الفصل 8
هل استغلّ أحد غياب أسرة الدوق فريا بأكملها ليهاجم القصر؟
راحت الأسئلة تدور في رأس آيوديل، لكن ما كان يشغلها الآن لم يكن تلك الشكوك.
“أنقذوني! أرجوكم أنقذوني!”
كانت تصرخ وسط دخان أسودٍ يتصاعد بلا توقف، بينما تسعل بشدة.
وكأن النار سُقيت بالزيت، إذ اندفعت ألسنة اللهب من خلال الباب المفتوح لتلتهم الغرفة بالكامل.
وانهار جزء من سقف النافذة بصوتٍ مرتفع ومفزع.
“لا…!”
لم يعد بإمكانها الهرب عبر النافذة.
كانت النار التي ابتلعت القصر بأسره تهدد بابتلاع حياتها أيضًا.
“كح… كح…!”
رفعت آيوديل كمّها لتغطي فمها وسط الحرارة الخانقة.
لكن ذلك لم يكن كافيًا لمنع الدخان اللاذع من التسلل إلى أنفها وفمها.
“هاه… هاه…”
بدأ نفسها يضيق شيئًا فشيئًا.
وانهمرت دموعها دون توقف.
‘لا يمكن… لا يمكن أن أموت هكذا….’
وفي اللحظة التي اقترب فيها الموت منها إلى هذا الحد، كان أول ما ظهر في مخيلتها هو دينزل الذي ينتظرها الآن.
لحسن الحظ، أنه كان ينتظرها في العلّية.
لو كان في القبو مع فيلغريم كما يفعل عادةً، لكان الهروب من هذا الجحيم مستحيلاً.
ولكن العلّية متصلة بالكروم الممتدة إلى الخارج.
ودينزل قادر بالتأكيد على تسلقها ومغادرة القصر بسلام.
‘نعم، دينزل بخير بالتأكيد… يكفي أن أخرج أنا فقط…!’
استجمعَت آيوديل قواها ونشرت حول جسدها حاجزًا باستخدام سحرها ذي خاصية الجليد.
كانت تجرب ذلك للمرة الأولى، لكن الطاقة الزرقاء التصقت بجسدها كما لو كانت جلدًا باردًا جديدًا يغطيها.
ورغم النيران المشتعلة حولها، شعرت بنسيم بارد يلامسها بفضل الحاجز.
‘نجحت…!’
لا تزال تجد صعوبة في التنفس، لكن بهذه الحماية تستطيع شق طريقها عبر النار.
‘الآن عليّ فقط الخروج…!’
انعكس وهج اللهب المتوحش في عينيها الذهبيتين المذعورتين.
‘دينزل قال إن لديه ما يخبرني به… يجب أن أذهب وسأسمع منه….’
لكن على الرغم من قرارها، أخذ حلقها يتحرك بتوتر وهي تبتلع ريقها.
فمهما امتلكت من سحر، فهي في النهاية فتاة في العاشرة.
كان طبيعيًا أن ترتعب في موقفٍ كهذا.
حتى البالغون لا يستطيعون بسهولة القفز وسط ألسنة النار، مهما امتلكوا شجاعة.
عقلها يأمرها بأن تتحرك فورًا، لكن ساقيها المرتجفتين لم تستجيبا.
‘تحركي…!’
أغمضت آيوديل عينيها بقوة وصفعت فخذها بقبضتها.
ـ ‘لديّ أيضًا ما أقوله لك.’
ـ ‘ما الذي…؟’
ـ ‘لاحقًا… لذا عودي سريعًا.’
ظهر وجه دينزل في مخيلتها، فبدأت ساقاها المتجمدتان تتحركان ببطء.
‘أخيرًا!’
وبعد لحظات، راحت تركض نحو الباب المفتوح بين النيران.
كانت النار تشتعل من حولها، والباب أمامها مباشرة.
وفجأة…
“آي!”
التفتت آيوديل نحو الصوت المألوف.
“دينزل!”
كان ينزل الدرج الفاصل بين الطابقين الثاني والأول.
“كيف…!”
كان قادرًا على الهرب عبر النافذة، لكنها فهمت الآن.
“لا تقل لي…!”
“الحمد لله… أنك بخير.”
ظهر الارتياح في ملامحه، لكنه كان مغطّى بالجروح والحروق والسخام.
على عكس آيوديل التي حمتها قوى السحر، كان دينزل مجرد فتى عادي.
ومع ذلك، بدلًا من الهرب بأمان… قفز إلى قلب الجحيم لينقذها.
‘يا لك من… أحمق…!’
امتزج شعور النجاة بشعور الامتنان لهذا الشخص الذي فكّر بها إلى هذا الحد، حتى انفجرت دموعها.
مدّت آيوديل يدها نحوه وهي تبكي.
لكنها صاحت بصوتٍ مرتفع، يخالف المشاعر التي تشعر بها.
“انزل بسرعة يا أحمق!”
“…حسنًا.”
رغم حالته البائسة، ابتسم ابتسامة مشرقة وبدأ ينزل الدرج.
“سأُسقط عليك سحر حماية!”
كان قريبًا من الباب، لكن حالته كانت سيئة، ولا تريد له أن يصاب أكثر.
أطلقت آيوديل سحرًا على شكل ضباب أزرق، قادر على تشكيل حاجز يحمي جسد دينزل.
وانطلقت الطاقة اللامعة نحوه.
لكن قبل أن تلامسه…
كووونغ!! كواااااااغ!!
اهتز القصر كله مجددًا بصوت انفجارٍ أقوى من السابق.
“لا، دينزل!!”
“آي!”
وامتلأ بصرها بالظلام.
***
“آه…”
فتحت آيوديل عينيها ببطء، وسط صداع يكاد يشطر رأسها.
حدقت في السقف المزخرف بأوراق الذهب وأزهار الأر نوفو، ثم بجدران مزينة بورود دقيقة، ثم بالستائر الفاخرة المحيطة بالسرير.
لم يكن هذا مكانها.
وبينما ترمش ببطء، عاد إلى ذهنها المشهد الأخير قبل أن تفقد وعيها.
فنهضت جالسة بسرعة.
“دينزل! آااخ…”
كان رأسها يؤلم بشدة، فوضعت يدًا على صدغها وبدأت تنظر حولها.
إنها المرة الأولى التي ترى مكانًا يفوق قصر الدوق جمالًا ورقّة.
والآن فهمت.
قصر الدوق فريا كان مجرد عرضٍ للثروة، مزخرف بأشياء باهظة بلا ذوق.
أما هذا المكان… فكان جماله حقيقيًا.
نزلت من السرير فورًا.
“…هاه؟”
عندها فقط أدركت أن ملابسها تغيّرت.
“ما هذا؟”
ركضت نحو طاولة الزينة ووقفت على الكرسي.
بدا الأمر كأنه حلم.
انعكست في المرآة صورة فتاة ترتدي فستانًا لطيفًا، لا علاقة له بخرقها المتسخة المعتادة.
“هذا… غير ممكن…”
لامست وجهها النظيف الذي اختفى عنه السواد بالكامل.
لكن تعبيرها تبدّل فجأة، وراحت تبحث حول السرير بقلق شديد.
لقد كانت تحتفظ بالرسالة والصورة داخل ملابسها القديمة.
إن اختفت ملابسها، فذلك يعني ضياع كل أدلّة والدها الحقيقي.
“لا… ملابسي…!”
بحثت في كل زاوية من الغرفة، لكن ملابسها الممزقة لم تكن موجودة.
رفعت رأسها نحو الباب المغلق بعينين تكادان تبكيان.
“عليّ إيجاد ملابسي… وعليّ معرفة ما إذا كان دينزل بخير…!”
مهما يكن هذا المكان، فلا بد أن تتحرك.
سارت بخطوات حازمة نحو الباب، ورفعت يدها لتفتح المقبض…
“آه…!”
انفتح الباب قبل أن تمسّه، وكادت تقع على الأرض الرخامية.
‘سأسقط…!’
أغمضت عينيها وهي تشدّ على أنفها خوفًا من الاصطدام.
“لقد استيقظتِ.”
كان صوتًا لطيفًا، شابًّا، دافئًا.
عندها فقط شعرت بيد تمسك بجسدها وتمنع سقوطها، ففتحت عينيها على مصراعيهما.
“أنت…!”
كيف يمكنها أن تنسى هذا الوجه؟
أول مرة رأته، انطبع مظهره في ذهنها كما لو نُقش فيه.
شعرٌ أزرق يشبه البحر كما قرأت في القصص يومًا، وعينان ذهبيتان لامعتان تشبهان عينيها، لكن بطريقة تختلف وتتشابه في آنٍ واحد.
والآن… تلك العينان كانتا تنظران إليها مباشرة.
فتحت فمها مثل سمكة، غير قادرة على النطق.
الذي يقف أمامها الآن هو إمبراطور إمبراطورية كاينيس…
“مرحبًا، آيوديل.”
“ج… جلالة الإمبراطور…؟!”
لأنه كان الإمبراطور نفسه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"