3
استمتعوا
ما إن سمع شين تلك الكلمات، حتّى أدرك فورًا عمّا تتحدّث نِيَا.
‘قيل إنّ إحدى الكاتشا قد هرب قبل أيّام.’
وإن ذلك تلك الكاتشا صديق مقرّب لها، فليس غريبًا أن تكون بهذا القدر من الوهن.
“……”
وبعد تفكيرٍ قصير، فتح شين فمه متردّدًا.
“حسنًا… إن كان كاتشا صغير السنّ، فقد يكون التجوّل وحيداً أمرًا خطيرًا بعض الشيء، لكن……”
وقبل أن يُكمل شين كلامه، كانت نِيَا قد اغرورقت عيناها بالدموع.
وبدا أنّها على وشك أن تنفجر بالبكاء في أيّ لحظة، فاستعجل شين بالكلام قائلًا.
“لكنّي لا أعلم يقينًا! لم أقصد الجزم بذلك.”
“إذًا……؟“
“بحسب ما سمعت، فذلك الصديق ليس كاتشا عاديّة. حتى البشر، إن كانوا سحرة، يملكون القدرة على الاعتماد على أنفسهم، فكيف بطفلٍ هو كاتشا في الأساس؟ لن يكون هناك خطرٌ خاص، فلا تقلقي كثيرًا.”
“……!”
في الحال، أشرق وجه نِيَا.
وبدا وكأنّ تلك الكلمات وحدها كانت كافيةً لطمأنتها تمامًا.
“صحيح، أليس كذلك؟ هيو يجيد استخدام السحر كثيرًا! وهو سريع الجري أيضًا!”
“نعم، نعم.”
كما لو أنّها لم تكن حزينة قبل لحظات، استعادت نِيَا حيويّتها فورًا، وبدأت تتحدّث بحماس.
وأمام هذا التحوّل السريع، فكّر شين بهدوء.
‘الأطفال فعلًا سهلوا التعامل.’
لكنّه أضاف في سرّه.
‘طبعًا، القول بأنّه غير خطير لا ينطبق إلّا حين يبلغ المرء سنًّا تمكّنه من الحكم السليم.’
أدار شين بصره قليلًا نحو النافذة، متفاديًا نظرات نِيَا.
بصراحة، ما مدى احتمال أن ينجو كاتشا بتلك الصغر وحده؟ لكنّه لم يضف شيئًا.
فجوّ القصر متوتّر أصلًا، ولا حاجة لإضافة شخصٍ آخر ينشر الكآبة فيه.
“……”
وعندما خطر بباله شخصٌ آخر يقيم في القصر، ارتسم القلق على ملامحه.
لقد جاء بها تنفيذًا للأوامر لا أكثر، لكن هل ستتمكّن طفلةٌ بهذه الهشاشة من الصمود إلى جانب تلك الكونتيسة؟
لم يكن في صدره سوى القلق.
***
كانت الرحلة إلى الوجهة أطول وأشقّ ممّا توقّع، وحين وصلوا إلى القصر، كان وقتٌ طويل قد انقضى.
“نِيَا.”
ربّت شين بخفّة على نِيَا النائمة ليوقظها.
“……!”
فتحت نِيَا عينيها على الفور.
“وصلنا؟“
“نعم.”
ما إن سمعت ذلك، حتّى فتحت نِيَا باب العربة فجأة وقفزت إلى الخارج دون تردّد، حتى إنّ شين نفسه ارتبك من تصرّفها المتحمّس.
أمّا نِيَا، فقد اندفعت بوجهٍ يفيض توقّعًا.
‘قصر نُبلاء!’
كان سبب حماستها بسيطًا.
‘يقولون إنّ النبلاء جميعًا يعيشون في قصورٍ عظيمة كقصور الأميرات!’
‘ويرتدون فساتين جميلة، ويأكلون أطعمة لذيذة بلا حساب!’
‘أتمنّى أن أُتبنّى سريعًا!’
كثيرًا ما كانت الكاتشا الصغار، الحالمات بالتبنّي، يتجمّعن ويتبادلن مثل هذه الأمنيات المليئة بالأمل.
ولم تكن تلك الأحاديث خاطئة تمامًا.
فمعظم النبلاء الذين يزورون متجر القطط كانوا يصطحبون الكاتشا لتكون صديقةً لأطفالهم.
ونادرًا، لكنّه يحدث، أن تُتبنّى كاتشا لتعيش كنبيلة.
ولهذا، لم يكن أمام نِيَا إلّا أن تمتلئ توقّعًا.
لكن…
‘ما هذا……؟‘
ما إن وقعت عيناها على القصر، حتّى تبدّل تعبيرها إلى خيبةٍ فورية.
“نِيَا. المنطقة هنا نائية، والتجوّل بلا حذر قد يكون خطرًا.”
قال شين ذلك وهو يلحق بها، لكنّ كلامه لم يصل إلى أذنيها.
فالقصر الذي أمامها لم يكن شبيهًا بقصر أميرةٍ من بعيد ولا قريب،
بل مجرّد بناءٍ قديم من طابقين، تظهر عليه آثار الزمن.
وفوق ذلك، كان المكان محاطًا بغابةٍ خالية تمامًا من البشر.
لم يكن يبدو مكانًا يصلح لسكن النبلاء على الإطلاق.
“هل هذا هو قصر الدوقيّة……؟“
“بالطبع لا.”
نفى شين كلامها فورًا.
فلا يعقل أن يكون هذا المنزل الذي لا يليق إلّا بعامة الناس هو قصر دوقيّة هارتليس.
أخرج شين مفتاحًا من جيبه وفتح الباب، وعندها خابت آمال نِيَا مرّةً أخرى.
كان ينبغي، بحسب ما تعرفه، أن يكون أمام قصر النبلاء فرسان يحرسون البوّابة.
حتى متجر القطط كان يضمّ حرّاسًا لحماية الكاتشا.
أمّا هنا، فلم يكن هناك أدنى مظهر من مظاهر الحراسة.
دخلت نِيَا إلى الداخل وهي تحاول إخفاء خيبة أملها.
وعلى خلاف المظهر الخارجيّ البالي، كان الداخل مرتّبًا على نحوٍ مفاجئ.
لم يكن القصر فخمًا كما تخيّلته، لكنّ الأجواء كانت دافئة، وزاخرة بتفاصيل صغيرة لطيفة، فأشرق وجه نِيَا قليلًا.
وبينما كانت تتلفّت حولها بفضول، سألت شين.
“أم… أين الأشخاص الذين يساعدون في العمل هنا؟“
“……؟“
أجابها شين بتردّد.
“تأتي الخادمات مرّتين أو ثلاثًا في الأسبوع للاهتمام بالأعمال المنزليّة، لكنّ اليوم ليس موعد حضورهنّ. الخادم الوحيد هنا هو أنا.”
“ماذا؟ أليس في بيوت النبلاء خادمات وفرسان؟“
“……”
حينها فقط أدرك شين الحقيقة.
‘لقد جاءت دون أن تعرف شيئًا حقًّا…….’
شعر بالعجز.
كان يظنّ أنّ أليكس قد شرح لها الأمر إلى حدٍّ ما، لكنّ نِيَا لم تكن تحمل سوى التساؤلات.
إن أخبرها بالحقيقة الآن، فقد تبكي وتصرّ على العودة، وذلك سيضعه في موقفٍ صعب، لكن قبل أن تلتقي بتلك المرأة، لا بدّ من إيضاح الأمر.
وبهذا القرار، فتح شين فمه.
“هناك أمر واحد يجب أن أقوله لكِ بوضوح، يا نِيَا.”
“نعم؟“
“هذا ليس قصر نبلاء.”
“……؟“
اتّسعت عينا نِيَا دهشةً.
“ألم أُتبنَّ في دوقيّة؟“
“يبدو أنّ الخبر نُقل على نحوٍ مغلوط أثناء إجراءات التبنّي.
صحيح أنّكِ تبنّتكِ كونتيسة، لكنّها في وضعٍ لا يسمح لها بالإقامة في قصر الدوق، ولهذا تعيش في هذا القصر الآن.”
“لماذا… لماذا؟“
ابتسم شين ابتسامةً خفيفة وقال.
“لأنّها ارتكبت أفعالًا سيّئة وطُردت.”
“……”
“وكنت أنوي أن أعرّفكِ بها فورًا. من هنا، من فضلك.”
قاد شين نِيَا، التي كانت لا تزال تحت وطأة الصدمة، بلا اكتراث.
وتوقّفا أمام غرفةٍ في الطابق الأوّل.
طرق شين الباب مرّتين، ثمّ فتحه.
“……”
ما إن رأى ما في الداخل، حتّى أطلق شين زفرةً طويلة.
أمّا نِيَا، التي كانت تقف خلفه، فلم ترَ شيئًا بعد، فاكتفت بالنظر إليه بوجهٍ حائر.
“أعتذر، لحظة واحدة……”
قال ذلك، ثمّ دخل الغرفة وحده.
ولأنّه لم يُغلق الباب تمامًا، انفتح قليلًا مُصدرًا صريرًا خافتًا.
لم تستطع نِيَا كبح فضولها، فنظرت من شقّ الباب.
رغم أنّ الوقت كان نهارًا، إلّا أنّ الغرفة كانت مظلمة.
فقد أُسدلت الستائر بالكامل.
أوّل ما لفت نظرها كان زجاجات الخمر الملقاة على الأرض.
وبينما كانت تحدّق في عددها الكبير، رفعت نِيَا بصرها.
كانت هناك امرأة مستلقية فوق الطاولة.
“سيدتي الكونتيسة.”
ربّت شين على كتف المرأة برفق.
عندها فقط رفعت المرأة رأسها، وانسدل شعرها الذهبيّ الطويل.
كانت جميلةً إلى حدٍّ جعل فوضى المكان من حولها تبدو غريبة عنها.
ومع كلّ رمشة، كانت رموشها الذهبيّة ترتعش برفق.
‘واو……’
كانت لا تزال تبدو ناعسةً، لكن في نظر نِيَا، كانت أجمل شخص رأته في حياتها.
وبنبرة توبيخ، قال شين.
“هل شربتِ الخمر مرّةً أخرى على معدةٍ فارغة؟ هل تنوين الموت باكرًا؟“
“اخرس… إن كنت ستثرثر، فاخرج…….”
تفوهت المرأة بشتيمةٍ بصوتٍ غارقٍ في النعاس، لكنّ شين بدا معتادًا على ذلك، فلم يُعره اهتمامًا.
“……؟“
ثمّ فجأة، اتّجهت عينا المرأة الحمراوان نحو نِيَا.
وبنبرة خالية من أيّ اهتمام.
“ما هذا؟“
“ألم أخبركِ من قبل؟ إنّها هديّة الدوق.”
فتح شين الستائر على مصراعيها، فغمرت أشعّة الشمس الغرفة في لحظة.
سخرت المرأة وهي تمرّر يدها في شعرها.
“هاه، طردوني حينما خافوا أن أجلب العار للعائلة، والآن يرسلون لي هديّة؟“
مهما قالت، لم يُعرها شين اهتمامًا، وأخذ يجمع الزجاجات المبعثرة.
“أرسلي رسالة شكر على الأقلّ. عليكِ أن تُظهري نفسكِ بأفضل صورة إن أردتِ العودة إلى القصر.”
“أن أزحف وأتوسّل للعودة إلى ذلك القصر؟ أفضل أن أشيخ وأموت هنا.”
ما إن أنهت كلامها، حتّى صرفت نظرها، دون أن تمنح نِيَا أيّ اهتمام.
“هديّة أو لا، حضّر لي شيئًا يخفّف هذا الصداع. معدتي تنقلب.”
“اطلبي ذلك من الخادمة.”
وبعد أن جمع الزجاجات على عجل، توجّه شين نحو الباب.
وقبل أن يخرج، ألقى جملةً أخيرة.
“تبادلا التحيّة على الأقلّ. ستعيشان معًا من الآن فصاعدًا.”
“يا للسخافة.”
ضحكت المرأة بسخريةٍ فوريّة.
“سأعود حالًا، يا نِيَا.”
قال شين ذلك، ثمّ أشار إليها بعينيه، كأنّه يقول إنّ دخولها لا بأس به.
وبعد أن غادر نحو المطبخ، تقدّمت نِيَا بتردّد ودخلت الغرفة أخيرًا.
“……”
أسندت المرأة ذقنها إلى يدها، وحدّقت في نِيَا ببرودٍ تامّ.
راحت نِيَا تعبث بأصابعها، تمسك بطرف ثوبها ثمّ تتركه، مرارًا وتكرارًا، قبل أن ترفع رأسها وتلتقي بعيني المرأة مباشرةً.
وبوجهٍ متورّد، نطقت بكلمةٍ واحدة.
“أمّي!”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 3"