5
استمتعوا
كان شعرُ الرجل الرماديّ، على نحوٍ غريب، لا يلتفّ وينسدل إلا من الجهة اليسرى فحسب.
وتحت عينيه امتدّت هالاتٌ سوداء طويلة، أمّا ثيابه فكانت قاتمةً كئيبة، تشيع من هيئته هالةً مظلمةً خانقة.
توجّهت عيناه الصغيرتان، الأصغر من عيون الناس عادةً، نحو نِيَا. وحين وقع بصره عليها، ارتجفت نِيَا ارتجافةً خفيفةً للحظة.
“من أنتِ؟“
سأل الرجل ببرود.
أجابت نِيَا، وهي متوتّرةٌ أشدّ التوتّر.
“أنـ، أنا نِيَا…….”
“وما هذا؟“
“اسمي…….”
وخلال تبادل الحديث بين نِيَا والرجل، كانت أزُور تراقبهما بصمت.
لم تُبدِ دهشةً تُذكر رغم زيارة الرجل المفاجئة.
“غيري، لماذا جئتَ هذه المرّة؟“
سألتْه بنبرةٍ لا تخلو من ضجرٍ واستثقال.
رفع الرجل، الذي دُعيَ غيري، الظرف الذي كان يقبض عليه بيده، ثمّ قال كلمةً واحدة.
“لنشرب قليلًا.”
ما إن أنهى كلمته، حتى قذفت أزُور الكتاب الذي كان بيدها باتّجاهه.
كودانغ!
أصاب الكتاب وجه غيري مباشرةً، فسقط إلى الخلف. وفي تلك اللحظة، فتحت نِيَا عينيها على اتّساعهما، تنظر إلى الاثنين بالتناوب.
قالت أزُور بملامح قاتمة.
“ألم أقل لكَ ألّا تأتي إلى بيتنا وأنتَ ثمل؟“
فصرخ غيري، وكأنّ الغصّة انفجرت في صدره.
“رشفة واحدة! شربتُ رشفةً واحدة فقط!”
“لا تُضحكني. رائحة الكحول وصلت إلى هنا.”
“هذه رائحتكِ أنتِ!”
“ما الذي يجري؟ متى وصلتَ؟“
وبينما كان الاثنان يتشاجران، خرج شين من المطبخ.
عادت أزُور فجلست بتثاقلٍ في مكانها، وهي تعبث بشعرها بانزعاج.
“شين، أخرج هذا المتطفّل.”
“السيّد غيري، لديكَ ساقان، أليس كذلك؟ اخرج بنفسك.”
“أوغادٌ ملاعين…….”
تمتم غيري بالشتائم أمام هذه المعاملة القاسية.
ثمّ رمق أزُور بنظرةٍ حادّة وصاح:
“أهذا ما تفعله الصديقة؟ صديقكِ يتألّم ولا تشربين معه كأسًا واحدة؟!”
“أيّ صداقةٍ هذه؟ في كلّ الأحوال ستجلس وتنوح كعادتك!”
“أنا دائمًا متألّم! حياتي كلّها هكذا!”
دفن غيري وجهه بين كفّيه، وانطلق بالبكاء.
وقفت نِيَا حائرةً وهي تنظر إليه.
فبادر شين فورًا، ونادى نِيَا وهو يمدّ يده.
“نِيَا، تعالي إلى هنا. يبدو أنّ الحليب سيتأجّل قليلًا.”
اقتربت نِيَا وأمسكت بيد شين.
“سأري نِيَا الغرفة، وأترك هذا الرجل إلى الكونتيسة.”
“آه، مزعجٌ حقًّا.”
قطّبت أزُور جبينها، لكنّ شين لم يُبالِ، وصعد الدرج مع نِيَا.
وأثناء صعودهما إلى الطابق الثاني، ظلّت نِيَا تختلس النظر نحو الأسفل.
“شين، هل ذاك الرجل صديق أمّي؟“
“…….”
تردّد شين قليلًا.
لم يكن من السهل وصف علاقتهما على أنّها صداقة، لكنّهما أيضًا لم يكونا مجرّد معارف.
وبعد تفكيرٍ قصير، اختار جوابًا بسيطًا.
“إنّه سيّد برج السحر.”
“سيّد برج السحر؟“
كانت نِيَا قد سمعت بهذا اللقب من قبل. فسيّد برج السحر منصبٌ معروف في الإمبراطوريّة.
“حقًّا هو سيّد برج السحر؟“
“نعم. هل خاب ظنّكِ لأنّه لا يشبه ما تخيّلتِه؟“
“لا، إنّه رائعٌ جدًّا!”
قالت نِيَا ذلك على عجل، ثمّ تهرّبت قليلًا من نظرة شين.
“رغم أنّه يبدو مخيفًا بعض الشيء…….”
كان مظهره بالفعل مخيفًا إلى حدٍّ قد يُفزع طفلًا عاديًّا.
ولو لم تكن نِيَا بتلك الألفة، لربّما انفجرت بالبكاء فورًا.
“ليس شخصًا يستحقّ الإعجاب إلى هذا الحدّ. كما ترين، لا يفعل سوى شرب الخمر والتذمّر كلّ يوم.”
“لكنّه سيّد برج السحر! سمعتُ أنّه يستخدم السحر ببراعةٍ مذهلة، ويعيش في برجٍ ضخم!”
من منظور طفل، كان ذلك وحده كافيًا ليبدو مدهشًا.
لكنّ شين، الذي يعرف وضع غيري جيّدًا، لم يكن يحمل له أيّ احترام.
“لا أدري ما الذي سمعتهِ في متجر القطط وجعلكِ تحلمين ببرج السحر، لكنّ سيّد البرج حاليًّا ليس سوى باحثٍ يتكسّب متعلّقًا بالقصر الإمبراطوريّ. منشغلٌ بمراقبة مزاج القصر، عاجزٌ عن فعل ما يريد.”
وبعد هذا الحكم القاسي، ارتسمت على وجه شين ابتسامةٌ مريرة.
“مهما بلغت قدرته، من دون طموحٍ لن يكون أكثر من موظّفٍ يتقاضى أجرًا.”
ولم يكن هذا الكلام موجّهًا إلى غيري وحده.
تردّدت نِيَا قليلًا، ثمّ قالت بصوتٍ خافت.
“لكن، حسب ما قاله هيو…… سيّد برج السحر شخصٌ عظيم…….”
“…….”
تنفّس شين بعمق.
هكذا إذن، كان افتتانها المفرط ببرج السحر سببه هيو.
وما إن ذُكر اسمه، حتى عاد الضيق ليعتصر قلب شين.
فحال الطفل الأقرب إلى نِيَا كان واضحًا دون حاجةٍ لرؤيته.
ولهذا، بدّل شين الموضوع بدل أن يستطرد.
“هذه ستكون غرفتكِ من الآن فصاعدًا.”
توقّف أمام غرفةٍ تتدلّى على بابها لوحةٌ خالية.
ومن خلف درابزين الممرّ في الطابق الثاني، كان منظر غرفة الجلوس في الأسفل يبدو واضحًا.
وحين فُتح الباب، صدر صريرٌ من خشبٍ قديم.
لم تكن الغرفة كبيرة، لكنها بدت واسعةً بما يكفي لطفلٍ يعيش بمفرده.
وكان السرير مناسب الحجم، وكأنّه أُعدّ خصّيصًا لطفل.
غطّى الملاءةَ الورديّةَ لحافٌ أبيض ناصع بدا دافئًا ومريحًا.
وعند رأس السرير، كانت ستارةٌ بيضاء شبه شفّافة تتمايل مع نسيمٍ يتسلّل من النافذة.
المكتب والخزانة، وسائر الأثاث الموحّد باللون الأبيض، بدت نظيفةً مرتّبة.
كلّها أُعدّت خصّيصًا لنِيَا.
“واو……!”
كانت الغرفة صغيرة، لكنّها راقت لنِيَا أكثر من الغرف الفاخرة في قصور النبلاء.
ففي كلّ زاويةٍ بدت آثار العناية واضحة.
ابتسم شين حين رأى ردّ فعلها.
“يسرّني أنّها أعجبتكِ.”
“إنّها رائعة!”
لأوّل مرّة في حياتها، امتلكت نِيَا غرفةً خاصّة.
راحت تقفز فيها بحماس، ثمّ ركضت فجأةً وارتمت على السرير وهي تضحك بمرح.
كان للحاف رائحةُ شمسٍ دافئة.
“كنتُ أنوي شراء دمى أيضًا، لكنّي رأيتُ أنّ من الأفضل أن تختاري ألعابكِ بنفسكِ. سنذهب معًا لاحقًا.”
“دمى!”
قفزت نِيَا من السرير فورًا.
فالغرفة وحدها كانت كمالًا، فكيف بالدمى أيضًا؟
كان خيبة الأمل التي شعرت بها تجاه القصر الريفيّ قد اختفت تمامًا.
بالنسبة لنِيَا، أصبح هذا المكان أفضل منزل على الإطلاق.
“غرفتي في آخر الطابق الثاني. إن حدث أيّ شيء، تعالي إليّ. لا بأس حتّى لو كان في منتصف الليل.”
“ومتى نذهب لشراء الدمى؟“
“إن كنتِ تنامين جيّدًا وتأكلين جيّدًا، فقد نذهب غدًا فورًا.”
“أنا بارعةٌ جدًّا في ذلك!”
كانت نِيَا معروفةً بحسن أكلها ونومها في متجر القطط، ولم تُعرف عنها نوبات بكاءٍ ليليّة منذ صغرها.
“من الأفضل أن تنامي مبكّرًا اليوم. بعد قليل سيصبح الطابق السفليّ صاخبًا جدًّا.”
“الطابق السفليّ؟ أمّي؟“
وما إن قالت ذلك، حتى علا الضجيج خارج الغرفة.
“كنتُ أحبّكِ حقًّا، ليديا!”
كان صوت غيري المبحوح يصرخ بيأس.
“…….”
دفن شين وجهه بيده.
“ها قد بدأ مجدّدًا…….”
“هل هذا ما قاله سيّد برج السحر؟“
مالت نِيَا برأسها متسائلة.
وبروحٍ مستسلمة، فتح شين الباب وخرج. ولحقت به نِيَا.
وقف الاثنان عند الدرابزين ينظران إلى الأسفل.
كان فوق الطاولة عددٌ لا يُحصى من الزجاجات الفارغة.
لا يُدرى كم شربا في هذا الوقت القصير.
كانت أزُور تملأ كأسها وتشرب وحدها بجرعاتٍ متتالية، بينما كان غيري منبطحًا على الطاولة، يبكي وسط الزجاجات الفارغة.
نظر شين إلى المشهد وفكّر.
‘فوضى عارمة.’
كانت فوضى حقيقيّة.
فوضى تجعل المرء يشعر بالذنب لمجرّد عرضها على طفلٍ مثل نِيَا.
منظرٌ مثير للشفقة لكبارٍ بائسين.
راقبت نِيَا الطابق السفليّ بصمت، ثمّ التفتت إلى شين.
“أتعلم؟ يبدو أنّ أمّي وسيّد برج السحر صديقان فعلًا، أليس كذلك؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 5"