“أأنا مزيّفة بالنسبة للدوق فريا، لكنني حقيقية بالنسبة لجلالة الإمبراطور؟ كيف يكون ذلك؟”
“لا بد أنكِ تتساءلين كثيرًا، لكن دعينا نعود أولًا.”
عبس إيغِير وهو يعقد ما بين حاجبيه بتعب، وفي الوقت نفسه راح يتفحّص حالة آيوديل بعينيه بسرعة.
كانت آثار التدحرج والسقوط واضحة على جسدها، والجروح المتناثرة هنا وهناك كانت تنزف دمًا.
وقبل كل شيء، لم تكن هذه الغابة مكانًا آمنًا.
قلق عليها، فمدّ يده وكأنه سيحملها في الحال.
“لا.”
لكنها هزّت رأسها بوجهٍ حازم.
“عليّ أن أسمع.”
“……آيوديل.”
“ما معنى كلامك قبل قليل؟ ولماذا أحرقت قصر دوق فريا وتعمّدت افتعال ذلك الحادث؟ وما هو ذلك الكنز الذي قيل إن الدوق فريا سرقه؟ أريد أن أعرف كل شيء.”
“هاه…….”
تسلّل زفيرٌ قصير من بين شفتي إيغِير.
نزع ورقة شجر علقت بشعر آيوديل، ثم خلع سترته وألقاها برفق حول جسدها.
“إذًا، بما أن الطقس بارد، فلنذهب على الأقل حتى العربة. هناك سأخبرك بكل شيء. أقسم لك باسم إمبراطور إمبراطورية كاينيس.”
نظر إليها إيغِير بعينين ثابتتين.
وفي النهاية، أومأت آيوديل برأسها إيماءة صغيرة.
ما إن نال موافقتها حتى حملها بين ذراعيه دفعة واحدة.
شعر، وكأنها أصبحت أخف مما كانت عليه من قبل، فاختنق أنفه بوخزٍ مؤلم، لكنه ابتلع ريقه بصعوبة وتوجّه ببطء نحو العربة المتوقفة عند مدخل الغابة.
“دفّئوا العربة.”
“أمرك، جلالة الإمبراطور.”
أصدر إيغِير أوامره بصوت مهيب للفرسان قبل الصعود، ثم صعد وهو لا يزال يحمل آيوديل، ووضعها برفق داخل العربة.
تقدّمت آيوديل بخطوات متعثّرة وجلست مقابله.
اتجه نظر إيغِير إلى كاحلها المتورّم بشدة.
“ألن نبدأ بالعلاج أولًا؟ هل أنتِ بخير حقًا……؟”
رغم صوته المليء بالقلق، أبقت آيوديل نظرها مثبتًا على الأرض وهمست بهدوء:
“……ما يؤلمني ويُرهقني ليس مثل هذه الجروح.”
عجز إيغِير عن الرد للحظة طويلة.
إنها في العاشرة من عمرها فحسب.
وأن يخرج مثل هذا الكلام من فم طفلة في مثل سنّها، فذلك يعني أن قلبها قد تعفّن وتآكل إلى حدّ لا يحتاج معه إلى شرح.
شعر وكأن قلبه يتمزّق إلى آلاف القطع، فانحنى رأسه إلى الأسفل.
كادت الدموع أن تفيض، لكنه تمالك نفسه؛ فتهدئة قلب آيوديل كانت أهم من ألمه الشخصي.
أخذ إيغِير نفسًا عميقًا وراح يهدّئ اضطراب مشاعره المتلاطمة ببطء.
“……حسنًا.”
ثم رفع رأسه ببطء، ونظر إليها مباشرة.
“لا أملك حقًا ما أقوله لكِ سوى أنني…… أعتذر لكِ من أعماق قلبي. لكنني لا أدري حتى من أين أبدأ الحكاية…….”
“أنا مستعدة للاستماع، جلالة الإمبراطور.”
كانت آيوديل قد شبكت قبضتيها الصغيرتين فوق ركبتيها، وجلست مستقيمة الظهر، تنظر إليه بثبات.
أطلق إيغِير ضحكة خفيفة وارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه.
“أتعلمين أن هناك امرأة واحدة فقط أحببتها في حياتي، وما زلت أحبها حتى الآن؟”
“نعم. والدة سموّ الأمير وسموّ الأميرتين…….”
“صحيح. اسمها روزبيليا.”
روز… بيليا؟
اتّسعت عينا آيوديل بدهشة عند سماع الاسم المألوف.
“أنجبت روزبيليا تيتيس وكوردليا، ثم أنجبت بعدهما طفلة أصغر.”
“ماذا؟ طفلة أخيرة……؟”
“نعم، وتلك الطفلة…….”
ابتسم إيغِير ابتسامة مشرقة، ودموعه تكاد تفيض من عينيه.
“هي أنتِ. آيوديل.”
تجمّد عقلها تمامًا.
إن كانت المرأة التي أحبّها إيغِير، روزبيليا، قد أنجبتها هي، فهذا يعني أنها أميرة حقيقية.
قصة لا يُعقل تصديقها، فبقيت آيوديل متحجّرة في مكانها.
***
“تزوّجيني يا روزبيليا.”
جثا إيغِير على ركبة واحدة، ومدّ نحو روزبيليا علبة صغيرة.
داخل العلبة، كان هناك خاتم ألماسي بحجم قبضة اليد، يشعّ بجمالٍ يخطف الأنفاس لمجرّد النظر إليه.
“هاه.”
لكنها لمحت الخاتم بنظرة عابرة، ثم زفرت وأزاحت شعرها الأحمر إلى الخلف.
التقطت العلبة بإهمال وتوجّهت نحو المكتب، فتحت درجًا داخله.
كان الدرج ممتلئًا بعلب خواتم بألوان مختلفة.
“إلى متى ستستمر في التقدّم لي؟ لدينا بالفعل ثلاثة أطفال، يا إيغِير.”
“إلى أن تقبلي.”
قالها وهو ينهض من مكانه بابتسامة واسعة.
جلست روزبيليا أمام المكتب وربطت شعرها الكثيف الجميل إلى الأعلى.
“وهل الزواج أمر لا بدّ منه فعلًا؟”
لم يستطع إيغِير أن يبعد نظره عنها، وجذب كرسيًا وجلس قبالتها.
“لو كنتُ رجلًا عاديًا، لما كان ضروريًا. لكنني لا أستطيع ترك منصب الإمبراطورة شاغرًا.”
“ومنصب سيدة برج السحر يمكن تركه شاغرًا؟”
“لمَ لا تكونين سيدة برج السحر والإمبراطورة معًا؟”
“أليست هذه في الحقيقة محاولة لجعل سيدة برج السحر إمبراطورة لتثبيت السلطة الإمبراطورية؟ أليس كذلك، جلالة الإمبراطور؟”
“همم، أأبدو لكِ شخصًا ماكرًا إلى هذا الحد؟”
“وإن لم تكن كذلك؟”
قالت وهي تسند ذقنها بكلتا يديها، وتنظر إليه بنظرة ماكرة ساخرة.
“برأيك، لماذا أنجبتُ ثلاثة أطفال بالفعل؟ بفضل من كان يزعجني كل ليلة، برأيك؟”
“تزعجك؟ كنت أظن أنكِ تحبين ذلك.”
“همف.”
ضحكت روزبيليا بخفة وأخرجت بعض الوثائق لتراجعها.
“روزبيليا.”
خالف إيغِير خفّته السابقة، وخفّض صوته بجدية.
“لن أطلب منكِ التخلي عن منصب سيدة برج السحر، ولا عن حلمك. فأنا أحترمك. لكن…… لدينا أطفال. وبسبب رغبتكِ في إبقاء علاقتنا سرية، لم نستطع حتى الآن إعلان وجود أطفالنا للعالم…….”
رفعت روزبيليا رأسها ببطء عند سماع صوته الخافت.
“وأنتِ تعرفين أيضًا أن حلمي كان أن أعيش مع من أحب. أليس كذلك يا روز؟”
“……صحيح.”
أضافت وكأنها تمزح:
“لولا ذلك، لما قال الناس إن الإمبراطور يفكّر حتى في تجهيز بيت الزوجية داخل برج السحر.”
“هذا ما أقصده، يا روز. أريد أن أراكِ كل صباح عندما أفتح عيني.”
مدّ إيغِير يده وأمسك بيدها.
“حتى لو تحملتُ كل المتاعب، أريد أن أكون معك كل يوم. وكذلك أطفالنا.”
“مهلًا.”
هزّت روزبيليا رأسها نفيًا.
“يبدو أنك نسيت، لكنني سيدة برج السحر. أستطيع الانتقال بين القصر الإمبراطوري وبرج السحر في طرفة عين، إن امتلكتُ ذرة مانا واحدة.”
“……هذا صحيح، لكنني لا أريدك أن تهدري قواكِ السحرية بهذه الطريقة.”
“هاه.”
نهضت وهي لا تزال ممسكة بيده.
ثم دارت حول المكتب وجلست على ركبتيه.
“حسنًا.”
“هاه؟”
“سأتزوّجك.”
“ح، حقًا؟ حقًا؟!”
“لكن بشرط.”
وضعت روزبيليا إصبعها السبّابة على شفتيه، وقد بدا وكأنه سيفرح بجنون.
“إن رُزقنا بطفل آخر.”
“……وهل هذا شرط صعب؟”
“سأعتبره مشيئة السماء وأتقبّله.”
ارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيها.
لكن روزبيليا في ذلك الوقت لم تكن تعلم—
أنها بعد أسبوعين فقط، ستكتشف وجود حياة جديدة تنمو في أحشائها.
التعليقات لهذا الفصل " 50"