستمتعي بوقتكِ.”
كان وداعًا رسميًا. وقبل أن تردّ كارينا بابتسامة مصطنعة مماثلة، كانت سيلين قد أدارت رأسها بحدّة. ورغم طفولية هذا العداء، رأت كارينا أنّه أسهل تحمّلًا.
استدارت لتغادر، لكنها لم تستطع.
في الاتجاه الذي اختارته، ظهرت وجهان مألوفان يقتربان. فيليس وكورنيل.
ما إن التقت عينا فيليس بعينيها حتى تجمّد في مكانه.
“كارينا.”
نطق اسمها وهو يقف أمامها مباشرة، بتعبير متردّد. ترددت هي الأخرى، عاجزة عن الردّ.
لكن اللقاء لم يدم طويلًا. فلم تكن كارينا بطلة هذا الحفل.
“فيليس!.”
ارتفع صوت أنثوي من الخلف بنبرة أعلى من المعتاد. ارتجفت كارينا لا إراديًا.
كانت على وشك الابتعاد حين أمسك فيليس بذراعها.
توقفت، ورفعت نظرها إليه. لكن ما شدّ انتباهها أكثر من ارتباكه، كانت كورنيل، الواقفة خلفه بصمت.
“…اذهب. هناك من يناديك.”
ترددت عينا فيليس العسليتان قليلًا. سحبت كارينا ذراعها بلطف واستدارت مبتعدة.
خفق قلبها بخفّة بسبب هذا التبادل التافه. لم يكن السبب الرسالة التي لم تردّ عليها فحسب.
وحين هدأ نبضها، ألقت نظرة أخيرة إلى حيث كانت. كان فيليس محاطًا بالناس، يتحدث مع سيلين.
أما كورنيل، فبقيت واقفة بجانبه بصمت، تحدّق بعينيها الزيتونيتين اللامعتين في الجمع، وكأنّهم لا يعنونها.
“لماذا…؟”
قطّبت كارينا حاجبيها قليلًا، ثم أدارت نظرها وضحكت بخفة.
“ما الذي أفكر فيه؟.”
حين أمسك فيليس بذراعها ليمنعها من المغادرة، خطرت لها فكرة سخيفة:
ماذا تشعر كورنيل، وهي ترى هذا المشهد على مقربة منها؟.
لم يكن ذلك بدافع القلق، بل كانت تتمنى، في قرارة نفسها، أن تشعر كورنيل ببعض الضيق.
“يا للبؤس.”
كانت رغبة بائسة حقًا، خاصةً وأنها لم تنبس بكلمة حين سُلب منها فيليس أمام عينيها.
الندم جاء متأخرًا. لو علمت أنّها ستبدو بهذه الهشاشة، لما قالت تلك الكذبة الواضحة.
على عكس فيليس، الذي صدّقها لأنها صديقة طفولته، كانت كورنيل امرأة ذكية. ولا بدّ أنّها رأت الحقيقة منذ اليوم الذي جاءت فيه لتعلن علاقتها به.
«فيليس وأنا مجرد صديقين.»
خطوبة بين صديقين، علاقة جوفاء استمرت حتى لم يتبقَّ سوى عام واحد على بلوغهما.
قصة لا يصدقها أحمق. وبالتأكيد، لن تصدقها امرأة تحمل مشاعر للرجل نفسه.
“تفضّلي، آنسة.”
“شكرًا.”
أخذت الكأس من الخادم المتنقّل واتجهت نحو طاولة خالية في الزاوية.
“أليست تلك كورنيل لورنس؟.”
توقفت كارينا حين سمعت الهمس.
“يبدو ذلك. نادرًا ما تحضر مثل هذه المناسبات.”
“حقًا، تُرى هل هي مقرّبة من الآنسة سيلين؟.”
“مستحيل.”
كانت امرأتان تتبادلان الحديث من دون أدنى حذر. سواء عن جهل أو لا مبالاة، واصلتا النميمة بحماسة.
“لا أظنّهما ستنسجمان مهما نظرتُ إلى الأمر.”
“صحيح، لكن كلتيهما تنحدران من أصول نبيلة، بطريقتهما.”
تنهدت كارينا بخفّة، وعدّلت وقفتها بحيث لا تلاحظا وجودها.
لم يكن حديثهما لطيفًا على الإطلاق، لكن لم يكن هناك مقعد شاغر قريب.
وبعد تردّد قصير، رفعت الكأس إلى شفتيها. انساب النبيذ بسلاسة في حلقها.
“ومع ذلك، يبدو أنها جاءت برفقة رجل.”
“تقصدين السيد فيليس؟ ذاك الذي يعيش مع عالة…”
امتزجت رائحة الكحول النفّاذة بالكلمات الرخيصة الفظة، فتضيّقت عينا كارينا.
‘ما الذي يدور في أذهانهنّ ليتحدثن بهذا الشكل؟.’
لم تكن المرة الأولى التي تسمع فيها مثل هذا الكلام، ومع ذلك كانت دائمًا تدهشها حقيقة وجود أناس كهؤلاء في كل مكان.
وربما، لم يكن الأمر غير مفهوم تمامًا.
فمن الأسهل تحطيم امرأة بلا عائلة ولا مكانة، من توجيه النقد إلى ابنة دوق.
التعليقات لهذا الفصل " 2"