الفصل 31
“من الذي… سيحميكِ؟”
“هاه؟”
لم تفهم آيوديل تغيّر ملامح دينزل، فأمالت رأسها باستغراب وأجابت.
“السير بيلّيتشي.”
“…ولِمَ؟”
لم تستوعب معنى سؤاله، فاكتفت بالنظر إليه بصمت.
كان جبينه، الذي لا يعرف تغيّر التعابير عادة، متجعّدًا قليلًا على نحوٍ غريب.
“لماذا؟ قلتُ لك يا دينزل. السير بيلّيتشي هو الحارس الذي عيّنه لي جلالة الإمبراطور…”
“هل تعرفين ماذا يعني وجود فارس حراسة لأفراد العائلة الإمبراطورية، يا آي؟”
رفع دينزل نبرة صوته وكأنه يستجوبها.
“هاه؟ ماذا تقصد؟”
ألقت آيوديل نظرة سريعة على ثيودور الذي كان يتبعها من الخلف، ثم خفّضت صوتها.
“ماذا تعني بذلك؟”
“عادةً، حراسة أفراد العائلة الإمبراطورية، وخصوصًا النساء، لها معنى مختلف. تعني أن الإمبراطور قد اختار شريك زواج.”
“…ماذا؟”
ارتفع صوتها دون أن تشعر من شدّة الصدمة.
“ه-هذا مستحيل! أيّ خطوبة في سنّ العاشرة؟!”
عندها ارتعشت إحدى حاجبي ثيودور الذي كان يتبعهما.
‘ما الذي تتفوه به هذه الفتاة؟!’
احمرّ وجه آيوديل بشدّة، فسحبت يد دينزل بعجلة واندفعت به إلى داخل غرفة النوم.
“تعال إلى هنا!”
أغلقت الباب بإحكام، ثم جرّته حتى زاوية الغرفة. انحنت وخفضت جسدها حتى جلست على ركبتيها، وبدأت تهمس بصوت خافت.
“هل ما قلته قبل قليل… صحيح؟”
“نعم.”
حدّقت آيوديل فيه طويلًا.
قد يكذب الآخرون، لكن دينزل لم يكن ليكذب عليها أبدًا.
أسدلت كتفيها وأطلقت زفرة ثقيلة.
“هاه…”
كانت قد تعلّمت في الدروس أن النبلاء كثيرًا ما يعقدون الزيجات بدل التحالفات لتعزيز قوتهم.
لكنها لم تتخيل يومًا أن مجرد تعيين فارس حراسة يحمل مثل هذا المعنى.
“ظننتُه مجرد حارس… لم يخطر ببالي قط أنه خطوبة.”
“طبيعي أنكِ لم تفكري بهذا الشكل.”
لكن عيني دينزل، اللتين كانتا دائمًا مائلتين للأسفل وتبدوان وديعتين، اشتدّ بريقهما فجأة.
“غير أن الجميع هنا كانوا يعلمون.”
“وأنا الوحيدة التي لم تكن تعرف؟”
ارتجفت آيوديل، وكأنها تعرّضت لخيانة.
“لم يخبرني أحد؟”
غطّت فمها بيدها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها.
منذ قدومها إلى هنا، لاقت معاملة تفوق الوصف. شعرت وكأنها تُعامَل ككنزٍ ثمين.
نعم، شعرت وكأنها محبوبة بحق… لكن ذلك لم يكن سوى وهمٍ متغطرس.
‘كم أنا غبية… كيف ظننتُ أن هذا حب؟’
كان اعتقادها أن دوق فريا الأعظم والقصر الإمبراطوري مختلفان مجرد وهم.
‘لا يمكن أن آخذ دون أن أقدّم شيئًا في المقابل… لكنني غفلت عن ذلك.’
حبست دموعها بصعوبة، لكن أنفها لم يطاوعها. شَهقت بعينين محمرّتين وهمست بغضبٍ مكتوم.
“كنتُ غبية.”
العينان الذهبيتان اللتان لان بريقهما أثناء إقامتها في القصر، لمع فيهما الآن شررٌ حاد.
“ظننتُ أنهم يعطونني كل شيء بلا مقابل… لكن كانت لديهم نوايا أخرى.”
حرّكت أصابعها بقلق وهي تطحن أسنانها.
“لو تزوّجتُ السير بيلّيتشي، لكان للقصر الإمبراطوري مكاسب واضحة.”
كانت مجروحة، لكنها لم تُرِد لدينزل أن يلحظ ذلك. ضغطت على شفتيها بقوة وهي تقاوم الدموع.
“…آي.”
ربّت دينزل على كتفها بارتباك.
لم يكن قد أخبرها إلا لأن فكرة أن يصبح شخصٌ آخر فارس حراستها جعلته قلقًا وغاضبًا بلا سببٍ واضح.
لو علم أن ذلك سيؤذيها إلى هذا الحد، لكان تحمّل مشاعره السلبية وكتمها.
“أنا لم أقل إن الإمبراطور يستغلكِ.”
“وهل هذا ليس استغلالًا؟! أليس معناه أنهم سيبيعونني في صفقة زواج؟!”
“…بيت دوق بيلّيتشي من أقوى البيوت النبيلة في الإمبراطورية.”
حاول دينزل، بكل ما يملك من فصاحة محدودة، أن يهدّئها.
“لا أظن أن نيتهم كانت سيئة…”
“…لكن يا دينزل.”
قطّبت آيوديل جبينها وقد التقطت شيئًا غريبًا في كلامه.
“كيف تعرف أنتَ كل هذا؟”
“…هاه؟”
“أنا لم أعرّفك بأن السير بيلّيتشي من بيت دوقي. فكيف عرفتَ أنه من أسرة دوقية؟ ثم…”
توقفت لحظة، ثم تابعت ببطء.
“كون حارس الأميرة يُعدّ خطيبًا يعني أن هذا من أعراف إمبراطورية كاينيس.”
بدا الارتباك واضحًا على وجه دينزل، وكأنه لم يفكّر في هذا الجانب من قبل.
“فكيف لفتى كان عبدًا أن يعرف مثل هذه الأعراف؟”
ثبّتت آيوديل نظرها فيه وأضافت.
نادرًا ما كان دينزل يتحدث بلهجة حادة، ونادرًا أكثر أن يبدو مرتبكًا هكذا.
‘حتى دينزل… يخفي عني شيئًا.’
لطالما كانا بلا أسرار أحدهما عن الآخر.
لكنها الآن، على نحوٍ غريب، شعرت بأنه شخص غريب.
وبشعورٍ مزعج يتقلب في صدرها، عاودت إلحاحها.
“أجبني!”
أغمض عينيه بإحكام وكأنه يتألم.
عندها انقبض قلب آيوديل.
دينزل، الذي لم يُظهر ضعفه يومًا مهما قست عليه الأمور، بدا الآن عاجزًا عن إخفاء مشاعره.
وهذا لم يؤكّد إلا أنه يخفي عنها شيئًا.
“…آي.”
بعد صمتٍ طويل، فتح فمه أخيرًا ببطء.
“أتذكرين؟”
“أتذكر ماذا؟”
سألته ببرود، فزاد وجهه قتامة.
“يوم احترق القصر… قلتُ لك إن لديّ ما أود قوله.”
“…نعم، أذكر.”
هزّت رأسها بصعوبة وقد انعقد حلقها.
اقترب منها دينزل بحذر.
“تعرفين، يا آي.”
ثم أمسك يديها بكل لطف.
اتسعت عينا آيوديل.
كانت تشعر—وإن بخفة—بارتعاش أطراف أصابعه.
وبينهما، بدأ توتر خانق يخيّم على المكان.
“ما بك، يا دينزل؟”
اهتزّ بريق عينيها بقلقٍ مفاجئ.
“ما الذي تريد قوله حتى ترتجف هكذا؟”
شعرت بالندم، وكأنها كانت قاسية بلا داعٍ.
شدّت على يده بقوة.
“أنا خائفة، يا دينزل.”
اختفى غضبها الطفولي، وحلّ مكانه خوفٌ كخوف جروٍ مهجور.
“أنتَ كل ما أملك… أخاف أن تقول إنك ستتركني.”
“لن أترككِ، يا آي.”
لفّ ذراعيه حول كتفيها بلطف ليهدّئها.
“حتى بعدما افترقنا… التقينا مجددًا في النهاية، أليس كذلك؟”
لكن كلمات الطمأنة لم تنجح في تهدئة قلبها المضطرب.
وبصوتٍ مرتجف، همست:
“هذا غريب… كأنك تقول إننا سنفترق قريبًا.”
لم يأتِه ردٌّ طويلًا.
“هل هذا صحيح؟! هل سنفترق؟!”
صرخت وقد فاض غضبها من القلق والصمت الذي يلفّه.
“أجبني، دينزل!”
داسَت الأرض بقدميها وهي تلحّ عليه.
وأخيرًا، خرج جوابه بعد طول انتظار… ليزيد غضبها.
“…أنا آسف، يا آي.”
“لماذا… لماذا تعتذر؟”
“كنتُ أؤمن أنكِ ما زلتِ على قيد الحياة. لذلك بحثتُ عنكِ بيأس.”
قالها بهدوء، وملامحه يكسوها حزنٌ عميق.
“كنتُ…”
ثم انزلقت عيناه الزرقاوان ببطء نحوها.
“كنتُ بحاجة إلى أن أودّعكِ.”
عندها، شحب وجه آيوديل تمامًا، وسقطت في مكانها دون حراك.
التعليقات لهذا الفصل " 31"