الفصل 25
“أووه… أوووه…….”
في الظلام، فتحت امرأة تشبه العلجوم عينيها ببطء.
“أين… أنا؟”
قالت بصوتٍ مبحوح ومتشقّق، وهي تدير رأسها تتفحّص ما حولها.
كان المكان رطبًا ومظلمًا. وبالنظر إلى أرضية الحجر الباردة، خُيّل إليها أنه كهف.
وفي تلك اللحظة، عادت إليها ذكرى ما قبل فقدانها للوعي؛ حين كانت تصرخ مستغيثة داخل حفرة من اللهب.
“لكن… لماذا أنا هنا؟”
وحين راحت تتحسّس جسدها في الظلام، شعرت بالضمادات تلفّها.
يبدو أن أحدهم أنقذها وعالج جراحها.
عندها—
“لقد استيقظتِ إذًا.”
ظهر أمامها ظلٌّ كبير، تتراقص بجانبه ماست حجرية يتوهّج فيها لهيب صغير.
“هك! أأنت…!”
ما إن تعرّفت عليه حتى نهضت فورًا وارتمت أرضًا، منبطحة تمامًا.
“جلالة الإمبراطور…!”
“روبيتا.”
اقترب إيغِير منها بابتسامة ودودة.
“كانت حروقك شديدة، وكان من الضروري علاجك في كهف بارد كهذا.”
“ولكن… لماذا جلالة الإمبراطور بنفسه…؟”
تردّدت قليلًا، ثم أدركت أن مكروهًا قد أصاب دوق فريا الأكبر، فارتفع صوتها فجأة.
“سـ، سيدي الدوق! ماذا حلّ به؟! ما الذي حدث بالضبط؟!”
“تعرّض مقر دوق فريا الأكبر لهجوم. كما تعرّضت العربة التي كانت تقلّ الدوق والدوقة والدوقة الصغرى لحادث. نعتقد أن الفاعل واحد.”
“أآه… إذًا اعتنى جلالتك بي يعني أن….”
“نعم. لم يستعيدوا وعيهم بعد.”
“يا إلهي….”
انفجرت روبيتا بالبكاء، مطلقة أنينًا أشبه بأنين الوحوش.
“لكن لا داعي للقلق. بما أنكِ استيقظتِ، فلن يكون هناك ما يدعو للخشية على مقر دوق فريا الأكبر بعد الآن.”
“نـ، نعم! سأعتني بعائلة الدوق حتى يستعيدوا وعيهم!”
مسحت وجهها الملطّخ بالدموع بيدين متّسختين، وهزّت رأسها بإصرار واضح.
كان إيغِير يراقبها مكتفيًا بابتسامة خفيفة، ثم فتح فمه ببطء.
“لكن، يا روبيتا.”
“نـ، نعم!”
“حين ذهبتُ بنفسي إلى مقر دوق فريا الأكبر لإنقاذ الناجين والتعامل مع الموتى… وجدتُ طفلة غريبة.”
“…طفلة؟”
على عكس حماستها قبل لحظات، خرج ردّها متأخرًا، وكأنها فوجئت.
قطّب حاجبيه وهو يحاول استرجاع ذكرى غير واضحة، ثم تابع:
“لم اسألها بعد، لكنها كانت طفلة قذرة تعيش في العلّية. وعلى ظهرها آثار ضرب، فظننتها ابنة إحدى الخادمات.”
“…هل ماتت؟”
في تلك اللحظة، لمع القتل في عيني روبيتا.
تماسك إيغِير بصعوبة، كاتمًا سخرية كادت تفلت، ثم قال بهدوء:
“وهل كان هناك سبب يوجب موتها؟”
“…إنها فعلًا ابنة خادمة. بل طفلة قذرة وُلدت من علاقة مع عبد. لكن دوق فريا الأكبر رقّ لحالها وسمح لها بالعيش في العلّية.”
راحت تلوّح بيديها بحركات مبالغ فيها، مبتسمة كما لو كانت تؤدي مسرحية.
“أفهم.”
“نعم. كان من المؤلم معاقبة طفلة، لكن سلوكها كان أشبه بسلوك الحيوانات، فلم يكن هناك مفر.”
“هل أنتِ من نفّذتِ العقاب بنفسكِ؟”
“بالطبع.”
هزّت روبيتا كتفيها بتباهٍ.
“فصلاحية العقاب تعود فقط لرئيسة الخدم، و— أُغغ!”
في تلك اللحظة، انطبقت يد إيغِير الكبيرة على فمها.
بقبضته الهائلة، شعرت وكأن فكّها سيتحطّم، وراحت تتخبّط يائسة.
“لم أسألكِ، ومع ذلك تتباهين بكل شيء. بل وتفخرين به أيضًا؟”
كان جسده يرتجف من شدّة الغضب.
“لقد رأيتُ بعينيّ كيف كانت تلك الطفلة تُعامَل في ذلك القصر!”
دوّى صوته كالرعد.
انهارت روبيتا باكية، ترتعش من الخوف.
“بيل!”
“نعم، جلالة الإمبراطور.”
“أحضري لي ذكريات هذه المرأة.”
“أمرك.”
تقدّمت بيل نحوها بوجهٍ بارد، لا يشبه ملامحها حين تكون بجانب آيوديل.
ثم رفعت أظافرها وغاصت في عقل روبيتا.
“آآآآاه!”
ارتفع صراخها الممزّق في أرجاء الكهف.
وبعد أن استخرجت بيل جميع ذكرياتها مستخدمة سحرها، شكّلت الذكريات المتصاعدة كالدخان في هيئة كرة.
تناولها إيغِير وبدأ يتصفّحها فورًا.
منذ طفولة آيوديل المبكرة، التي لا تذكرها حتى هي نفسها، كانت روبيتا تعذّبها باستمرار.
حرمانها من الطعام كان أمرًا متكررًا لا يستحق الذكر، وكانت تقدّم لها فاكهة أو طعامًا فاسدًا، ثم تسخر منها وهي تلتهمه بجوع.
كما نفّذت بيديها عقوبات قاسية لا تُحتمل على طفل.
والسبب كان واحدًا.
لأن دوق فريا الأكبر أخبرها بالحقيقة، حقيقة أخفاها عن آيوديل.
الحقيقة التي لم تتوقّعها آيوديل قط.
ومع ذلك، تجرّأت روبيتا وكذبت، مدّعية بوقاحة أن الطفلة مجرد ابنة خادمة.
وحين اطّلع إيغِير على الذكريات كاملة، راحت طاقة سوداء قاتمة تتصاعد من حوله.
“تلك المرأة….”
ضاقت حدقتا إيغِير كعيني وحش.
صرّ على أسنانه، وأصدر أمره بصوتٍ يرتجف غضبًا:
“انزعوا أظافرها وأظافر قدميها جميعًا.”
“جـ، جلالة الإمبراطور! أرجوك، أنقذني…!”
أخيرًا استعادت روبيتا وعيها، وتعلّقت بذيل سرواله بيأس.
لكن من تصدّى لها لم يكن سوى فرسان الحراسة.
“كيف تجرؤين!”
قطع أحدهم يدها التي تمسّكت بسرواله دون تردّد.
“آآاه!”
صرخت وهي تمسك بذراعها المبتورة، تتلوّى ألمًا.
نظر إليها إيغِير ببرود وقال:
“لا تقتلوها أبدًا. دعوها تتذوّق كل ألم يمكن أن يُمنح لإنسان حي… ثم سأقتلها بيدي.”
غادر إيغِير الكهف، تاركًا صراخها خلفه.
وفي الخارج، جيء أمامه بظلٍّ صغير.
هدأت نظراته المشتعلة فورًا.
“أنتَ إذًا.”
نحو ذلك الشخص الذي كان يحدّق به، اكتفى إيغِير بابتسامة لطيفة.
***
“هم؟ أين كنتِ، بيل؟”
“آه، ذهبتُ إلى المرحاض قليلًا، يا سيدتي الدوقة.”
فبعد أن لمست شيئًا قذرًا، لم يكن الذهاب إلى المرحاض سوى أمر بديهي.
ابتسمت بيل ابتسامة مشرقة، ثم هرعت نحو آيوديل التي كانت تطوي الحصير بعد انتهاء النزهة.
كان بلوتو قد عاد مسبقًا لانشغاله بجدولٍ آخر.
“كانت البحيرة رائعة حقًا، أليس كذلك يا ديماري؟”
“بالفعل. كيف يمكن صنع شيء كهذا؟ السحرة مذهلون حقًا.”
دون أن تعلم أن ساحرة متنكرة في هيئة خادمة تقف خلفها مباشرة، كانت ديماري تلمع عيناها إعجابًا.
“نعم، كانت مذهلة فعلًا. لم أكن أعلم أنهم قادرون على أشياء كهذه.”
“أجل. لكن تخيّلي أن هناك ساحرين نادرين ورائعين في القصر الإمبراطوري.”
“هاه؟”
استدارت آيوديل نحوها بسرعة.
“ساحرين؟”
“ألم تكوني تعلمين، يا سيدتي الدوقة؟”
تابعت ديماري بلهجة متعجّبة:
“الأميرتان التوأم، صاحبتي السمو. هما ساحرتان.”
“حقًا؟ لم أكن أعلم!”
“نعم. أنتِ تعرفين أن للسحر ما يُسمّى ‘الخصائص الخمس’، أليس كذلك؟”
“نعم. الضوء، النار، الماء، الجليد، والظلام. ولصنع بحيرة كهذه، لا بد من ساحر يملك ‘خاصية الماء’.”
“صحيح. وصاحبة خاصية الماء هي الأميرة تيتيس. أما الأميرة كوردليا فتمتلك خاصية النار.”
“هكذا إذًا….”
لذلك قال بلوتو إنهما شاركتا في صنعها.
‘سأشكرهما لاحقًا على حدة.’
وهي تعقد العزم على تقديم الشكر بأي طريقة، تابعت آيوديل الاستماع إلى ديماري.
“نعم. على الأرجح تولّى جلالة الإمبراطور وسمو الأمير، وقد أتقنا فن السيف، تثبيت الأساس، وتكفّلت الأميرتان بالبقية.”
“لكن… كيف يكون ذلك ممكنًا؟”
“نعم؟”
“كيف يمكن لتلك الموهبة السحرية النادرة أن تظهر لدى شخصين…؟”
“السحر… يُورث.”
“…ماذا؟ السحر يُورث؟”
خرجت شهقة غير متوقعة من بين شفتي آيوديل.
التعليقات لهذا الفصل " 25"