الفصل 49
‘ماذا أفعل……!’
أغمضت آيوديل عينيها بإحكام.
وفي تلك اللحظة، انزاحت أوراق الشجر الجافة التي كانت قد كدّستها عند مدخل التجويف دفعةً واحدة.
“هاه؟ قلتُ من تكون، فإذا بها طفلة؟”
فتحت آيوديل عينيها ببطء.
كانت قد توقعت بطبيعة الحال أن ترى فارسًا يرتدي زي فرسان إمبراطورية كاينيس، لكن عينيها أخذتا ترتجفان حين وقع بصرها على من أمامها.
“هل ضللتِ الطريق؟”
نبرة صوته بدت ودودة، لكن ملامحه لم تكن كذلك أبدًا.
انتقلت نظراتها إلى وجوههم.
رجال بلحى كثيفة، وملامح قاسية، ووجوه مليئة بالندوب.
وجوه تبعث الخوف حتى فيمن لا يحمل أي أحكام مسبقة.
ومن دون أن تشعر، صرخت آيوديل واندفعت خارج التجويف.
“آآاه!”
“أوه، أخفتِني.”
سخر الرجل وهو يراقب ظهر آيوديل الصغيرة وهي تهرب بخطوات قصيرة، ثم مدّ يده إلى خصره وأخرج فأسًا.
“أمسكوها.”
وبأمره، اندفع رجالٌ صغار السنّ، يبدو أنهم أتباعه، نحوها دفعةً واحدة.
ركضت آيوديل من دون أن تلتفت خلفها.
لكن قواها كانت قد استُنزفت تمامًا، ولم يبقَ في جسدها لا طاقة ولا مانا.
وللأسف، لم تمضِ مسافة طويلة حتى خانتها ساقاها.
“آه!”
تدحرج جسدها على أرض الغابة.
التراب والحجارة الحادة شوّهت وجهها في لحظات.
كانت تشعر بألم نابض في كل أنحاء جسدها من كثرة الجروح والارتطام، ثم فجأة رُفع جسدها إلى الأعلى.
“أنتِ… ساحرة، أليس كذلك؟”
راحت آيوديل تتخبط محاولة الإفلات.
“لا!”
“كفى كذبًا. وجدنا أثر مانا غريبًا في مكان مهجور، فتبعناه.”
أمسك الرجل بقفا عنقها، وأخذ يتفحّص ملابسها ببطء، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة.
“من ملابسك، يبدو أنكِ عبدة هاربة من أحد النبلاء، أليس كذلك؟”
“لم أهرب!”
“هممم، لا يهم. على أي حال…….”
عضّت آيوديل شفتيها بقوة، ونظرت إليه بعينين مرتجفتين.
“الأطفال الذين يولدون بموهبة سحرية يُباعون بثمنٍ عالٍ في السوق السوداء. وما دام وقعتِ في يدي، فأنتِ ملكي. أليس كذلك يا أولاد؟!”
“بالطبع، أيها الزعيم!”
“لنأخذها ونبيعها فورًا!”
وعند سماع كلماتهم، ارتسمت الصدمة على وجهها.
“شكرًا لكِ، أيتها الصغيرة. بفضلك سنتخم الليلة. هاهاها!”
― في الليل، يجوب صيّادو البشر الطرقات. لذا لا تفكري في التجوال، وابقَي مختبئةً بهدوء.
تذكّرت آيوديل كلمات الدوق فريا التي قالها لها ذات يوم.
كانت تظن أنه قالها فقط لتخويفها، لكنها لم تتخيل يومًا أن يوجد أناس يصطادون البشر حقًا ويبيعونهم في السوق السوداء.
لو كانت تعلم أن الأمر سيؤول إلى هذا، لربما كان انكشاف كونها مزيّفة وقطع رأسها في القصر الإمبراطوري أهون.
لم تكن تريد أن تبكي بدافع الكرامة، لكن الدموع انسابت من عينيها بلا إرادة.
ومع ذلك، لم ترغب في الاستسلام.
“اصطدتَ سمكةً كبيرة حقًا، أيها الزعيم!”
“لهذا أقول لكم، لا تتجاهلوا أي أثر صغير. مفهوم؟ ثم إن وجهها جميل نوعًا ما، لا يقل سعرها عن مئة ألف بيلكريل…….”
لمعت عيناها الذهبيتان كبريق وحشي.
وبينما انشغل الرجال بالابتهاج بما ظنّوه صيدًا ثمينًا، عضّت آيوديل يد الرجل الذي كان يمسكها بكل قوتها.
“آآاه!”
شقّ صراخه الحاد سكون الغابة.
أفلتها الرجل غريزيًا، وراح يهزّ يده المعضوضة بعصبية.
“تبا، صغيرة الحجم لكنها شرسة.”
لكن للأسف، لم يكن ذلك سوى مقاومة يائسة بلا جدوى.
لم تمضِ لحظات حتى أمسك بها رجاله مجددًا.
“لا مفرّ.”
اقترب منها الرجل وهو ينفخ الهواء على يده المتورمة.
“بما أنكِ ساحرة، فلن يضيرك إن فقدتِ يدًا واحدة.”
رفع زاوية فمه مائلًا، ولوّح بالفأس بعبث.
“ا، ابتعد! ابتعد عني!”
صرخت متظاهرة بالقوة حتى اللحظة الأخيرة، لكن بلا طاقة ولا مانا، لم تكن سوى طفلة عاجزة.
“هيا، من يريد هذه اليد الصغيرة اللطيفة؟”
ضحك بخبث، ثم رفع الفأس عاليًا.
وفي اللحظة التي كاد فيها الفأس يهبط على يد آيوديل، التي أغمضت عينيها بإحكام—
حلّ سكون مفاجئ في الغابة، بدلًا من الألم الذي كان ينبغي أن تشعر به.
ارتجف كتفاها، وحاولت فتح عينيها.
وفي تلك اللحظة—
“……آيوديل.”
غمرت يدٌ كبيرة ودافئة عينيها.
صوت مألوف… لكنه بدا غريبًا في الوقت ذاته.
أزاحت آيوديل اليد فورًا.
“……جلالة الإمبراطور.”
استدارت بسرعة ونظرت حولها.
كان صيّادو البشر الذين حاولوا خطفها وبيعها جميعًا صرعى على أيدي فرسان الإمبراطور.
نظرت آيوديل إلى إيغِير بعينين لم يزُل عنهما الخوف.
بالنسبة لها الآن، لم يكن مختلفًا عن أولئك الصيادين.
“قلتُ لك… لا تقتلني.”
“ولمَ قد أقتلكِ؟”
“وقلتُ أيضًا… لا تبحثوا عني.”
“هذا الطلب وحده لم أستطع تلبيته.”
وبقلبٍ مضطرب، دفعت إيغِير فجأة وركضت مبتعدة.
“أرجوك، اتركني وشأني!”
لكنها لم تبتعد كثيرًا حتى تمايلت وسقطت.
“آيوديل!”
أسرع إيغِير إليها وأمسك بها.
“لا! لا أريد!”
قاومت بكل ما تبقّى لديها محاولة الإفلات من بين ذراعيه.
“آيوديل، أرجوكِ!”
“أنا الآن أعرف كل شيء!”
صرخت آيوديل والدموع تترقرق في عينيها.
“أنت من أحرقت القصر، وأنت من جعلت الدوق فريا على تلك الحال!”
“……ولهذا هربتِ؟”
سألها بوجهٍ مجروح.
“رغم أن الدوق فريا لم يكن أبًا صالحًا لكِ؟”
فتحت فمها ببطء عند سؤاله.
إذًا، كان الإمبراطور يعلم كل شيء منذ البداية.
يعلم أنها لم يُعترف بها، ويعلم كيف عاشت، وبأي حال.
انتهى كل شيء.
الآن، بعد أن خدعته، ستُقتل على يد تلك اليد التي كانت تمسح على شعرها دائمًا بحنان.
وباستسلامٍ جعلها تبدو باردة على غير عادتها، قالت بصوت منخفض:
“كنت تعلم كيف كانوا يعاملونني هناك.”
“……نعم.”
“إذًا…….”
ابتسمت بسخرية خفيفة وتابعت:
“كنت تعلم أيضًا أنني مزيّفة؟”
“……ماذا؟”
اهتزّت عينا إيغِير كما لو عصفت بهما ريح.
وكأنها كانت تتوقع هذا الرد، قالت آيوديل ببرود:
“أنا مزيّفة. كنتُ ابنة غير شرعية، وعشتُ أسوأ من الخادمة… وحتى هذا كان كذبًا.”
انهمرت الدموع مجددًا على وجنتيها.
قبل قليل، حين واجهت صيّادي البشر، ظنّت أن الموت على يد الإمبراطور أهون.
لكن حين رأته، شعرت وكأن قلبها يتشقق إربًا.
ليتها تركت نفسها تُؤخذ.
على الأقل، لما رأت ذلك التعبير الدافئ الذي اعتاد النظر إليها به، وهو يتشوّه هكذا.
أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة وقالت بتهكم:
“هل كنت تعلم ذلك أيضًا؟”
“كيف… كيف عرفتِ هذا أصلًا؟”
من ردّ فعله، بدا واضحًا أنه لم يكن يعلم.
مسحت آيوديل دموعها بخشونة، وهمست:
“المرأة التي كانت تُدعى أمي… هي من أخبرتني.”
“أمكِ؟”
“اسمها روز، و…….”
“آيوديل!”
وقبل أن تُكمل، أمسك إيغِير كتفيها بقوة.
عقدت حاجبيها أكثر، وحدّقت فيه بعناد.
كان وجهه على وشك الانهيار، ثم قال بصوتٍ متهدّج:
“نعم. كنتِ مزيّفة بالنسبة للدوق فريا. لكن بالنسبة لي…….”
وانسابت دمعة واحدة من عينه.
“أنتِ حقيقية.”
مزيّفة للدوق فريا، لكنها حقيقية للإمبراطور.
ما معنى هذا كله بحق السماء؟
التعليقات لهذا الفصل " 49"