لكن ذلك الشعر الفضي اللامع، الذي كان بالنسبة لها كخيط نورٍ في الظلام، وتلك العينان الزرقاوان العميقتان المستقيمتان اللتان تنظران إليها… لم يكن من الممكن أن تخطئ في صاحبِهما أبدًا.
تقدّمت آيوديل نحوهم بخطوات بطيئة ومترددة.
ولم تكن هي الوحيدة المصدومة.
فحتى إيغِير، وبقية أفراد العائلة الإمبراطورية، كانوا ينظرون بدهشة إلى الصبي الواقف في مقدمة وفد امبراطورية إليمينتا.
“دينزل…!”
اندفعت آيوديل مباشرة نحوه، وأحاطته بذراعيها بقوة.
تعالت همهمات الناس من حولهما، لكنها لم تعد تسمع شيئًا؛ فدينزل أمامها كان أهم من كل شيء آخر.
“ما الذي حدث؟ كيف… ولماذا أنت هنا أصلًا؟!”
امتلأت عينا آيوديل بالدموع.
راحت تتفحص دينزل من رأسه حتى قدميه، وكأنها لا تصدق ما تراه.
شعره، الذي كان دائمًا أشعثًا، أصبح مرتبًا بعناية، وملابسه كانت مصنوعة من أقمشة فاخرة، تكفي لأن يُصدَّق أنه نبيل دون تردد.
“كيف جئت مع وفد إمبراطورية إليمينتا؟”
سألته مجددًا بوجهٍ لا يزال عاجزًا عن التصديق.
رفع دينزل زاوية فمه بابتسامة لطيفة، ثم جذبها بهدوء إلى حضنه بينما كانت دموعها تنهمر.
“يا لكِ من بكّاءة.”
“أ، أنا لا أبكي!”
مسحت آيوديل دموعها على عجل، فأخرج من جيبه منديلًا نظيفًا وربّت به على وجهها بخفة.
“لا تبكي، يا آي.”
“قلت لك… لست أبكي…”
قالت ذلك وهي تشهق، وتهز رأسها بعناد.
تأمل دينزل ملامحها بعطف، ثم قال بصوت دافئ:
“الآن أستطيع أن أخبرك بكل شيء.”
“ماذا؟”
“سبب اضطراري لتركك.”
“حقًا…؟”
رفعت عينيها نحوه بقلق واضح.
“هل يمكننا التحدث قليلًا؟”
“نعم، بالطبع!”
أسرعت آيوديل إلى إيغِير تطلب الإذن على الفور.
“هل يمكنني أن أذهب للتحدث مع دينزل قليلًا؟”
“…اذهبي.”
حتى بالنسبة له، كان هذا تطورًا غير متوقع.
راقب إيغِير دينزل بعينين ضيقتين، لكنه كان يعلم أن هذا الفتى هو أعز أصدقاء آيوديل، فسمح لها بذلك على مضض.
“هيا!”
أمسكت آيوديل بيد دينزل وسحبته مباشرة إلى إحدى غرف الاستقبال داخل قصر الشمس.
“بيل! أحضري الكثير من ألذّ الحلويات!”
“حسنًا، سيدتي الدوقة الكبرى!”
وبينما هرعت بيل إلى المطبخ، جلس الاثنان متقابلين على الطاولة.
كانت آيوديل تبكي تارةً، ثم تبتسم ابتسامة عريضة تارةً أخرى، وكأن مشاعرها خرجت تمامًا عن السيطرة.
“لم أكن أظن أننا سنلتقي مجددًا بهذه السرعة.”
“قلت لكِ، ما دمتِ هنا… سنلتقي مرة أخرى.”
“صحيح، دينزل لا يكذب عليّ أبدًا!”
عادت بيل ومعها شاي وحلويات تقليدية من إمبراطورية كاينيس.
وكان المشهد مختلفًا تمامًا عن العربة التي جلبت سابقًا كل ما لذّ وطاب من الحلويات دون تمييز.
“أين باقي الحلويات؟ لماذا لم تحضري المزيد؟”
سألتها آيوديل باستغراب.
نظرت بيل نحو دينزل بحرج قبل أن تجيب:
“لأنه حضر بصفته عضوًا في وفد إمبراطورية إليمينتا… والعرف يقتضي تقديم الحلويات التقليدية فقط للوفود الأجنبية…”
“آه…”
“لا بأس، يا آي. هذا يكفي.”
ابتسم دينزل ووضع قطعة بسكويت في فمه.
ومع صوت القرمشة، أنهى القطعة بسرعة.
“هل هي لذيذة؟”
“نعم، لذيذة.”
“بيل، هل يمكنكِ تركنا قليلًا؟”
“بالتأكيد، سيدتي الدوقة الكبرى.”
غادرت بيل الغرفة وهي تجر العربة الفارغة.
وما إن أُغلق الباب، حتى بادرت آيوديل بالسؤال، وكأنها ستقفز من مكانها:
“ما الذي حدث بالضبط؟ كيف أصبحتَ ضمن وفد الامبراطورية؟”
فرحتها برؤيته شيء، وفضولها لمعرفة الحقيقة شيء آخر تمامًا.
عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه بتركيز شديد.
“آي.”
رفع دينزل فنجان الشاي بأناقة.
حدّقت آيوديل فيه دون وعي، وكأنها مسحورة بالمشهد.
فبصفته عبدًا سابقًا، لم يكن من المفترض أن يتعلم آداب النبلاء أو الأمراء.
ومع ذلك، كانت حركاته الآن متقنة على نحو غريب.
“تحدث…”
“أنا… لم أكن عبدًا في الأصل.”
“…ماذا؟”
اتسعت عيناها بصدمة.
إن لم يكن عبدًا، فكيف انتهى به الأمر في سوق العبيد؟
قالت بذهول:
“ما الذي تعنيه؟ كيف لم تكن عبدًا؟”
“السبب الحقيقي لقدومي إلى إمبراطورية كاينيس كان ‘الاستيقاظ’.”
“…ماذا؟”
اهتزت نظراتها بصدمة واضحة.
“أثناء الاستعداد لـ‘الاستيقاظ’، وقعت في أيدي صيّادي البشر، وبِعتُ في سوق العبيد.”
“ك، كيف…؟”
كانت آيوديل تعرف قسوة صيّادي البشر معرفة شخصية.
وفكرة أن دينزل قد وقع في أيديهم ثم انتهى به المطاف عبدًا جعلت قلبها ينقبض ألمًا.
“أنا أعرفهم! إنهم وحشيون ومرعبون! لكن لماذا لم تهرب؟ ألم تكن لديك فرص كثيرة للهروب من دوقية فريا؟”
“ظننت أن ذلك قد يساعدني على ‘الاستيقاظ’ أكثر…”
وضع دينزل فنجانه بهدوء، ثم تابع:
“ولأنكِ كنتِ هناك.”
“أنا…؟”
“لذلك لم أرد الرحيل.”
“بسببي…؟”
مرت أمام عيني آيوديل صور معاناته في دوقية فريا كالشريط السريع.
هي أيضًا عانت طفولة قاسية، لكن ليس بقدر معاناته كعبد.
بينما كانت تُعاقَب أحيانًا، كان هو يُجلد يوميًا حتى يتمزق جلده الرقيق، وغالبًا ما يُحرم من الطعام.
ومع ذلك… لم يغادر، فقط من أجلها.
“لأنكِ أصبحتِ غالية جدًا عليّ.”
شعرت آيوديل بوخز في أنفها، فطأطأت رأسها.
لم تكن تريد أن تبكي أمامه، لكن دموعها خذلتها وانهمرت دون إذن.
“لذلك عدت. إلى هنا.”
“لأجلي؟”
“لأكون معكِ.”
كانت عيناه الصافيتان العميقتان تنظران إليها وحدها.
ذلك النظر كان دائمًا مصدر طمأنينة لها.
انتقلت آيوديل من مقعدها لتجلس بجانبه.
“أنا سعيدة جدًا بلقائك مجددًا. ولديّ أنا أيضًا ما أقوله.”
“تحدثي.”
“في الحقيقة، أنا…”
لم ترد أن تخفي عنه شيئًا.
ابتسمت آيوديل بلطف وأضافت:
“أنا الابنة الحقيقية لجلالة الإمبراطور.”
“…ماذا؟”
“كنت خائفة لأنني مجرد ابنة غير شرعية مزيفة لدوق فريا، لكن عائلتي الحقيقية كانت هي العائلة الإمبراطورية في كاينيس.”
أمسكت بيده برفق.
“لذلك… أستطيع أن أجعلك سعيدًا، دينزل.”
“أليس هذا ما يقوله الرجل للمرأة عادةً؟”
“وما أهمية ذلك؟”
ضحكت آيوديل بخفة، وهي تبتسم لمجرد النظر إلى وجهه.
لكن فجأة، انتبهت إلى شيء غريب، فرفعت حاجبيها ورمشت بسرعة.
“مهلًا…”
كانت هناك حقيقة واحدة تجاهلتها وسط اعترافاته واعترافها.
“قلتَ… ‘الاستيقاظ’؟”
تذكرت حديثها مع كوردليا قبل مجيئها إلى القاعة الكبرى.
— “آه، يبدو أنك لا تعرفين، آيوديل. جميع أفراد العائلة الإمبراطورية في إليمينتا يولدون بطاقة سحرية، ولا تكتمل إلا بعد المرور بمرحلة تُدعى ‘الاستيقاظ’.”
— “حقًا؟ الجميع؟”
— “نعم. ويقال إن الأمير الأصغر الذي سيحضر اليوم قد أيقظ أقوى طاقة سحرية بين أفراد العائلة الإمبراطورية في إليمينتا.”
الاستيقاظ… كان حكرًا على العائلة الإمبراطورية في إليمينتا.
وإذا كان دينزل قد جاء من أجل الاستيقاظ، فهذا يعني—
التعليقات لهذا الفصل " 59"