الفصل 22
“هاه؟ مهرجانٌ لشهرٍ كامل؟ احتفالًا بعيد ميلادي؟”
“نعم. هل في ذلك مشكلة؟”
أجاب إيغِير مبتسمًا وكأن الأمر عادي تمامًا.
لا، ليست هناك مشكلة… لكن الأمر ليس عاديًا أصلًا!
وقفت تتلعثم، عاجزة حتى عن إغلاق فمها.
“سننشغل كثيرًا في الفترة القادمة. أنا وأنتِ.”
“بسبب التحضير لحفلة الميلاد… أعني، للمهرجان؟”
“نعم. سيتعيّن تفصيل فساتين جديدة، وشراء المزيد من الحُلي أيضًا.”
“لـ، لديّ الكثير أصلًا، يا جلالة الإمبراطور!”
هزّت آيوديل رأسها ولوّحت بيديها اعتراضًا.
كانت الهدايا تتكدّس يوميًا أمام قصر المجرة. إيغِير وبلوتو وتيتيس وكوردليا كانوا يرسلون لها الهدايا وكأنهم في سباق.
‘هل راهنوا عليّ بشيء ما؟’
وبينما كانت تضحك بسخرية خفيفة، قال هو مبتسمًا:
“لدى تيتيس وكوردليا غرف ملابس خاصة في القصر المنفصل.”
كان يتحدث وكأن الأمر لا يستحق الذكر.
في النهاية، تخلّت آيوديل عن محاولة الرفض، وخطر لها حلّ ذكي.
“أم… إذًا.”
“نعم؟”
“إن كان هناك فستان لا يناسبني، أو لا يعجبني… هل يمكنني إعطاؤه لشخص آخر؟”
“بالطبع. افعلي ما تشائين، كل شيء يعود لقرارك.”
ربّت إيغِير على شعرها بلطف وأومأ برأسه.
فأشرق وجه آيوديل بوضوح.
“شكرًا جزيلًا!”
بما أنه سمح لها أن تفعل ما تريد، فلن يكون اختفاء بعض الفساتين مشكلة.
تلألأت عيناها بحماس.
“…إنكِ تشبهينها.”
“ماذا؟”
نظرت إليه آيوديل بعينين واسعتين بعدما التقطت همسه الخافت.
“لا شيء. بدءًا من اليوم، ستتناولين الإفطار بشكل منفصل. يبدو أنكِ تأقلمتِ إلى حدٍّ ما.”
“آه، نعم. فهمت، يا جلالة الإمبراطور.”
“لكن العشاء على الأقل…”
تردّد لحظة، ثم سألها بحذر:
“لنتناوله جميعًا كأسرة. هل يناسبكِ ذلك؟”
‘أسرة… هل يرونني حقًا فردًا من عائلتهم؟’
كانت معاملتهم الطيبة لها تبعث الدفء في قلبها، لكن كلما شعرت بالسعادة، نهض القلق معها.
فهي ليست عائلتهم الحقيقية.
“…نعم.”
كانت تكره دوق فريا حد الجنون، لكن لو كانت فقط قد ورثت دمه دون أن يستيقظ يومًا، لكان الأمر أبسط.
أو لو لم يصلها ذلك الخطاب من امرأة لا تدري من تكون، لما عرفت أصلًا أن لها أبًا آخر.
حينها…
لما اضطرت للكذب والادعاء بأنها ابنة غير شرعية.
توالت الأفكار القلقة في رأسها بلا توقف.
“حسنًا. نلتقي على العشاء إذًا.”
قبّل إيغِير جبينها قبلة خفيفة، ثم غادر الغرفة.
دخلت ديماري وبيل بهدوء.
تبادلا نظرة سريعة إلى وجه آيوديل الشارد، ثم قالت ديماريه:
“صاحبة السمو، أوصلتنا دوقة بيلِيتشي رسالة مفادها أنها لن تتمكن من الحضور إلى القصر اليوم.”
“آه، حقًا؟ إذًا… ربما أذهب إلى المكتبة اليوم.”
عندها فقط استعادت وعيها ونهضت ببطء.
فتبادلت ديماري وبيل نظرات سريعة.
“أم، صاحبة السمو!”
“نعم؟”
“ما رأيكِ أن تأخذي قسطًا من الراحة اليوم؟”
“راحة؟”
“نعم.”
“لكنني أريد الدراسة. ثم إن…”
ترددت آيوديل عند اقتراح بيل، ثم قالت بصوت خافت:
“جلالة الإمبراطور قال إنه سيقيم مهرجانًا في عيد ميلادي.”
“هـ، مهرجان؟!”
لمعت عينا ديماري كقطة رأت سمكة.
“نعم. مهرجان. مهرجان في عيد ميلادي…”
هزّت آيوديل رأسها، ثم تطرّقت بحذر إلى ما يشغل بالها.
“ديماري. أنتِ تعرفين، أليس كذلك؟”
“أعرف ماذا؟”
نظرت إليها آيوديل بنظرة ذات معنى.
“الأيام السابقة.”
ساد صمت ثقيل، وتبادل الاثنتان نظرات طويلة.
لم يتطرّقا إلى الأمر صراحة، لكن ديماري كانت تعلم جيدًا كيف عاشت آيوديل سابقًا.
كانت قد قبلت بها كـ‘دوقة كبرى’، لكنها لم تقل يومًا إنها كانت مخطئة في ما رأته.
وذلك جعل قلب آيوديل أكثر اطمئنانًا؛ فلن تضطر للكذب عليها مجددًا.
“كنتُ أعلم.”
“آه… همهم.”
تنحنحت ديماري بخجل، ثم قالت:
“…تبدين تمامًا كابنة نبيلة. آه، لا، عفوًا، زلّ لساني.”
انخفض حاجباها بشيء من الحرج، لكنها رفعت عينيها بثبات وأضافت:
“أنتِ دوقة كبرى مثالية!”
“فُهُه، لا داعي لكل هذا الإطراء.”
“لكن خلال نصف شهر فقط أتقنتِ الآداب تمامًا. أيّ شخص يراكِ سيقول إنكِ دوقة كبرى جميلة بحق.”
“شكرًا لكِ، ديماري. لكن لهذا السبب سأجتهد أكثر في الدراسة…”
رغم ابتسامتها، لم تلِن عزيمة آيوديل على الدراسة.
فهبطت أكتاف ديماري وبيل بخيبة.
“حسنًا…”
“نعم…”
وبعد أن تخلّتا عن فكرة النزهة، شرعتا بحماس في تزيين آيوديل.
مع أنها كانت ذاهبة فقط إلى مكتبة القصر دون أي موعد خاص، ألبستاها فستانًا فخمًا، وزيّنتاها بعقد وأقراط وأساور وخواتم.
“…هل نحتاج فعلًا لكل هذا؟”
“بالطبع! يجب أن تكوني واثقة أينما ذهبتِ!”
“أنتِ جميلة جدًا، صاحبة السمو!”
شعرت وكأنهما تعاقبانها لأنها لم تذهب في نزهة.
‘هل عليّ فعلًا أن أذهب في نزهة؟’
تنهدت وهزّت كتفيها.
ثم تذكرت أمرًا فجأة.
“آه، صحيح. ديماري.”
“نعم؟”
“بخصوص الفساتين.”
مرّت يد آيوديل على الفساتين المعلّقة على الحامل.
ثم سحبت فستانًا لا يوافق ذوقها إطلاقًا.
“كم يمكن أن نحصل عليه لو بعناه؟”
“ماذا؟ تبيعين الفستان؟”
“…لا أحتاج إلى هذا العدد. وجلالة الإمبراطور قال إن الأمر متروك لي.”
“هممم…”
فكّرت ديماري قليلًا، ثم قالت:
“أظن أنه سيُباع بنحو أربعين ألف بيلكرِل. فهو جديد ومزيّن بالياقوت الأبيض.”
“أر، أربعون ألف بيلكرِل؟!”
اتسعت عينا آيوديل بدهشة.
كانت تعلم أنه باهظ، لكنها لم تتخيل هذا الرقم.
“صاحبة السمو. خاتم الياقوت الذي ترتدينه الآن يقارب ثلاثة قيراطات، والألماس المحيط به من أعلى جودة.”
“…نعم.”
“حتى لو بيع بسعر منخفض، فلن يقل عن خمسمائة ألف بيلكرِل.”
“حتى لو منخفض؟”
“نعم. فجميع مجوهراتك من أعلى مستوى.”
“يا إلهي… إذًا…”
نظرت آيوديل إلى ديماري وسألت بجدية:
“كم نحتاج لشراء منزل؟”
“همم.”
فتحت ديماري علبة مجوهرات على الطاولة، ورفعت خاتم زمرد كبير.
“نحو أربعة خواتم زمرد كهذا تكفي لشراء قصر صغير. ليس في العاصمة، لكن قريبًا منها.”
“أ، أفهم…”
أربعة خواتم فقط لشراء منزل.
وكان لديها عشرات، بل مئات من هذه الخواتم.
وفوق ذلك، فساتين لا تُحصى.
‘جيد. أستطيع جمع أكثر مما توقعت.’
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي آيوديل، ثم التفتت إلى بيل.
“بيل، هل يمكنك تنفيذ طلب لي؟”
“بالطبع.”
“هذا الحامل كله. بيعيه. آه…”
“كـ، كله؟!”
اتسعت عينا بيل دهشة.
رفعت آيوديل الفستان الأخير فقط.
كان فستانًا بسيطًا بلون الكناري الناعم، يناسب بيل المشرقة واللطيفة تمامًا.
“هذا الفستان الأخير لكِ.”
“آه، لا، لا داعي…”
“ديماري. بيعي هذه الخواتم والقلائد. وهذا لكِ هدية.”
دفعت الفساتين والحامل إلى بيل رغم اعتراضها، وسلّمت ديماري قلادة ماسية فاخرة مع صندوق المجوهرات.
“وماذا ستفعلين بكل هذا المال؟”
“أحتاجه.”
لم يكن بإمكانها خداع العائلة الإمبراطورية إلى الأبد.
سواء طُردت يومًا أو خرجت بإرادتها، ستحتاج إلى مكان تعيش فيه ومال تعتمد عليه.
“أرجوكما. ليكن هذا سرًا.”
شبكت آيوديل يديها وغمزت لهما بعينيها.
“حسنًا، فلنذهب إلى المكتبة الآن…”
كانت قد انتهت من الاستعداد، وحان وقت الدراسة فعلًا.
“آيوديل!”
مع طرق خفيف على الباب، دخل بلوتو إلى الغرفة بصوته الجهوري.
“هيا نذهب في نزهة!”
اتسع فمها دهشة من اقتحامه المفاجئ.
التعليقات لهذا الفصل " 22"