4
استمتعوا
“……؟“
وسرعان ما ارتسمت على ملامح المرأة أماراتُ الدهشة والاستغراب.
ومن خلال ما سمعته، بدا أنّ تلك المرأة هي الكونتيسة الشابّة، وبذلك فهي عمليًّا من تبنّت نِيَا.
وباكتفائها بهذه الفكرة وحدها، نادت نِيَا المرأة بذلك اللقب.
أن تكون الأمّ التي طالما حلمت بها شخصًا في هذا القدر من الجمال! لقد تلاشى الإحباط الذي شعرت به لحظة دخولها القصر كليًّا، وبدأ قلبها يخفق دون أن تشعر.
أمّا المرأة التي أصبحت أمًّا فجأةً، فلم يكن في الأمر بالنسبة لها سوى حيرةٍ محضة.
“لستُ أمّكِ، اسمي أزُور.”
“أمي أزُور؟“
“…… كفى، ناديني كما يحلو لكِ.”
استسلمت أزُور سريعًا، إذ بدا أنّ الصداع بدأ يطرق رأسها منذ الآن.
“…….”
تأمّلت نِيَا التي اقتربت منها، ثمّ مدّت يدها وجذبت أحد خدّيها.
“لكن… هل أنتِ فعلًا قِطّة؟ تبدين كإنسانة.”
“كهِيايِه—”
“ما هذا الكهِيا؟“
ولأنّ خدّها كان مشدودًا بين أصابع أزُور، خرج صوتها مشوّهًا دون قصد.
تراجعت نِيَا خطوةً إلى الوراء، متخلّصةً من يد أزُور، ثمّ صاحت وهي تفرك خدّها الذي كان مشدودًا قبل قليل.
“لستُ قِطّةً عاديّة، أنا كاتشا!”
“هاه.”
أطلقت أزُور ضحكةً قصيرة ساخرة أمام هذا الصراخ الحادّ.
“كم عمركِ؟“
“سبع سنوات!”
“قِطّة في السابعة؟ أليس هذا سنّ الكهولة عند القطط؟“
“قلتُ إنني كاتشا!”
نفخت نِيَا خدّيها بتجهّم.
فعمر الكاتشا مماثل لعمر البشر، ولهذا فإنّ كاتشا في السابعة تمتلك هيئة طفلٍ في السابعة وذكاءه.
“…….”
وبمشاهدتها على هذا النحو، شعرت أزُور بحيرةٍ خانقة.
“يكفيني غيري وحده، وها قد زاد عبءٌ آخر…….”
لم تفهم لماذا قرّر الدوق فجأةً أن يقدّم لها شيئًا كهذا. لم يكن في الأمر سوى إزعاجٍ محض بالنسبة لها.
“إن كنتم قد تبادلتم التحيّة، فهلمّوا إلى الخارج. سأعدّ لكم غداءً بسيطًا.”
في تلك اللحظة، دوّى صوت شين من الخارج.
ما إن خرجت نِيَا من الغرفة، حتى واجهت شين واقفًا في المطبخ.
“سأجهّزه حالًا، اجلسي قليلًا فقط.”
قال شين ذلك، غير أنّ نِيَا لم تستطع مقاومة فضولها، فاقتربت منه.
تسلّقت بصعوبةٍ الكرسيّ الصغير المجاور، ووقفت بثباتٍ إلى جانبه.
كان شين يُعدّ الملفوف، فألقى نظرةً جانبيّة على نِيَا ثمّ وبّخها قائلًا.
“هذا خطر.”
“لم أسقط مرّةً واحدة!”
قالت نِيَا ذلك بثقة.
‘صحيح، فهي كاتشا.’
لابدّ أنّ إحساسها بالتوازن يفوق البشر بكثير. لم يُكثر شين من الاعتراض، وتابع الطهي.
أمسك شين بيضتين بيدٍ واحدة، وطرق قشرتهما بالحافة، ثمّ أفرغهما في المقلاة. تردّد صوت الأزيز مع البيض واللحم المقدد.
وخلال ذلك، أخرج شين شرائح الخبز الملفوفة بالورق. كانت حركاته كلّها في غاية البراعة.
راحت نِيَا تراقبه بعينين لامعتين.
“أريد أن أفعل أنا أيضًا!”
“…… نعم؟“
نظر شين إليها بتحفّظ، بينما كانت ملامحها مفعمةً بالتوقّع.
“…….”
كان سيكون أسرع لو عمل وحده، لكنّه لم يستطع رفض تلك النظرات.
“حسنًا، هل يمكنكِ نزع تغليف الجبن ووضعه في الطبق؟“
“نعم!”
أجابت نِيَا بحيويّة، ثمّ التقطت الجبن الموضوع إلى جانبها.
وبأصابعها الصغيرة راحت تجتهد في فتح الغلاف. لم يكن الأمر كبيرًا، لكنّها كانت منهمكة فيه بكلّ جدّيّة.
وبينما كان الاثنان مشغولين بالطهي، مرّت أزُور من خلفهما.
فتحت الخزانة المبرّدة بالسحر، وأخرجت قارورة حليب كبيرة، وشربت منها رشفة.
“لا تشربي مباشرةً من القارورة.”
“حسنًا.”
وعلى خلاف ردّها، شربت أزُور الحليب مباشرةً من القارورة بكلّ ثقة، ثمّ غادرت المطبخ.
“…….”
توقّفت نِيَا عن فتح الجبن، وحدّقت في ظهر أزُور.
ثمّ ابتلعت ريقها بصوتٍ خافت.
“أنا أيضًا أريد حليبًا…….”
ابتسم شين قليلًا حين سمع تمتمتها، ثمّ ناولها كوبًا زجاجيًّا كان إلى جواره.
“اذهبي إلى الكونتيسة واطلبي منها أن تصبّه لكِ. لكن كوبًا واحدًا فقط.”
“حسنًا!”
هتفت نِيَا بصوتٍ رنّان، وحملت الكوب متّجهةً إلى غرفة الجلوس.
كانت أزُور جالسةً على كرسيّ الطاولة تشرب الحليب. صعدت نِيَا إلى الكرسيّ المقابل لها.
“أعطيني حليبًا!”
قالت ذلك مبتسمةً ببراءة، وهي تمسك الكوب بكلتا يديها.
“…….”
نظرت أزُور إليها قليلًا، ثمّ أشاحت بصرها، وبدأت تجرع الحليب دفعةً واحدة.
“……!”
ومع تناقص الحليب شيئًا فشيئًا، راحت نِيَا تتململ في مكانها.
لكنّ أزُور لم تُبالِ، وأفرغت القارورة في لحظات.
وضعت القارورة الفارغة وهي تمسح فمها، متجهمةً.
“أوف، معدتي منقلبة.”
“حليبي…….”
لم تكن سوى جرعة حليبٍ واحدة، ومع ذلك غاصت نِيَا في يأسٍ عظيم، وبدأت عيناها تترقرقان.
“كنتُ أعلم أنّ هذا سيحدث…….”
قال شين ذلك وهو يخرج من المطبخ، مطلقًا زفرةً حين رأى المشهد.
“نِيَا، هناك قارورة جديدة في الخزانة. سأعطيكِ إيّاها لاحقًا.”
“هناك واحدة أخرى……؟“
“لكن بعد الانتهاء من الطعام.”
“نعم، حسنًا!”
ابتسمت نِيَا ابتسامةً عريضة، وكأنّها لم تكن على وشك البكاء قبل لحظة.
وبعد قليل، ورغم أنّ الوقت كان متأخّرًا عصرًا، جلس الثلاثة لتناول غداءٍ متأخّر.
كان الطبق شطائر محشوّةً بالخضار. نظرت أزُور إلى الشطيرة الموضوعة أمام نِيَا وسألت باستغراب.
“أليست قِطّة؟ ألا يجب أن تأكل العلف؟“
“…….”
حدّق شين فيها بنفور.
“تشتمني بعينيك؟“
“نِيَا، لا تهتمّي، كُلي فقط.”
“سأتناول الطعام!”
قالت نِيَا بحيويّة، ثمّ أمسكت بالشطيرة.
ورغم أنّها أُعدّت على عجل، بدت مليئةً بالعناية. وما إن قضمت منها قضمةً كبيرة، حتى أشرق وجهها.
“لذيذة!”
“حقًّا؟ هذا مُطمئن.”
على عكس ردّ فعل أزُور، ارتسمت ابتسامةٌ تلقائيّة على شفتي شين. فقد كانت أزُور لا تقول شيئًا مهما قُدّم لها.
“هل السيد شين هو من يطهو دائمًا؟“
“يمكنكِ أن تناديني شين فقط.”
“هل شين هو من يطهو دائمًا؟“
بدّلت نِيَا اللقب فورًا، فضحك شين بخفّة وأجاب.
“الفطور أو الغداء الخفيف فقط. عادةً ما تُعدّ الخادمة الطعام وتغادر.”
“لكنّي رأيتُ شين ينظّف أيضًا…….”
كان شين قد عرّف نفسه سابقًا على أنّه كبير الخدم.
وبما أنّ الكاتشا في متجر القطط كانوا يتعلّمون القليل عن النبلاء، كانت نِيَا تعرف الفرق بين كبير الخدم والخدم العاديّين.
“كبير الخدم لا يقوم بالتنظيف أصلًا، أليس كذلك؟“
“هاها، صحيح.”
ارتسمت على شفتي شين ابتسامةٌ باهتة غير راضية.
“ظننتُ الأمر كذلك حين وُظّفت، لكن عندما أفقت، وجدت نفسي عامل أشغالٍ عامّة.”
“كان عليك أن تتوقّع هذا منذ أن قرّرتَ اتّباعي.”
قالت أزُور ذلك ببرودٍ وهي تأكل شطيرتها.
‘قيل لي إنّ أمّي طُردت…….’
فلماذا إذن تبعها شين إلى هذا القصر المتهالك؟
ارتسم الشكّ على وجه نِيَا وهي تنظر إليهما بالتناوب.
“هل شين وأمّي على علاقة حبّ؟“
“…….”
تجهّم الاثنان في آنٍ واحد.
“يا له من كلامٍ مقزّز.”
“نِيَا، لا يجوز قول مثل هذا الكلام بلا تفكير.”
“……؟“
امتلأ رأس نِيَا بعلامات الاستفهام. لم تسأل سوى إن كانا يحبّان بعضهما، فلماذا هذا الرفض الشديد؟ لم تفهم ذلك.
ما لبث أن انتهى الطعام، وبدأ شين بجمع الصحون الفارغة.
وقالت له أزُور.
“شين، أريد قهوة.”
“…….”
نظر شين إليها بازدراء، ثمّ سأل نِيَا.
“نِيَا، هل أحضر لكِ الحليب؟“
“……!”
هزّت نِيَا رأسها بقوّة. قال شين إنّه سيحضره فورًا، ثمّ توجّه إلى المطبخ.
في تلك الأثناء، كانت أزُور تقرأ كتابًا على الطاولة. بدا عليها الملل الشديد.
ومع مرور الوقت، أخذت الشمس تميل، وتحولّت السماء إلى ألوان الغروب. تسلّل الضوء البرتقاليّ عبر النوافذ الكبيرة، ليغمر أرجاء القصر الريفيّ.
واستقرّ وهج الغروب على رموش أزُور الذهبيّة، وهي تميل برأسها وتقرأ بصمت.
‘إنّها كأميرة…….’
راحت نِيَا تحدّق فيها بشرود. لو أنّ أميرةً من كتب الحكايات وُجدت حقًّا، لكانت شبيهةً بأزُور. إلى هذا الحدّ كانت جميلة.
وفي تلك اللحظة، دوّى طرقٌ مفاجئ على باب المدخل.
“شين، افتح الباب!”
نادَت أزُور دون أن ترفع نظرها عن الكتاب، لكنّ شين لم يخرج من المطبخ.
“همف، يبدو أنّه لم يسمع.”
“سأفتح أنا!”
قفزت نِيَا من الكرسيّ بخفّة. إذ راقت لها أزُور كثيرًا، وأرادت أن تحظى برضاها، فبادرت بذلك.
مشت نِيَا بخطواتٍ صغيرة، وفتحت باب المدخل. وبما أنّ البيت صغير، لم تكن غرفة الجلوس بعيدة عن الباب سوى خطوات.
ما إن فُتح الباب، حتى انبعثت رائحةٌ نفّاذة جعلت نِيَا تعبّس وجهها.
‘رائحة كحول…….’
كانت شبيهةً بتلك التي فاحت من غرفة أزُور في وقتٍ سابق.
ارتفع نظر نِيَا ببطء.
وبعد أن رفعت رأسها طويلًا، ظهر وجه الشخص الواقف أمامها.
كان ثمّة رجلٌ غريب يقف أمام باب المنزل.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 4"