الفصل 75
“ماذااا؟!”
هزّت آيوديل رأسها بقوّة، وكأنها لا تصدّق ما سمعت.
“لا، هذا غير صحيح. إن كانت هناك أعظم امرأة في الإمبراطورية، فلا بدّ أن تكون إحدى أختَيّ، أي تيتيس أو كوردليا، أليس كذلك؟”
فكرة أن تكون هي أعظم امرأة في إمبراطورية كاينيس بدت سخيفة تمامًا.
فهي كلما نظرت إلى وجهي تيتيس وكوردليا بشرود، شعرت أحيانًا بخفقان قلبها، رغم كونهما شقيقتين ومن الجنس نفسه.
“ثم إنهما مخطوبتان أصلًا.”
ابتسم ثيودور بلطف، وسارع إلى متابعة حديثه.
“لهذا السبب كنتُ أرغب بشدّة في الزواج من آيوديل. لكن…”
وانزلق بصره مرورًا بدينزل.
“لكن ذلك لم يكن بسبب ضغط والدتي وحده. لقد كنتُ أفكّر بآيوديل بصدق.”
اتّسعت عينا آيوديل بدهشة.
‘ما الذي يقوله هذا الرجل الآن؟’
لم يمضِ سوى وقت قصير على إدراكها لمشاعرها تجاه دينزل.
وبدأ عقلها، المثقل بما يفوق طاقته، يدور كدوّامة.
“كصديقة.”
لكن ثيودور أطلق ضحكة خفيفة وأضاف:
“في العادة، كثير من النبلاء يتزوّجون بلا حب، ويعيشون كأصدقاء جيّدين.”
“آه…”
عندها فقط تنفّست الصعداء، وابتسمت بابتسامة محرجة.
“آه، أنا ظننتُ…”
‘هل أصابني جنون الأميرات لمجرّد إقامتي في القصر الإمبراطوري؟ ظننتُ أنه سيعترف لي!’
ضحكت آيوديل بخجل، وتركت كلامها يتلاشى في نهايته.
“لذلك كنتُ أنوي اليوم أيضًا أن أطلب منكِ أن تكوني شريكتي، لكن من الجوّ العام… يبدو أن لديكِ شريكًا بالفعل.”
“واو، كيف عرفت؟ في الواقع، دينزل اليوم—”
“أنتما ثنائي رائع حقًا.”
تراجع ثيودور خطوة إلى الوراء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة.
لو كانت دوقة بيلّيتشي هنا، لأمرت بالاستحواذ على آيوديل بغضّ النظر عمّن تحب.
لكنّه لم يكن من طينة تلك المرأة.
‘أليس الحب الحقيقي هو أن تتمنّى سعادة من تحب؟’
تمامًا كما أن من يتمنّى الخير لطفله حقًا، لا يختار حبسه في العليّة، بل يسلك طريقًا آخر.
“سأظلّ دائمًا أشجّع آيوديل. كصديق جيّد، على الدوام.”
ابتسم ثيودور لها ابتسامة مشرقة، ثم تبادل نظرة سريعة مع دينزل.
وكانت تلك النظرة محمّلة بمعانٍ كثيرة.
كانت تحذيرًا مبطّنًا: تراجع خطوة، لكن في المقابل، اجعلها سعيدة.
لأوّل مرة، كاد دينزل أن يبتسم وهو ينظر إلى ثيودور، فتحرّكت زاوية فمه حركة خفيفة بالكاد تُلحظ.
عندها فقط، بدا أن ثيودور قد اطمأن، فأومأ لهما برأسه بخفّة.
“إذًا، سأغادر الآن.”
“آه، اعتنِ بنفسك يا ثيودور.”
أن تكون دوقة بيلّيتشي قد حملت مثل تلك النيّة في قلبها…
لم تكن آيوديل تتوقّع ذلك إطلاقًا، فشعرت ببعض الدهشة، لكن مثل هذه الأمور كانت شائعة بين النبلاء.
‘لم يظهر عليه أيّ شيء من هذا القبيل.’
ومع ذلك، بعد سماع مشاعره الصادقة، لم تشعر بالانزعاج.
راقبت آيوديل ثيودور وهو يغادر، ثم رفعت كتفيها بخفّة.
“مع ذلك، ثيودور صديق رائع فعلًا.”
“صحيح. صديق رائع… صديق.”
شدّد دينزل عمدًا على كلمة صديق وهو يومئ برأسه.
“ما بك اليوم؟ أتمدح ثيودور أيضًا؟”
“اليوم فقط.”
أليس الرجل الحقيقي هو من يعرف متى يتراجع؟
لا اعرف كيف علم بأنني طلبت من آيوديل أن تكون شريكتي، لكن حدسه كان حادًا بشكل مذهل.
وبينما يفكّر في ذلك، ارتفعت زاوية فمه برضا.
“على أيّ حال، سننهمك كثيرًا في الفترة المقبلة.”
تمتمت آيوديل بهذه العبارة ذات المغزى، ثم رفعت فنجان الشاي ببطء.
“وطبعًا، الخادمات سيصبحن مشغولات جدًا أيضًا، أليس كذلك؟”
“ماذا تقصدين؟”
مال دينزل برأسه باستغراب، إذ لم يكن يعلم بعد أن شينيل ودوقة فريا ما زالتا تعملان خادمتين في قصر المجرة.
لم تُجب آيوديل، واكتفت بابتسامة لطيفة.
***
“هيه… هيه…”
“كفّي عن البكاء، أنا متعبة بما فيه الكفاية أصلًا…”
“وما فائدة ركوب العربة عند انتهاء العمل؟ طوال اليوم شقاء، وعندما نعود إلى البيت لا نحصل حتى على حمّام دافئ!”
صرخت شينيل داخل العربة.
أما دوقة فريا، فلم تكن تملك طاقة للرد، فاكتفت بإرخاء جسدها.
المكان الوحيد الذي يمكنها أن تسند جسدها فيه براحة لم يكن القصر الإمبراطوري ولا المنزل، بل هذه العربة.
“انظري إلى هذا! انظري إلى يديّ المتورّمتين! لم أعتنِ بأظافري منذ أسبوعين! وشعري أصبح كالقشّ! لو أمكنني فقط استخدام قارورة من زيت عطري…”
“…اصمتي قليلًا. أرجوكِ!”
لم تحتمل دوقة فريا أكثر، فارتفع صوتها دون قصد.
“حتى لو كان عمرك أحد عشر عامًا، فهذا ليس عمرًا تجهلين فيه أمور الدنيا! لماذا تتصرّفين كطفلة هكذا؟!”
“لكن آيوديل…!”
“وهل آيوديل مثلكِ؟ ثم إنها، على العكس منك، تتصرّف بنضج واضح!”
سخرت دوقة فريا بسخرية مريرة وهي تذكر آيوديل.
فحتى أثناء عمل الخادمات الشاق، كانت آيوديل هي من يحرص على الاهتمام بهنّ.
كانت تعرف مسبقًا، من ميكيرجن، من تكون آيوديل حقًا.
ومع ذلك، كانت تشكّ أحيانًا في أنها قد تكون ابنة غير شرعية أنجبها دوق فريا خارج الزواج.
لكن وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد، لم يعد أمامها سوى الاعتماد عليها.
“كان من المفترض أن تكرهنا، لكن من الذي يوفّر لنا الطعام أو يتيح لنا حتى غسل وجوهنا بماء دافئ؟!”
“ناضجة؟! ناضجة فعلًا؟!”
لكن شينيل ازدادت هيجانًا عند سماع ذلك.
“إنها تنتقم منا الآن!”
أغمضت عينيها بقهر، واستعادت ذكريات الماضي.
كانت آيوديل وصمة دوقية فريا الوحيدة، وكانت تكرهها.
لذلك آذتها، مرارًا وتكرارًا.
ولم تكن وحدها. فجميع خدم الدوقية كانوا يكرهونها ويتواطؤون ضدها.
كان الأب يتظاهر باللامبالاة بينما يعاقبها خفية، وكذلك الأم.
والآن، بعد كل ذلك، أن يتعلّقوا بآيوديل… بدا الأمر، حتى لعينيها ذات الأحد عشر عامًا، ذليلًا ومهينًا.
“كيف لا تفهمين هذا؟!”
“حتى لو كان انتقامًا، ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟”
ضغطت دوقة فريا على صدغيها النابضين وأجابت بصوت منخفض.
“لا بدّ أن تعود أعمال أبيك إلى مسارها أولًا، عندها فقط يمكننا التفكير بأيّ شيء.”
“انتظري لحظة…”
ارتعشت عينا شينيل فجأة وقد عاد إليها وعيها.
“آيوديل ستُقيم حفل ظهورها الاجتماعي في القصر الإمبراطوري، أليس كذلك؟ إذًا… ماذا عن حفلي أنا؟”
“هل هذا وقت حفلات الظهور؟ لا قاعة لدينا ولا مال!”
“هذا مستحيل…!”
كانت ترتجف بعنف، وكأنها كانت واثقة تمامًا من أنها ستقيم حفلها.
“شينيل، أنتِ ما زلتِ في الحادية عشرة.”
“جسدي في التاسعة عشرة! أنا في سنٍّ يسمح بإقامة الحفل أصلًا!”
“لكنّكِ لم تتلقّي التعليم اللازم.”
“لا! إن كانت آيوديل ستقيمه، فسأقيمه أنا أيضًا!”
وفي تلك اللحظة، توقّفت العربة ببطء أمام منزلهم المتهالك.
اندفعت شينيل إلى الداخل مباشرة.
“أبي!”
كان دوق فريا يشغل إحدى الغرفتين، مستخدمًا أداة اتصال كان قد استعارها بصعوبة من الإمبراطور إيغِير، محاولًا التواصل مع هذا وذاك.
“أنتَ تعرف جيدًا مدى براعتي في إدارة الأعمال.”
توسّل عبر الأداة، وفي الوقت نفسه أشار إلى شينيل بوضع سبّابته على شفتيه طالبًا الصمت.
“لذا، لو أمكنك إقراضي خمسمئة ألف… لا، حتى مئة ألف بيلكريل فقط…”
لكن الردّ الذي انتظره لم يأتِ عبر أداة الاتصال.
قطّب حاجبيه بغضب، وألقى بها أرضًا فورًا.
“اللعنة!”
على مدار أسبوع كامل، تواصل مع كلّ من كان مقرّبًا منه سابقًا، لكن بعدما انحازوا جميعًا إلى الإمبراطور، لم يعرض أحد إقراضه قطعة ذهب واحدة.
كان هذا أسوأ توقيت ممكن لتفتح شينيل موضوع حفل الظهور.
ومع ذلك، رفعت صوتها دون أن تراعي حاله.
“أبي!”
“أنا متعب، اخرجي. لا أريد سماع تذمّرك اليوم.”
“لا! عليك أن تسمعني!”
ضربت مكتبه بكلتا يديها ضربة أحدثت صوتًا عاليًا، وتابعت:
“مهما كان الثمن، افتح لي حفل ظهوري هذا العام!”
صرّ ميكيرجن أسنانه بقوّة أمام كلمات شينيل الطفولية التي لا تعرف معنى الواقع.
التعليقات لهذا الفصل " 75"