الفصل 90
“أمي، لنخرج من هنا.”
اشتعل العزم في عيني آيوديل وهي تعانق روزبيليا بقوة.
“…همم.”
ارتسمت على شفتي روزبيليا ابتسامة مترددة.
“ما الأمر؟”
ارتجفت عينا آيوديل الذهبيتان بقلقٍ مفاجئ.
“أمي.”
“أنتِ مسمومة، وأنا لم أستعد قوتي بالكامل بعد.”
تابعت روزبيليا وقد ارتسم الأسف على ملامحها:
“أنا، ما إن استعيد طاقتي السحرية، أستطيع الخروج. لكنكِ أنتِ، بسبب السم، ستحتاجين إلى قدرٍ هائل من السحر ووسيطٍ قوي.”
“طاقتي السحرية بخير!”
قالتها مازحة، وقبضت يدها مستعرضةً قوتها.
لكن في تلك اللحظة بالذات، شعرت بأن القوة تنسحب من جسدها على نحوٍ غريب.
لم تستطع آيوديل البقاء واقفة، فسقطت جالسةً على الأرض.
“هاه؟”
“كلما بقيتِ هنا، ستتضاءل أكثر. حالتكِ تختلف عن حالتي.”
نظرت روزبيليا إليها بعينين يملؤهما القلق.
ميكيرجين… ذلك الوضيع، دسّ السم لطفلة كهذه.
ولم يكتفِ بذلك، بل إن السم كان يلتهم حتى طاقتها السحرية، ليمنعها من مغادرة هذا المكان.
“يجب أن تخرجي بسرعة.”
“هاه…”
ظلت روزبيليا تحدّق في آيوديل الجالسة، ثم جذبتها إلى عناقٍ قوي قبل أن تبتعد عنها.
“ما زال الطريق طويلًا قبل أن يتعافى جسدي تمامًا. لكن…”
اشتدّ بريق عينيها.
‘إن جمعتُ كل ما تبقى لي من قوة، وطهّرتُ السم من جسد آيوديل وأخرجتها… فربما أنا…’
“قد أستطيع على الأقل أن أُخرجكِ وحدك.”
سأموت.
“لتخرجي يا آيوديل.”
وهل كانت حياتها تهم؟
لم تحملها يومًا كما ينبغي، ولم تستطع حمايتها حتى بعدما علمت بتعرّضها للإساءة.
لم ترغب في أن تعيش مجددًا ذلك العجز وهي ترى ابنتها تتألم دون أن تستطيع فعل شيء.
“ما الذي تقولينه الآن؟”
تجمّد وجه آيوديل حالما سمعت كلماتها.
بدت روزبيليا وكأنها تنوي التضحية بنفسها. لكنهما بالكاد التقَتا مجددًا، فكيف يمكن أن تفترقا هكذا؟
“كيف أخرج وحدي؟! بالطبع سنخرج معًا!”
يكفي أن نجد طريقة.
قبضت على يد روزبيليا بقوة، وكأنها لن تتركها مهما حدث.
“لن أخرج وحدي. حتى لو اضطررتُ للبقاء هنا مدى الحياة…”
“آيوديل.”
كان صوت روزبيليا هادئًا ورنانًا.
رفعت رأسها ببطء، ونظرت في عيني ابنتها الحبيبة.
“إن عشتِ أنتِ، فأنا أعيش.”
“أمي…!”
“كنتُ دائمًا إلى جواركِ. حتى إن لم أستطع حمايتكِ…”
وانزلقت دمعة من عينيها.
“حتى لو جمعتُ آخر ذرة من قوتي، وحتى لو متُّ بسبب ذلك… يجب أن أُنقذكِ.”
“لا! لا أريد ذلك يا أمي!”
هزّت آيوديل رأسها بعنف، معترضة.
لكن روزبيليا، وقد عقدت العزم، بدأت تجمع ما تبقى لديها من طاقة بسكونٍ صارم.
“أمي، لا تفعلي!”
تعلّقت بذراعيها متوسلة.
“لا ترسليني بعيدًا!”
كانت تنتحب، ومع الريح العاصفة من حولهما، تشبثت بيدي أمها بكل قوتها.
أغمضت روزبيليا عينيها بألم، وانتزعت يديها من قبضتها بصعوبة.
“أمنيتي واحدة يا آيوديل.”
وبعد أن جمعت كل ما تحتاجه من طاقة، ابتسمت لها ابتسامة شاحبة.
“أن تصبحي سعيدة.”
“أمي—!”
ضغطت روزبيليا شفتيها بعزم.
وفي اللحظة التي همّت فيها بتطهير السم من جسد آيوديل—
“آي!”
استدارت آيوديل فجأة نحو الصوت المألوف.
“انتظري لحظة!”
التفتت روزبيليا أيضًا نحو مصدر الصوت.
“دينزل…؟!”
“ماذا…؟”
نظرت بدهشة إلى دينزل الذي كان يهبط بسرعة من السماء.
لم يكن اللاوعي مكانًا يستطيع أيٌّ كان دخوله.
هي نفسها استطاعت الدخول إلى لاوعي آيوديل لأنها بقيت طويلًا بهيئة روح، لكن دينزل لم يكن كذلك.
حوّلت روزبيليا الطاقة التي جمعتها إلى كرةٍ صغيرة وأسقطتها.
فالتقطتها آيوديل بسرعة.
“خذيها مجددًا!”
وفي اللحظة التي هبط فيها دينزل على الأرض، دفعت آيوديل كرة الطاقة إلى دانتيان روزبيليا.
“انتظري—!”
لم يكن يمكنها أن تعيد الطاقة التي جمعتها بشق الأنفس.
لكن وسط ارتباكها، بدأت الطاقة تُمتص مجددًا إلى جسدها ببطء.
“هاه…”
جلست روزبيليا أرضًا بعدما خارت قواها.
“أمي!”
“آي!”
في تلك الأثناء، ركض دينزل نحوهما.
وجذب آيوديل إلى حضنه بقوة.
“الحمد لله…”
خرجت من بين شفتيه تنهيدة ارتياح.
كان قد نجح في الدخول إلى اللاوعي باستخدام الخاتم والبروش، لكنه ظل يتخبط في ظلامٍ دامس حتى الآن.
ثم سمع صرخة آيوديل.
وفي تلك اللحظة، انهارت الأرض تحته وسقط إلى هنا.
“كيف دخلتَ إلى هنا يا دينزل؟”
مسحت آيوديل دموعها على عجل وسألته بدهشة.
“كان هذا معي.”
رفع دينزل يدها ببطء. كان الخاتم ذو الألماسة الذهبية يلمع في إصبعها.
“آه!”
اتسعت عيناها حين تذكرت الأثر السحري.
“لحظة… إذًا يمكنني الخروج من دون استخدام قوة أمي، أليس كذلك؟”
لقد قيل إن الخروج يتطلب طاقةً هائلة ووسيطًا قويًا.
ودينزل يملك طاقةً سحرية تضاهي طاقتها، رغم أنها تحمل جوهرَي سحر.
“أليس كذلك يا أمي؟”
“بلى…!”
اقتربت روزبيليا من دينزل بوجهٍ تغمره المشاعر.
“دينزل.”
انحنت عيناها بلطف.
“إذًا أنتَ دينزل.”
“تشرفتُ بلقائكِ يا سيدتي.”
انحنى دينزل بزاوية تسعين درجة بأدبٍ بالغ.
ابتسمت روزبيليا برضا.
“أنتَ من بقي دومًا إلى جانب آيوديل لتحميها.”
كانت تراقب آيوديل دون أن تستطيع فعل شيء، وكلما تألم قلبها، كان دينزل يظهر ليواسيها بدلًا عنها.
ولم تعرف كم كانت ممتنة لذلك الفتى.
“وها أنتَ قد كبرتَ بهذا الشكل الرائع.”
ربّتت على رأسه برفق.
“أنتَ حقًا مناسب لآيوديل.”
“م-مناسب ماذا؟!”
احمرّ وجه آيوديل بشدة، وارتفع صوتها رغم أنها لم تكره الفكرة.
أما دينزل فاكتفى بابتسامة هادئة وإيماءة خفيفة.
“إذًا، مسألة خروج آيوديل حُلّت. فقد جاء أميرها لينقذها بنفسه، أليس كذلك؟”
غمزت روزبيليا بعينٍ واحدة نحو دينزل.
“لحظة!”
استدارت آيوديل نحوها بسرعة.
“وماذا عنكِ يا أمي؟”
“سأبقى هنا قليلًا بعد، حتى يستعيد جسدي عافيته تمامًا…”
“لا أريد ذلك! بالكاد التقينا، فكيف نفترق مجددًا؟!”
صرخت بانفعال، ثم غرقت في التفكير.
‘لحظة… أليس شرط تحرر أمي من الختم هو استعادة طاقتها السحرية؟’
اتسعت عيناها فجأة.
“انتظري. إن كانت الطاقة السحرية كافية، فيمكنكِ الخروج أيضًا، أليس كذلك؟ عندما تستعيدين طاقتكِ بالكامل!”
“حسنًا… طاقتي…”
في الحقيقة، لو لم تمنحها جوهر السحر، لكانت تحررت من ختم شجرة العالم بالفعل.
أما الآن، فلم يكن أمامها سوى الانتظار.
“لكن لم يتبقَّ الكثير.”
“لكن لديّ جوهر السحر! أيمكنني إعادته إليكِ؟”
“آيوديل… جوهر السحر في الحقيقة… لا يمكن إعادته إلى مالكه الأصلي.”
أجابت روزبيليا بحرج، كأنها لا تريد أن تمنحها أملًا زائفًا.
لكن في تلك اللحظة، لمع بريقٌ ذكي في عيني آيوديل الذهبيتين.
“بما أنكِ كنتِ تراقبينني دومًا، فلا بد أنكِ تعلمين.”
“أعلم ماذا؟”
“أن لديّ…”
ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها.
“جوهرَيين سحري، لا واحدًا فقط!”
التعليقات لهذا الفصل " 90"