شدّت آيوديل كمّ إيغِير برفق، وملامح الدهشة واضحة على وجهها.
ابتسم لها ابتسامة لطيفة وهمس بصوت خافت:
“لم أضع خطةً محددة بعد. ولا بدّ من أخذ موافقتكِ أيضًا. لكن…….”
وفي لحظة، لمع بريق حاد في عيني إيغِير.
“لا يمكننا أن نمنحهم الفريسة التي يتوقون إليها.”
ارتعشت رموش آيوديل فور فهمها لكلامه.
‘كما توقعت… الإمبراطور فعلًا…’
ليس شخصًا يمكن الاستهانة به.
لا تستطيع الجزم إن كان يفعل ذلك حقًا من أجلها، أم أنه مجرد تصريح عابر، لكن إيغِير كان يستغل حتى هذا الموقف لصالحه، حين طرح مسألة ‘الابنة بالتبنّي’ علنًا.
“أتقصد تسليم اللقب لطفلةٍ صغيرة كهذه؟!”
“وهل يمكنني أن أستمر في الوصاية إلى الأبد؟”
“طـ، طبعًا لا، جلالتك! لكن هناك بالغين قادرين على تولّي الأمر على نحوٍ أفضل…!”
ابتسم الضابط ابتسامةً ذليلة، وكانت عيناه اللامعتان ممتلئتين بالطمع والجشع.
حينها، امتدّ نظر إيغِير جانبًا ببرود.
ارتجف الضابط وأطبق فمه فورًا.
“هل يجرؤ بارونٌ تابع لدوقٍ فحسب…….”
العينان الذهبيتان اللتان لم تكن آيوديل ترى فيهما سوى الدفء، تلألأتا ببرودة قاتلة.
“ليس فقط قاطعتَ كلام الإمبراطور، بل تطمع فيما هو فوق الدوق؟”
“أ، أنا لم أقصد ذلك، إنما كنتُ قلقًا فقط……!”
“ليكن قلقك قلقًا فحسب.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
“لأنني لا أعلم كيف سأتصرف إن تحوّل ذلك القلق إلى طمع.”
كان يبتسم، لكن عينيه كانتا واضحتين تمامًا في معناهما: الطرد.
تلعثم الضابط، ثم انحنى بعمق مؤديًا التحية، وفرّ هاربًا خارج القاعة.
“يا للعجب.”
ومع الأجواء المتوترة قليلًا، أرخى إيغِير تعابير وجهه وخاطب الحضور:
“لا شك أنكم جميعًا جئتم لتهنئة الدوقة الكبرى بصدق، فأتمنى أن تستمتعوا بالحفلة.”
“عيد ميلاد سعيد، سيدتي الدوقة الكبرى!”
“نبارك لكِ!”
ما إن انتهى الإمبراطور من حديثه حتى انهالت عبارات التهنئة من كل صوب.
لم يسبق لآيوديل أن تلقت هذا الكم من التهاني من قبل.
شعرت بنشوةٍ يصعب وصفها، فقبضت على يديها بإحكام.
لو كان دينزل معها الآن، كم كان ذلك سيجعلها سعيدة.
كادت الكآبة تطفو على ملامحها، لكنها تماسكت، وأدّت التحية للحضور الذين صفقوا لها.
كانت آيوديل، وهي تمسك بطرف فستانها وتنحني بخفة، دوقةً كبرى بكل ما للكلمة من معنى.
‘نعم… الآن على الأقل……’
رفعت زاوية فمها بتصنّع لطيف، وفي تلك اللحظة اقترب منها أحدهم.
“سيدتي الدوقة الكبرى.”
“آه، اللورد بيلّيتشي.”
رحّبت آيوديل بتيودور الذي اقترب منها حتى كاد يلاصقها.
كان يُخفي شيئًا خلف ظهره ويتردّد بوضوح.
“شكرًا لقدومك إلى الحفلة.”
ابتسمت له آيوديل بترحاب.
حدّق بها لوهلة، ثم تنحنح بخفة وقدّم لها ما كان يُخفيه بحذر.
“هذا هو……؟”
أمالت رأسها باستغراب.
“هدية عيد ميلاد، سيدتي الدوقة الكبرى.”
ابتسم تيودور بخجل.
احمرّت وجوه الفتيات النبيلات من حولهما كالتفاح.
راقبت آيوديل ردود أفعالهنّ بابتسامةٍ مسلّية، ثم أعادت بصرها إلى الهدية.
“هدية؟ لمَ كل هذا……”
مسحت مؤخرة عنقها بحرج وتسلّمت العلبة.
كانت تشعر بالذنب تجاه تيودور أصلًا، فزاد إحراجها حين تلقت هديةً منه.
“هل تودّين فتحها؟”
“آه، نعم.”
وبإلحاحه، بدأت آيوديل تفكّ الشريط المعقود بعناية.
انزلق الشريط الذهبي، الذي يشبه لون عينيها، إلى الأرض برفق.
فتحت العلبة بحذر.
في داخلها، كانت هناك مشبك شعر على هيئة زهرة أقحوان، مصنوع بعناية من الجواهر.
“هذا……”
“زهرة الأقحوان إحدى رموز دوقية بيلّيتشي. استخدمتُ الألماس الأصفر والألماس الأبيض لصنع هذا المشبك.”
“معناه جميل، وهو رائع للغاية.”
“إن لم يكن في ذلك تجاوز، هل تسمحين لي أن أضعه لكِ؟”
“……ماذا؟”
تلاقت عيناها المرتبكتان مع عيني تيودور.
ابتسمت آيوديل ابتسامة متكلفة، وهي تشعر بنظرات من حولها.
الجميع كان يبتسم، لكن خلف تلك الابتسامات كانت هناك غيرة وإعجاب مختلطان.
‘لا أريد أن أخلق أعداء.’
كانت حياتها في القصر الإمبراطوري مرهقة بما يكفي، وهي تخفي كونها مزيفة. لم يكن بوسعها إضافة خصومات جديدة.
همّت بالرفض وهي تبتسم له.
لكن عينيه كانتا تلمعان كجروٍ ينظر إلى صاحبه.
‘دينزل أيضًا… كان ينظر إليّ بهذه العينين كلما أراد شيئًا.’
وبمجرد أن خطر دينزل ببالها، لم تستطع إخراج كلمات الرفض.
“……حسنًا. إذن……”
“إنه لشرف لي، سيدتي الدوقة الكبرى.”
ابتسم تيودور بلطف، وأخرج المشبك من العلبة بعناية.
ثم اقترب منها كثيرًا.
وقفت آيوديل بهدوء تنتظر منه أن يضع المشبك في شعرها.
على الرغم من تقارب العمر بينهما، كان تيودور أطول منها برأسٍ كامل.
نظرت إليه وهو يتحرّك فوق رأسها.
‘وسيم فعلًا… لا عجب أن الفتيات يتفاعلن هكذا.’
راحت تتأمل رموشه الذهبية اللامعة، وكأنها مصبوبة من ذهبٍ مصهور.
كانت طويلة على نحوٍ يصعب تصديقه بالنسبة لفتى.
‘دينزل أيضًا… كانت رموشه طويلة هكذا.’
كلما نظرت إلى تيودور، تذكّرت دينزل بلا سبب.
“انتهيت.”
ابتعد عنها وقد احمرّت أذناه.
“آه، شكرًا لك…….”
كان لون شعر آيوديل ومشبك الأقحوان متناغمين بشكلٍ جميل.
لكن ما إن رآه الناس حتى بدأ الهمس ينتشر.
‘ما هذا……؟’
وقبل أن تنبس بشفتيها متسائلة عن تغيّر الأجواء، اقترب بلوتو منها سريعًا، بعدما أنهى تحية الآخرين.
“آيوديل.”
“آه، بلوتو…….”
“هل تشاركينني أول رقصةٍ هذا المساء؟”
مدّ يده إليها بأناقة.
ألقت آيوديل نظرة سريعة على تيودور.
أومأ برأسه بخفة وتراجع خطوة.
“هيا.”
توجّها معًا إلى وسط القاعة.
وسرعان ما انطلقت موسيقى فالس بطيئة تناسب مستواها في الرقص.
كانت هذه المرة الأولى التي ترقص فيها علنًا أمام هذا العدد من الناس، فتقدّمت بخطوات مترددة.
“لا داعي للتوتر.”
قال بلوتو بصوت منخفض، كأنه قرأ أفكارها.
“لكل شخص بدايته. أنتِ مجرد فتاة ما زال أمامها الكثير لتنمو.”
ومع نبرته اللطيفة، بدأت كتفاها المشدودتان بالاسترخاء.
“……شكرًا لك.”
احمرّ خدّا آيوديل وهي تشكره بصوتٍ خافت.
كلما تلقت مساعدة من إيغِير أو بلوتو أو تيتيس أو كوردليا، كان قلبها يخفق بشكلٍ غريب.
“ترقصين جيدًا.”
“لأنك تقودني جيدًا.”
ما إن انتهت الموسيقى حتى انحنى الاثنان بخفة تجاه بعضهما.
“آيوديل.”
“نعم؟”
“ذلك المشبك……”
وقبل أن يُكمل كلامه، اندفع أحدهم إلى مجال رؤيتها واندفعت مجموعة من الفتيات نحو بلوتو.
“الأمير بلوتو!”
في لحظة، أحاطت به النبيلات.
تراجعت آيوديل إلى الخلف بلا قصد، تنظر بدهشة إلى الفتيات اللواتي التففن حوله.
‘شعبيته هائلة فعلًا.’
الفتيات اللواتي يطمحن إلى موقعٍ بجانبه، في ظل عدم وجود خطيبة له، كنّ يتشبثن به كأنهنّ في صراع.
ابتسمت آيوديل بسخرية خفيفة وهزّت رأسها.
وفي تلك اللحظة، ركضت ديماري نحوها وأمسكت بيدها هامسة:
“سيدتي الدوقة الكبرى! من فضلكِ، تعالي معي قليلًا……!”
“هاه؟”
سحبتها ديماري خارج القاعة.
وما إن دخلتا غرفة الاستقبال المعدّة للضيوف، حتى حدّقت ديماري في مشبك الشعر بعينين مرتجفتين.
التعليقات لهذا الفصل " 41"