قبل وصول رويليا، كانت الكونتيسة بيلونا تحاول إقناع بريليون باستمرار.
“أيّها الأحمق، ألا ترى ما حدث خلال العام ونصف العام الماضيين؟”
حسنًا، لو لم يكن شخصًا مثل هذا، لما فشل في السيطرة على المعبد وتسبّب في هذه الفوضى.
“طالما أنّ دوق أبير لا يزال قويًا، لا توجد طريقة لأصبح إمبراطورة.”
“ألم تقل إنّ النبوءة الأخيرة التي أصدرها الكاهن كانت حقيقيّة؟”
نبوءة حقيقيّة خالية من المجازات أو الأكاذيب.
『سيولد الطفل الأخير ذو الشعر الفضيّ المبارك بعيدًا عن أعين الناس.
هذا الكائن النبيل، مع الشخص المختار من حاكم، سيحقّق كلّ شيء.』
حتّى لو تحقّق الجزء الأوّل، فلا يوجد ضمان بأنّها ليست كاذبة.
لكن حتّى لو كانت كذلك، لم ترغب الكونتيسة في التخلّي عن أمل أن تكون هي المختارة من حاكم.
– هل سمعتِ؟ يقال إنّ زوج الكونتيسة بيلونا كان له عشيقة. –
– يعيش على حساب زوجته ومع ذلك يخونها؟ –
– لا، ليس الأمر كذلك. يقال إنّه بفضل ذكائه استطاع التغلّب على إخوته الذكور واستولى على اللقب. –
لذلك، عندما مات زوجها، لم تحزن.
ولهذا أيضًا، عندما مات ابنها الذي يشبه والده في الشكل والطباع، لم تحزن كثيرًا.
كان إثبات أنّها تستطيع النجاح دون زوجها أكثر أهميّة.
“أجل، لم أستسلم بعد.”
نظرت الكونتيسة بيلونا إلى المكان الذي كانت تجلس فيه رويليا سابقًا.
“رويليا، إذا استطعتُ جعل هذه الفتاة في صفّي، فسيتبعها دوق أبير تلقائيًا.”
* * *
حدّقت الكونتيسة بيلونا في التعهّد الذي قدّمته رويليا.
إنّه تراجع مؤقّت.
سواء كانت نبوءة المعبد حقيقيّة أم لا، لم يكن ذلك مهمًا.
كبحت غضبها الذي شعرت به عند التفكير بالمعبد، ثمّ أظهرت ابتسامة حنونة.
“شكرًا لكِ. لكن هذا مجرّد احتياط، لأنّني أصبحتُ لا أثق بالناس هذه الأيّام.”
“على الرحب.”
أعجبت رويليا بصيغة التعهّد الذي كتبته.
“سأفعل بالضبط ما هو ’مكتوب‘ في التعهّد.”
عندما خبّأت الكونتيسة التعهّد، سارعت رويليا للضغط عليها.
“إذًا، أين بيرنو؟”
“بريليون ينتظر في مكان قريب. إنّه يعرف مكان ابن أختكِ، فما عليكِ إلّا أن تذهبي معه.”
تحرّكت الكونتيسة ببطء خارج المطعم.
تبعتها رويليا بحذر.
ثم، توقّفت الكونتيسة أمام عربة.
“بريليون، حان وقت الانطلاق.”
طرقت الكونتيسة على العربة، لكن لم يكن هناك ردّ.
“بريليون، هيا اخرج!”
بعد أن طرقت الباب عدّة مرّات وهي تحثّه، فتحت الكونتيسة الباب بنفسها بنظرة غاضبة.
لكن…
“الكاهن ليس هنا؟”
قالت رويليا بنبرة متضايقة.
كان في العربة خادم مرعوب فقط، لا غير.
وقفت الكونتيسة بيلونا مندهشة. لكنّها سرعان ما استعادت رباطة جأشها، واستدارت إلى رويليا مبتسمةً ببراءة.
“هذا الخادم هو أحد أتباع بريليون.”
“وماذا في ذلك؟”
“أنتَ، ألم ترَ أين أخفى بريليون الطفل؟”
تحت تهديد الكونتيسة، أومأ الخادم برأسه بخوف.
“ابحثي عن ابن أختكِ بالتأكيد. سأذهب للمشاركة في الأعمال التطوعيّة، فإذا حدث شيء، تعالي إلى دار الأيتام.”
نظرت رويليا إلى الكونتيسة بارتياب، لكن لم يكن لديها خيار آخر.
نقلت رويليا الخادم إلى عربتها الخاصّة وانطلقت.
راقبت الكونتيسة بيلونا ذلك للحظة.
“هل يمكن أن يكون ذلك الأحمق الجاحد قد أفسد خطّتي؟”
* * *
كانت دار الأيتام قرب القصر الإمبراطوري تعجّ بالناس لأوّل مرّة منذ زمن. كان يعيش فيها أطفال من مختلف الأعمار، من الرضّع إلى أكبر سنًا.
كان الأطفال ينظرون بعيون متسعة ومرتعبة قليلًا، متجمّعين في زاوية بسبب زيارة الغرباء.
“إذًا، ما الذي يفترض أن نفعله، يا كونتيسة؟”
كانت السيدات النبيلات يلوّحن بمراوحهنّ باستمرار، كما لو كنّ يحاولن طرد الرائحة.
جاء معظمهنّ حفاظًا على ماء الوجه، لكنّهنّ بدَونَ راضيات عن الوضع.
“الخادمات يقمن بالتنظيف والغسيل، أليس كافيًا أن نقرأ كتبًا للأطفال؟” قالت إحدى النبيلات.
“بالضبط، دعينا ننهي هذا بسرعة ونجتمع لتناول الشاي. متى كانت آخر مرّة اجتمعنا فيها؟”
“سمعتُ أنّ الكونتيسة بيلونا أعدّت الطعام أيضًا، ههه.”
كانت الوجوه تبدو سعيدة على الأقل.
بسبب الأحداث الكبيرة في الإمبراطوريّة، لم يتمكّن أحد من إقامة تجمّعات ساهرة خوفًا من الانتقادات. عاد النبلاء الذين فروا إلى أراضيهم خلال الاضطرابات للتوّ.
وخلال هذه الفترة، تراكمت مواضيع كثيرة للنقاش والتسلية.
لكن، كما هو متوقّع، كان أطفال دار الأيتام في المرتبة الأخيرة من اهتماماتهنّ.
“بالمناسبة، هل سمعتِ؟ يقال إنّ مساعدة دوق أبير عادت.”
“حقًا؟ لم يعيّنوا حتّى مساعدًا مؤقّتًا بدلًا منها…”
تبادلن النظرات الموحية، كما لو أنّ الجميع يعرف القصّة.
“يقال إنّ جلالته أغمي عليه لهذا السبب. لأنّه رفض زواج من الأميرة نهائيًا.”
كما هو متوقّع، كان الحضور يثرثرون كثيرًا.
“تلك الشائعة عن مساعدة الدوق التي أنجبت ابنًا غير شرعي لوليّ العهد… همم.”
أغلقت السيدة التي أثارت الموضوع الأكثر إثارة فمها فجأة.
“ألم تأتوا جميعًا للمشاركة في نشاط تطوعي؟”
رنّ صوت شابّ وصافٍ فجأة.
ضيّقت النبيلات أعينهنّ ولوّحن بمراوحهنّ بسرعة.
“لم أتوقّع أن تأتي ابنة الكونت إيميل إلى هنا.”
“بالفعل، سمعتُ أنّها فسخت خطوبتها مع
جلالته…”
“يا للشفقة، كانت على وشك أن تصبح إمبراطورة وخسرت ذلك.”
“هل الشائعة عن الابن غير الشرعي صحيحة؟”
تحوّلت الغيرة والحسد إلى سخرية مقنّعة بالشفقة.
لكن آيلا لم تهتمّ.
فالنبلاء الذكور، بغضّ النظر عن أعمارهم، كانوا مشغولين بمضايقتها بكلمات بذيئة.
هذا المستوى كان لطيفًا مقارنةً بذلك.
“لم نقم بإقامة حفل خطوبة، لذا لا يوجد فسخ.”
كما فعلت رويليا سابقًا، اقتربت من النبيلات وصحّحت الأمر بدقّة. كان مضحكًا رؤية مراوحهنّ ترتجف بسرعة.
في تلك اللحظة، اقتربت الكونتيسة بيلونا من آيلا.
“آنسة إيميل، لم نلتقِ منذ زمن.”
حدّقت آيلا في الكونتيسة بيلونا، التي كانت تطمح يومًا أن تكون مثلها.
“هل أنتِ بخير، سيّدتي الكونتيسة؟”
“لكن، ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟”
لم أدعُكِ.
بدأت الكونتيسة تشعر بالتوتر. اختفاء بريليون، وغياب أخبار الخادم الذي تبع رويليا، وهذه الآنسة المتعجرفة هنا أيضًا.
“جئتُ بناءً على طلب جلالته.”
“يبدو أنّ علاقتكِ بجلالته لا تزال وثيقة.”
“بالطبع، أنا لا زلتُ رفيقته.”
أجابت آيلا بابتسامة مشرقة، بينما بدأ الناس بالهمس.
“أعني، رفيقة سياسيّة بالطبع.”
قبل أن تشعر الكونتيسة بشيء غريب، قالت آيلا ضاحكةً.
“آه، وسأنقل رسالة جلالته إلى النبلاء. لقد طلب أن نعلّم الأطفال القراءة حتماً.”
تضخّمت همهمات النبلاء. من يظنّ نفسه ليطلب منهم القيام بمهمّة تافهة كهذه؟
ابتسمت آيلا بلطف.
“ليس كلّ من هو من طبقة دنيا شخصًا وضيعًا، وليس كلّ من هو من طبقة عليا شخصًا نبيلًا. لذا، أثبتوا نبلكم بأفعالكم. ههه.”
بدأت آيلا بالمراقبة بعيون متّقدة.
اضطرّ النبلاء إلى التوقّف عن الثرثرة وبدء العمل التطوعي الفعليّ. لم يكن لديهم وقت لمناقشة أحدث الشائعات المثيرة في الأوساط الاجتماعيّة.
ابن وليّ العهد غير الشرعي.
كانت الكونتيسة بيلونا قد وعدت بمشاركة تفاصيل هذه الشائعة اليوم، ولهذا تجمّع الجميع. لكن مع مراقبة آيلا، لم يجرؤ أحد على فتح فمه.
التعليقات لهذا الفصل " 102"