الفصل 44
“إع… إعدام؟”
“نعم. فجريمة ‘إهانة العائلة الإمبراطورية’ وُضعت أصلًا لتعزيز السلطة الإمبراطورية في كاينيس.”
أضافت دوقة بليتشي الشرح بنبرة خفيفة.
ارتجفت رموش آيوديل من شدة الصدمة.
لم تكن تعلم أصلًا بوجود جريمة تُسمّى ‘إهانة العائلة الإمبراطورية’، ولم تكن تدري أن ذنبًا ضئيلًا قد يفضي إلى الإعدام.
“إذًا… لو افترضنا…”
سألت بصوت مرتجف بالكاد يخرج.
“لو ارتكب المرء كذبة صغيرة جدًا… ماذا يحدث حينها؟”
“كذبة؟”
حدّقت دوقة بليتشي في آيوديل وكأنها تتساءل عن سبب سؤالها هذا.
ثم فتحت فمها بلا اكتراث يُذكر.
“يختلف الأمر حسب نوع الكذبة، لكن إن كانت من النوع الذي يخدع جلالة الإمبراطور…”
ابتلعت آيوديل ريقها بصعوبة، وتابعت الدوقة بليتشي ببرود:
“فسيُقطع رأسه.”
كادت شهقة أن تفلت منها، لكنها ضغطت شفتيها بقوة.
“حسنًا، لننتقل إلى الدرس التالي.”
قالت دوقة بليتشي ذلك وهي ترفع نظارتها وتقلب الصفحة.
ومن دون أن تشعر بمرور الوقت، بقيت آيوديل جالسة شاردة حتى انتهى الدرس.
***
“هاه…”
بحجة أن صحتها ليست على ما يرام، حبست نفسها داخل الغرفة.
وأعطت ديماري وبيل مصروف الطريق، وألحّت عليهما أن يخرجا للاستمتاع بالمهرجان.
فالعاصمة بأسرها كانت غارقة في أجواء الاحتفال، ولم يكن من المنطقي أن تجبرهما على البقاء معها.
جلست على السرير تعانق ركبتيها، ثم أطلقت زفرة طويلة وأسقطت رأسها.
‘كان يجب أن لا أكذب من البداية. كان عليّ أن أقول بصراحة إنني تلقيت تلك الرسالة…!’
عجزت عن التفكير، فتبددت القوة من جسدها كله.
وفي خضم ذلك، اندفعت موجة من الغضب داخلها.
‘هل يولد أحد وهو يريد أن يكون مزيّفًا؟’
لمعت عيناها الذهبيتان بحدّة تشبه عيني قط.
رفعت آيوديل رأسها فجأة وعبست ملامحها بقسوة.
حتى عندما كانت تُعدّ لقيطة، لم تتلقَّ معاملة طيبة واحدة في دوقية الجد.
فهل يُعقل أن يكون نيلها معاملة أفضل قليلًا هنا جريمة تستحق الإعدام؟
‘حتى أنا لم أكتشف أنني مزيّفة إلا متأخرًا. لم تُتح لي فرصة لقول الحقيقة أصلًا.’
احمرّت عيناها وهي تحاول تبرير الأمر لنفسها.
فركت آيوديل عينيها بعصبية.
‘حسنًا.’
ثم نهضت فجأة من السرير وهي تشهق.
‘سأقول الحقيقة. سأقول إنني…’
عضّت شفتيها بقوة حتى كادت تنزف، وهمست:
“مزيّفة.”
وفي تلك اللحظة، بدأت صور ما نالته داخل القصر الإمبراطوري تتدفق إلى ذهنها واحدة تلو الأخرى.
أنا التي لم أكن أفرّق سوى بين ألوان الأحجار الكريمة، أصبحت أعرف الآن أيّها الأعلى جودة وأيّها الأغلى ثمنًا.
أنا التي كنت ألتقط الملابس التي ترميها الخادمات بعد ترقيعها، أصبحت أعرف أي بوتيك في العاصمة هو الأكثر رواجًا.
أنا التي كنت أسرق الطعام الفاسد من المطبخ، أصبحت أتناول ثلاث وجبات يوميًا من أطيب الأطعمة المصنوعة بأجود المكونات.
لكن أكثر ما أسعدها على الإطلاق…
أناس نادوها بـ”العائلة”.
شدّت قبضتيها وهي تكاد تبكي.
‘لا تطمعي. فهذه الأشياء لم تكن لكِ من البداية.’
كيف لا يطمع الإنسان؟ ذلك أمر طبيعي.
لكنها لم تكن تستطيع أن تعيش وهي ترزح تحت خوف دائم من الإعدام.
‘لو قلت الحقيقة بصراحة، ربما يتغاضون. على الأقل سيتجنبون الإعدام. نعم… أنا ما زلت في العاشرة. ربما يكتفون بطردي فقط؟’
وبأمل ضئيل، فتحت آيوديل درج المكتب.
كان بداخله كيس عملات ذهبية جمعتها من بيع المجوهرات والفساتين.
‘أخذ هذا القدر لن يلاحظه أحد. الجميع هنا أثرياء.’
أخفت كيس الذهب بإحكام داخل ملابسها.
كان عليها أن تستعد للطرد الوشيك.
“هوف…”
بخطوات متيبّسة، بدأت تتجه نحو قصر الشمس.
وبسبب المهرجان الكبير المقام في العاصمة، لم يبقَ في القصر الإمبراطوري سوى الحد الأدنى من الخدم والفرسان.
ولم يكن تيودور موجودًا هو الآخر.
سارت آيوديل ببطء نحو قصر الشمس.
وحسن الحظ، وصلت إلى باب مكتب الإمبراطور دون أن تصادف أحدًا، فأخرجت أنفاسها المرتجفة ببطء.
وفي اللحظة التي همّت فيها بفتح المقبض، لاحظت أن الباب موارب قليلًا.
‘هم؟’
وعند الإصغاء، كانت أصوات جميع أفراد العائلة الإمبراطورية تتسرّب من الداخل.
‘لهذا لم يكن هناك أحد في قصر المجرة… لماذا اجتمعوا جميعًا هنا؟’
لو أخبرتهم بأنها مزيّفة، أي تعبير سيظهر على وجوههم؟
رغم أن الكذب صدر منها، لم تكن تملك الشجاعة لمواجهة نظرات ازدرائهم.
‘هل… أعود فحسب؟’
رغم عزمها الصادق على قول الحقيقة، تهدلت كتفا آيوديل.
بدأ جسدها كله يرتجف، وتسارعت أنفاسها.
هنا فقط، أمام هذا المكتب، أدركت الحقيقة.
إنها لا تريد مغادرة القصر الإمبراطوري أبدًا.
انخفض رأسها بوجه كاد ينفجر بالبكاء.
وانهمرت الدموع من عينيها الذهبيتين واحدة تلو الأخرى.
كانت تريد أن تثق بهم، لكنها كانت تشك وتحذر نفسها عمدًا بدافع الخوف.
لكنها أدركت الآن فقط…
أنها كانت تثق بهم بالفعل.
لم تعد تحتاج إلى الجواهر ولا إلى الفساتين.
ما كانت تحتاجه حقًا هو عائلة دافئة ومتآلفة.
‘لا أريد أن أفقدهم…’
عندما فكّرت في الأيام التي كانت مليئة بالقلق، لكنها سعيدة، لم تستطع فتح فمها.
فمن ذاق شيئًا مرة، يعجز عن التخلي عنه.
غطّت فمها بيدها خشية أن يخرج صوت بكائها.
‘غبية… لا أفعل سوى البكاء…’
مسحت دموعها بعجلة، لكن الدموع التي انفجرت لم تهدأ.
إن كان مجرد التخيل يجرّ الدموع هكذا، فكيف لها أن تنطق بالحقيقة؟
وفي النهاية، تخلّت عن قرارها بقول الحقيقة اليوم، واستدارت لتغادر.
لكن في تلك اللحظة—
“إذًا، هل اطّلعتم على ذكريات الدوق فريا؟”
“ما زلنا نحاول، لكن الأمر صعب. لا بدّ أنه وضع هو الآخر آلية حماية.”
الدوق فريا؟
توقّفت آيوديل التي كانت تستدير، وعادت نحو الباب.
“علينا أن نجدها سريعًا. لا نعلم ماذا أخفى ذلك الوغد أيضًا.”
كان صوت بلوتو باردًا إلى حد لا يُصدّق، مختلفًا تمامًا عن نبرته اللطيفة المعتادة معها.
ارتعش جسدها وهي تصغي للكلمات المتسرّبة من الشق.
“لم يخبر حتى زوجته وابنته بالحقيقة. لو فعل، لكان الأمر أسهل قليلًا.”
“ألا يمكننا قتلهم جميعًا ببساطة؟”
“صحيح. لماذا تُبقونهم أحياء أصلًا؟ لا أطيق رؤيتهم.”
لم يكن بلوتو وحده من يتفوه بكلمات مرعبة كهذه.
حتى تيتيس وكوردليا كانتا تتحدثان عن قتل الدوق فريا.
كانت تعلم أنهما تحملان مشاعر سيئة تجاه عائلة الدوق، لكنها لم تتخيل قط أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
عضّت آيوديل على أسنانها بقوة.
ثم تدفّق صوت إيغِير الهادئ.
“لا. إن أردنا ما نبحث عنه، فنحن بحاجة إلى الدوق فريا. علينا فكّ ختم الذكريات الآن، بينما هو فاقد للوعي وضعيف. عندها فقط…”
ومن خلال الشق، رأت انحناءة فمه ترتسم ببطء.
“يكون لما فعلناه من حادث العربة، وإحراق دوقية فريا، معنى، أليس كذلك؟”
وعند تلك الابتسام الخسيس، اندفعت آيوديل تركض بأقصى ما لديها نحو قصر المجرة.
التعليقات لهذا الفصل " 44"