كانت آيوديل تلهث وهي تلتقط أنفاسها ببطء. لقد سحبتها ديماري بلا هوادة طوال ست ساعات كاملة.
‘واو… رائحة هذا الزيت العطري قوية فعلًا.’
رفعت يدها تستنشق عبير بشرتها.
الزيت الذي أضافته لها ديماري كان منتجًا جديدًا لم يُعرض في المتجر بعد، بعطرٍ أنيق يرتكز على زهور البنفسج.
— “زهور البنفسج تليق بسموّ الأميرة تمامًا!”
تردّد صوت ديماري في أذنيها، وهي تسكب الزيت بسخاءٍ مبالغ فيه.
‘لكنه جميل فعلًا…’
رغم أن التزيّن جزء من روتينها اليومي، شعرت اليوم بخفةٍ وانتعاش مختلفين، فأخذت تحدّق في انعكاسها داخل المرآة.
الفستان كان ذهبيّ اللون، بتصميم أنيق راقٍ يخلو من المبالغة في الدانتيل. أما الحُليّ، فاختارت له ماسًا أرجوانيًا ينسجم معه تمامًا.
كان الماس الأرجواني نادرًا للغاية، حتى إن القصر الإمبراطوري لا يملك منه سوى قطعة أو اثنتين، وها هو يتلألأ على عنقها الممشوق ببريقٍ ساحر.
“همم…”
اتجه نظرها نحو النافذة حيث كانت السماء تكتسي بألوان الغروب.
لم يحن موعد الذهاب إلى الحديقة بعد، ومع ذلك لم تستطع الجلوس ساكنة، وكأن جسدها يشتعل توترًا.
“آه، لا يهم.”
نهضت أخيرًا وغادرت قصر المجرة.
كانت الرسالة التي وصلتها أثناء استعدادها تطلب منها التوجه إلى أصغر حديقة، الواقعة في أقصى ركن من حدائق القصر الإمبراطوري.
‘لماذا طلب مني الحضور إلى أصغر حديقة؟’
هناك حدائق كثيرة أكثر فخامة وجمالًا، فلماذا تلك البعيدة في الزاوية؟
ثم إنها، على حدّ علمها، كانت قيد الترميم، ولا تزهر فيها الكثير من النباتات.
‘هل… ينوي الاعتراف لي؟’
ضغطت على شفتيها الملطختين بحمرةٍ بعناية، وعقدت حاجبيها.
ألم تؤكد لها ديماري بحماس أن دينزل سيعترف لها اليوم؟
‘لكن… من يعترف في مكانٍ كهذا؟’
لو لم توجد أماكن أخرى لفهمت.
لو كان ينوي الاعتراف حقًا، لاختار أجمل حديقة في القصر.
يبدو أنها كانت تبني قصورًا في الهواء.
توقفت خطواتها السريعة فجأة.
انخفض رأسها خيبةً.
‘ماذا أفعل… أنا كشفتُ عن مشاعري بالفعل…’
تنهدت بعمق.
لو لم تسيء الفهم كحمقاء، لما تعقّد الأمر هكذا.
الخطأ خطؤها وحدها.
عبست وضربت رأسها بخفة.
ثم تابعت سيرها بخطوات أبطأ بكثير نحو مكان لقائهما.
وبعد مسيرٍ طويل—
“هاه…؟”
اتسعت عيناها وهي ترفع نظرها إلى السماء.
كلما اقتربت من المكان، ازداد عدد بتلات الكرز الوردية المتساقطة من الأعلى.
“أزهار الكرز…؟”
مدّت كفّها تحدّق في البتلات المتهاوية كأنها ثلج.
هبطت بتلة برفق فوق راحة يدها.
‘يقولون إن من يلتقط بتلةً طائرة يتحقق حبه الأول.’
ارتفعت زاوية فمها بخفة.
وقد تحسّن مزاجها قليلًا، دخلت الحديقة.
وفي اللحظة التالية، انفتح فمها ذهولًا.
كانت الحديقة، التي كان يُفترض أنها في طور الصيانة، مليئة الآن بأشجار كرز مزهرة بغزارة، كأنها غيوم من حلوى القطن.
ولم يكن هذا فحسب.
تحت الأشجار، جرى جدول صافٍ، وحوله أزهار متفتحة بكثافة.
عندها فقط أدركت أن هذا المكان يُجسّد حرفيًا ما قالته صباحًا.
— “بالطبع يجب أن يكون المكان جميلًا لدرجة أن يُفتح له الفم دهشةً، وتكون الأزهار متفتحة بكثرة، وبتلات الكرز تتساقط كالثلج… ثم يحمرّ وجهه خجلًا ويعترف لي بحذرٍ أنه يحبني…”
مستحيل.
دخلت ببطء، تتأمل التحوّل الساحر.
“آي.”
حين تقدّمت أكثر، رأت دينزل ينتظرها.
“دينزل… ما الذي حدث هنا؟”
سألته، وعيناها لا تزالان معلّقتين بالبتلات المتساقطة.
نظر إليها بابتسامة دافئة، كأن منظرها يسحره.
“بدأت التحضير منذ الصباح.”
“ماذا؟ فعلتَ كل هذا بنفسك؟”
“ساعدني الفرسان قليلًا، لكن شعرت أن عليّ القيام به بنفسي ليحمل معنى.”
اتجهت نظراتها إلى يديه، المغطّاتين بالتراب.
لم يكن التراب وحده، بل كانت هناك خدوش وجروح متناثرة.
“ما هذا بيديك…!”
أمسكت يده بقلق.
“لقد جرحت نفسك! هل زرعتَ كل هذا حقًا؟”
“الأشجار استخدمتُ فيها السحر، لكن الأزهار الصغيرة كان عليّ غرسها يدويًا لأن طاقة السحر كانت قوية جدًا.”
أجاب بهدوء، كأن الأمر لا يعنيه.
تتبعت نظراته.
لم تكن الأزهار مزروعة عشوائيًا تحت الأشجار، بل كانت هناك تفاصيل دقيقة—أزهار صغيرة، عشب، ونباتات برية موزعة بعناية.
لو كان أميرًا لبلاد أخرى، لما خطر بباله أن يلوّث يديه ويُجرح لأجل تفاصيل كهذه.
أخرجت آيوديل منديلًا بسرعة.
“على الأقل لا تؤذِ نفسك…”
بدت حزينة وهي تغمس المنديل في ماء الجدول.
ثم بدأت تمسح يديه برفق.
“وأنا أفعل هذا… تذكرتُ الماضي يا آي.”
“هم؟”
“كنتِ تمسحين وجهي المتسخ هكذا.”
“آه… نعم. فعلتُ ذلك فعلًا.”
رفعت رأسها ببطء تنظر إلى وجهه، الذي صار الآن وسيمًا ناضجًا.
“لم أكن أحتمل أن يتسخ هذا الوجه الجميل…”
وبينما تمسح يده، خطرت لها فكرة.
رغم شراهتها للطعام آنذاك، لماذا كانت تعطيه حصتها؟
كانت تكره أن يُؤذى أكثر من كرهها أن تُؤذى.
وإن ضايقه أحد، كانت تغضب أكثر مما لو ضايقها.
حتى إنها كانت تكذب مدعيةً أنها لم تبكِ، كي لا يراها تبكي أمامه.
الإجابة كانت واحدة.
“دينزل… بعد أن فكرتُ جيدًا، أظن أنني منذ زمنٍ بعيد—منذ أن التقينا، ومنذ أن كنتَ تتبعني في كل مكان—”
كان قلبي نحوك منذ ذلك الحين…
“كنتُ أحبك.”
كان حبًا.
“تجاوز حدود الجنس…”
لقد أدركتُه متأخرة فحسب.
واصلت بخجل:
“أنتَ دائمًا كنتَ أغلى شخص لدي.”
رفعت رأسها، وقد بدا عليها ارتياح الاكتشاف.
“حتى حين لم أكن أفهم مشاعري، وظننتُها مجرد صداقة… كان هذا حبًا منذ البداية.”
أنزلت المنديل، وربّتت على يده النظيفة.
التقت أعينهما.
احمرّ وجهها بشدة وخفضت رأسها فورًا.
المكان كان جميلًا جدًا، وجهده من أجلها مؤثرًا جدًا… فانطلقت كلماتها دون تفكير.
‘ما زلتُ لا أعرف مشاعره…!’
كانت تعلم كم يقدّرها، لكن ربما كان ذلك مجرد صداقة أو وفاء.
التعليقات لهذا الفصل " 98"