الفصل 81
“…ماذا؟”
كانت شينيل تظن، بما أن آيوديل حاولت مساعدتها بكل ما أوتيت من جهد حتى الآن، أنها ستفعل الأمر نفسه هذه المرة أيضًا.
لكن الرفض غير المتوقع جعل عيني شينيل تهتزّان باضطراب.
“ألم تحاولي مساعدتي؟ حتى زواجي…!”
“نعم، حاولت.”
وبنبرة مختلفة تمامًا عن ذي قبل، تابعت آيوديل بابتسامة ساخرة خفيفة:
“لكن التي لم تصدّق كلامي… كنتِ أنتِ.”
“لكن…!”
“لكن ماذا؟”
كانت غاضبة إلى حدٍّ جعل الكلمات تكاد تخونها، لكنها كتمت غضبها قدر استطاعتها وتابعت:
“تطلبين أن أُعيرك فستاني ومجوهراتي… وحتى شريكي؟”
في الحقيقة، كان طلب استعارة الشريك هو أكثر ما أثار غضبها، لكنها لم تقل ذلك صراحة، بل أردفت ببرود:
“للوقاحة حدود.”
“وقاحة؟!”
صرخت شينيل بانفجار غضب.
“وأين وقاحتي؟! كل هذا كان لي أصلًا! بسبب حماقتكِ ضاع كل شيء! وبعد ذلك تقفين هنا وحدكِ، في هذا المكان الرائع، وتقيمين حفل ظهور؟!”
ومع شريكٍ رائع كهذا أيضًا.
راحت تحدّق بشرّ في وجوه من ينظرون إليها.
قبل الحادث، كان الجميع يرمقها بنظرات دافئة ومحبّة.
أما الآن… فالنظرة التي تملأ عيونهم لم تكن سوى الاحتقار.
وحين التقت عيناها بآيوديل، المتألّقة بأناقتها وفخامتها، عضّت شينيل شفتها بقهر.
“كل هذا بسببكِ… كله بسببكِ…!”
كانت تعضّ أظافرها بعنف وكأنها على وشك افتعال كارثة، فلم يعد دينزل قادرًا على الصمت، فتقدّم خطوة إلى الأمام.
“يبدو أنكِ لا تتذكرينني.”
“نعم؟”
خفّ غضب شينيل قليلًا عند ظهوره، واحمرّ خدّاها.
“لا أذكر أنني التقيتُ يومًا بسيدٍ جميل كهذا.”
وبنبرة خجولة لا تُصدّق ممن كانت تصرخ قبل لحظات، عدّلت صوتها:
“هل تحاول الآن… مغازلتي؟”
وفي اللحظة التي كانت على وشك الاسترسال، وقد أساءت الظنّ بأنه يكنّ لها مشاعر—
“‘قذِران يتواعدان.’”
قالها دينزل مبتسمًا، مقلّدًا نبرة كلامها قبل ثماني سنوات.
“كنتِ تقولين ذلك بالضبط.”
ارتجفت حدقتا شينيل بعنف.
“آنسة…”
وأخيرًا، تذكّرت هوية هذا الرجل، فانفتح فمها ببطء.
“مستحيل… لا يمكن… د، دينزل؟ ذلك الدينزل؟!”
لم يكن الأمر معقولًا.
الرجل الذي أمامها كان جميلًا لدرجة تعجز الكلمات عن وصفه.
شعره الفضي، الذي يشبه ضوء القمر، كان يلمع كأنه ليس من هذا العالم، وعيناه الزرقاوان أعمق من ياقوت كشميري.
أما بشرته البيضاء الناعمة، فكانت توحي بأنه لم يمسّ عملًا شاقًا قط.
هذا الرجل… هو ذلك الدينزل القذر؟
“أنتَ… أنتَ ذلك الدينزل؟”
“تشرفتُ بلقائكِ. أنا وليّ عهد إمبراطورية إلمينتا.”
ابتسم برفق، ثم حسم الأمر بكلماته الأخيرة:
“دينزل.”
“و، و، وليّ العهد؟!”
هزّت شينيل رأسها بعنف، غير قادرة على استيعاب الواقع.
كيف يمكن لدينزل، الذي قال والدها إنه اشتراه من سوق العبيد، أن يكون وليّ عهد إمبراطورية إلمينتا؟
ارتجف جسدها كله، وأخذت نفسًا عميقًا متقطعًا.
“أنتِ… كنتِ تعرفين، أليس كذلك.”
ثم عادت تهذي من جديد:
“لهذا كنتِ تلتصقين بدينزل! لو لم تعرفي، لما بقيتِ مع قذرٍ كهذا…!”
“يبدو أنكِ لا تتذكرين.”
انحنت آيوديل ببطء، وملامحها خالية تمامًا من أي ابتسامة، وهمست في أذن شينيل التي باتت أقصر منها الآن:
“في ذلك الوقت، وِفقًا لكلامكِ، كنتُ أنا أيضًا قذِرة. فإذا كان القذرون يترافقون، فماذا كنتُ سأعرف أصلًا؟”
ارتسمت ابتسامة مائلة ببطء على شفتيها.
“ألم أقل لكِ يا شينيل؟ عيشي بطيبة.”
— إن كنتِ تريدين حقًا الزواج من أمير وأن تصبحي أميرة، فعيشي بطيبة.
في تلك اللحظة، تداخل صوت آيوديل قبل الحادث مباشرة في أذني شينيل.
“أنتِ!”
استدار بصرها من شدّة الغضب.
وفي اللحظة التي حاولت فيها شينيل صفع آيوديل، اندفع الجميع—أفراد العائلة الإمبراطورية الذين كانوا يراقبون من الخلف، ودينزل، وحتى ثيودور—وأمسكوا بها.
بل إن يديها كانتا قد تجمّدتا تمامًا بالفعل، وقد فعلت آيوديل ذلك بسحرها قبل أن يتمكن أحد من إيقافها.
“انتهى الأمر بيني وبينكِ، شينيل.”
نظرت آيوديل ببرود إلى شينيل المطروحة أرضًا بعد أن طرحها بلوتو.
“كنتم جميعًا متواطئين…”
حدّقت شينيل بعينين مرتجفتين في أفراد العائلة الإمبراطورية الذين يحمون آيوديل.
“لكن…”
ثم بدأت تضحك ضحكة مجنونة، خافتة ومتقطّعة.
“لا حاجة لأن أخبر أبي أو أمي بهذا، أليس كذلك…؟!”
انهمرت الدموع من عينيها الغائرتين.
“أشخاص حاولوا بيع ابنتهم… لماذا أرحمهم؟!”
صرخت شينيل وهي تشدّ شعرها بجنون.
وقد أدركت آيوديل أن هذه هي نهايتها، فرفعت نظرها الخالي من أي شعور نحو إيغِير.
قطّب جبينه قليلًا، ثم أمر بصوت مهيب:
“اقبضوا على آنسة دوقة فريا الكبرى، وألقوها في السجن.”
“أمرك، يا صاحب الجلالة!”
“آه، آههاها! من الأفضل لكم جميعًا أن تلتزموا الصمت! عن كونهم جميعًا عصابة واحدة! لا يمكنني أن أكون الوحيدة التي تُدمَّر!”
كانت تصرخ بذلك وهي تُسحب خارج القاعة على يد الحراس.
وبعد أن اختفت شينيل أخيرًا عن الأنظار، عمّ الصمت القاعة الكبرى.
أشار إيغِير بيده نحو الفرقة الموسيقية.
تبادل العازفون النظرات بتوتر، ثم بدأوا العزف على عجل.
ومع انطلاق الموسيقى، همس النبلاء قليلًا، ثم تظاهروا بعدم حدوث شيء وعادوا إلى الاستمتاع بالحفل.
“هل أنتِ بخير يا آيوديل؟”
سألها إيغِير بقلق.
“بالطبع. وما شأن شينيل أصلًا؟”
هزّت آيوديل كتفيها بثبات.
“هذا الموقف يعجبني جدًا.”
“كما توقعتُ من أختنا.”
قالت تيتيس وكوردليا، كلٌّ بكلمة.
أما بلوتو، فظلّ يبدو قلقًا، لكنه كان يعلم أن قلب شقيقته أقوى من قلبه، فاكتفى بابتسامة.
“مع ذلك، بما أنكِ تفاجأتِ، ربما يجدر بكِ أن تذهبي لتستريحي قليلًا.”
قال ثيودور بنبرة لطيفة.
عندها شدّ دينزل يد آيوديل بقوة.
“ما رأيكِ، آي؟”
“همم…”
“ألا ترغبين في نزهة قصيرة في الحديقة؟”
“لا بأس… حسنًا، لنفعل ذلك.”
تلونت وجنتاها بلون الخوخ الجميل.
فارتعشت حواجب أفراد العائلة الإمبراطورية في آن واحد وهم ينظرون إليها.
لكنهم لم يرغبوا في إفساد لحظتها السعيدة.
فقالوا وهم يجبرون أنفسهم على الابتسام:
“…اذهبي. ولا تذهبي إلى مكان خالٍ من الناس.”
“صحيح. الحديقة القريبة تكفي. الحراس منتشرين في كل الممرات.”
“نادرًا ما يقول بلوتو شيئًا في محلّه.”
“إذن عودي سريعًا يا آيوديل. الحفل لم ينتهِ بعد.”
ضحكت آيوديل بصوتٍ عالٍ وهي تنظر إلى عائلتها الثرثارة.
“حسنًا! لا تقلقوا!”
ثم خرجت مع دينزل إلى الحديقة.
أضاءت الأنوار الخافتة الأجواء الرومانسية فوق رأسيهما.
وبينما تشعر بدفء يده الممسكة بيدها، تذكّرت آيوديل نهاية شينيل.
“هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير، آي؟”
لم تكن سوى مرارة عابرة، لكن دينزل التقطها وسألها بحذر.
“بالطبع بخير.”
أجابت وهي تهز كتفيها بتصنّع اللامبالاة.
“أنا لستُ شخصًا سيئًا. لقد حاولتُ منحها فرصًا كثيرة.”
“لا أحد يملك الحق في وصفكِ بالسيئة. حتى لو آذيتِ شينيل، فلن يكون لأيٍّ كان حق لومك.”
“…دينزل.”
“آي. افعلي ما يريح قلبكِ فقط. سواء عاقبتِ أو سامحتِ، فأنا—وعائلتكِ جميعًا—سنحترم اختياركِ.”
مع صوته اللطيف، بدأ قلبها المضطرب يهدأ شيئًا فشيئًا.
لهذا كانت تحبّ دينزل. لأنه كان دائمًا يمنحها الدعم والطمأنينة، مهما فعلت.
“شكرًا لك، دينزل.”
شدّت على يده، ثم أضافت بخفوت:
“…تعرف؟”
وفي اللحظة التي كانت ستكمل فيها—
خرج شخص ما فجأة من بين الشجيرات، مع صوت خشخشة.
“أنتِ…!”
التعليقات لهذا الفصل " 81"