2
استمتعوا
الكلمةُ التي تفوّه بها هيو لم تكن جوابًا عن سؤال نِيَا، بل كانت كلامًا آخر.
رمشت نِيَا بعينيها في حيرة.
وعندما رأى هيو تعبيرها، قال بصوتٍ مختنق.
“قد يكون الأمر خطيرًا. ليس أيّ مكان، إنّها دوقيّة هارتليس.”
“…… آه، تقصد أنّني سأتبنّى؟“
أدركت نِيَا متأخّرةً معنى كلامه.
غير أنّ نِيَا، وهي صاحبة الشأن، لم تكن قد سمعت سوى أنّها ستذهب إلى دوقيّةٍ ما، بينما كان هيو يعرف بالفعل اسم العائلة التي ستتولّى تبنّيها.
‘هارتليس؟‘
مالت نِيَا برأسها عند الاسم الغريب.
دوقيّة هارتليس.
كانت على عداءٍ طويل الأمد مع دوقيّة لوبيز، لكن بعد أن ارتبطت دوقيّة لوبيز بالعائلة الإمبراطوريّة، باتت نتيجة الصراع محسومة.
وفوق ذلك، وبسبب حادثةٍ ما، تلطّخت السمعة التي كانت قد بلغت عنان السماء تلطّخًا شديدًا.
وأضحى جميع سكّان الإمبراطوريّة اليوم يشتمون دوقيّة هارتليس ويشيرون إليها بأصابع الاتّهام.
وطبعًا، لم تكن نِيَا، التي لم تُعر اهتمامًا قطّ للمجتمع الأرستقراطي، تعلم شيئًا من ذلك.
“هيه، لن يكون مكانًا سيّئًا. إنّه المكان الذي اختاره أبي، أليس كذلك؟“
“ليس مكانًا سيّئًا؟!”
صرخ هيو غاضبًا.
ارتجفت نِيَا فزعًا، إذ كانت تلك المرّة الأولى التي تسمع فيها صوته مرتفعًا إلى هذا الحدّ.
“أنتِ لا تعرفين، لهذا تقولين ذلك. تلك العائلة… إنّهم أوغاد.”
“…… ما معنى أوغاد؟“
“أعني أنّ الأمر قد يكون خطيرًا، يا نِيَا.”
قبض هيو يده بقوّة.
وكان في عينيه البنفسجيّتين لمحة حزنٍ موجعة.
“هيو……”
نظرت إليه نِيَا بقلق.
لكنّ الكلمات التي تلت ذلك كانت صادمةً لها.
“يا نِيَا، لنَهْرُب.”
“ماذا؟!”
قفزت نِيَا فجأةً من شدّة الصدمة، حتى إنّ ذيلها وشاربي القطّ برزا دون أن تشعر.
مسحت خدّيها على عجل لتُخفي الشوارب، ثمّ صاحت بارتباك.
“ما الذي تقوله؟ لو فعلنا ذلك فسيحزن أبي والأخوات!”
“أنا أيضًا لم أكن أفكّر كثيرًا في الأمر من قبل. ولم يكن لديّ نفورٌ كبير من فكرة بيعي.”
قال هيو بصوتٍ يفيض رجاءً.
“لكن… إن لم نُعامَل معاملةً طبيعيّة، فالأمر يختلف، أليس كذلك؟“
“……”
كانت نِيَا تعلم أنّها لو قالت نعم هنا، لتمكّن الاثنان من مغادرة هذا المكان في الحال.
فقد كانت قدرات هيو السحريّة على هذا القدر من القوّة.
لكنّ نِيَا لم تُجب بالجواب الذي كان يتمناه.
“…… لا.”
كان صوتها يرتجف.
“لقد وعدتُ أبي. أن أكون كاتشا طيّبة لا تُسبّب المتاعب……”
“……”
كما لو كان قد توقّع ذلك، ارتسمت على وجه هيو ابتسامة مريرة.
فنِيَا كانت دائمًا كاتشا مطيعةً وصالحة.
على عكسه تمامًا.
“…… إذًا، يا نِيَا.”
قال هيو وهو ينظر في عينيها مباشرةً، بصوتٍ حازم.
“اصمدي قليلًا فقط، إلى أن أكبر أكثر. سآتيكِ سريعًا.”
“هاه……؟“
تصمد؟
لم تفهم نِيَا ما الذي يعنيه.
“……!”
لكن في اللحظة التي همّت فيها بالسؤال، وصل إلى مسامعها صوت أحد الموظّفين من آخر الرواق.
فاستدارت نِيَا على عجل.
“على أيّ حال، سأعود غدًا. ولا تستخدِم السحر، وابقَ هادئًا!”
“…… كلامكِ يشبه كلام الموظّفين يا نِيَا.”
“فهمت؟ إنّه وعد!”
تركت نِيَا تلك الكلمات خلفها، ثمّ أسرعت بالخروج من الرواق.
***
في تلك الليلة، لم تستطع نِيَا أن تنام بسهولة.
كان القلق على هيو يثقل قلبها.
وبعد تقليبٍ طويل، نهضت من سريرها.
‘اصمدي قليلًا فقط، إلى أن أكبر أكثر. سآتيكِ سريعًا.’
ظلّ كلام هيو يتردّد في ذهنها.
وكانت ملامحه حين قال ذلك مختلفةً عن المعتاد، بلا شكّ.
‘هل أذهب لأراه ولو للحظة……؟‘
كانت تعلم أنّها ستُوبَّخ إن كُشف خروجها من الغرفة في ساعةٍ متأخّرة، لكنّ نِيَا قرّرت هذه المرّة أن تخالف القواعد لمرةٍ واحدة.
فقلقها على هيو كان أعظم من أيّ شيء.
تحوّلت نِيَا إلى قطّة، وسارت وهي تكتم وقع خطواتها قدر الإمكان، متّجهةً نحو الرواق الذي تقع فيه الزنزانة.
‘هاه؟‘
لكن كلّما اقتربت، بدا الرواق صاخبًا على نحوٍ غريب.
وكان الوقت فجرًا، كما أنّ المكان في الأصل نادرًا ما تطؤه الأقدام.
شعرت نِيَا بالريبة، فعادت إلى هيئتها البشريّة، وأخرجت رأسها بحذر من خلف الزاوية.
فرأت أليكس وعدّة موظّفين واقفين أمام زنزانة هيو.
وكان باب الزنزانة مفتوحًا على مصراعيه.
لكنّ هيو لم يكن في أيّ مكان.
“في يومٍ مهمّ كهذا، لا بدّ أن يُحدث مشكلة في النهاية……”
تمتم أليكس بتعب.
فسأله أحد الموظّفين.
“ماذا نفعل؟ هل نستدعي ساحرًا ونستخدم سحر التتبّع؟“
“لا داعي. التخلّص من بضاعة لا يمكن السيطرة عليها هو الصواب. حتى لو قبضنا عليه، فبما أنّ روح التمرّد قد تولّدت لديه، فسيواصل الهرب بلا شكّ. وتكلفة البحث عنه ستكون أعلى بكثير.”
تخلّى أليكس عن هيو بسهولة.
بل بدا وكأنّه كان يتوقّع ذلك منذ البداية.
‘…… بضاعة؟‘
كانت كلمةً لم تسمعها نِيَا قطّ في حياتها.
تنفّس أليكس الصعداء بعمق.
“لهذا قلت إنّه لا ينبغي جلب الهجين من الأساس. أضعنا المال عبثًا.”
وكان وجهه، على خلاف ما يُظهره أمام نِيَا، باردًا إلى حدٍّ قاسٍ.
قال للموظّفين الواقفين إلى جانبه.
“ركّزوا الآن على نِيَا فقط. من الممكن أنّ هيو قال لها كلامًا فارغًا قبل هربه، لذا راقبوها جيّدًا.”
“نعم، مفهوم.”
وبعد أن تلقّى الإجابة، فكّ أليكس ربطة عنقه بضيق.
“عرق الكاتشا بارعٌ جدًّا في الهروب. لذلك يجب أن نُحسن التصرّف معهم. فإن هربوا بعد التبنّي، فالتعويض يقع كلّه على عاتقنا.”
“……”
ما إن سمعت نِيَا ذلك، حتّى أدارت ظهرها وركضت في الاتّجاه المعاكس.
كان عقلها في فوضى عارمة.
هيو هرب؟
وأليكس تخلّى عنه بهذه السهولة؟
ركضت نِيَا دون أن تلتفت، وقلبها مثقلٌ بأفكارٍ متشابكة.
***
مرّت أيّام، واقترب موعد تبنّي نِيَا.
“كم هذا رائع~! قالوا إنّها دوقيّة، أليس كذلك؟“
“نِيَا ستبدو كالأميرة حتمًا حين ترتدي الفستان!”
انهالت عليها كلمات التهنئة المليئة بالحسد من حولها، لكنّ وجه نِيَا ظلّ قاتمًا.
‘هيو لم يعد.’
هل سيبقى الأمر هكذا؟
هل لن تراه مجدّدًا أبدًا؟
منذ ذلك اليوم، امتلأ عقل نِيَا بأفكار هيو وحده.
على الرغم من أنّهم زيّنوها بعنايةٍ من أجل التبنّي، وألبسوها أكثر فساتينها المفضّلة، إلّا أنّ مزاجها لم يتحسّن قيد أنملة.
تبعت نِيَا أحد الموظّفين، متّجهةً إلى أكبر غرفة في متجر القطط.
كانت الغرفة التي يستخدمها أليكس عادةً لاستقبال الضيوف.
وحين دخلت، كان أليكس يتحدّث بالفعل مع شخصٍ آخر.
وسمعت على عجلٍ شيئًا من حديثهما.
“لا بدّ أنّك تعبت كثيرًا في رعاية تلك المرأة، يا شين.”
“لا يسعني إلّا أن أشكرك على اهتمامك.”
ابتسم الرجل المدعو شين ابتسامةً لزجة.
وكان يبدو غير راضٍ عن شيءٍ ما.
وفي تلك اللحظة، لاحظ أليكس وجود نِيَا فابتسم.
“نِيَا.”
وبذلك، تحوّل نظر شين إليها أيضًا.
وعلى عكس ملامحه العابسة قبل قليل، ابتسم شين بلطف حين التقت عيناه بعيني نِيَا.
“مرحبًا يا نِيَا. تشرفت بلقائك.”
كان رجلًا ذا شعرٍ أخضر طويل مربوطٍ بإحكام.
ومن خلف نظّارته ذات الإطار الزاويّ، بدت عيناه الرماديّتان، بلونٍ يماثل لون عيني أليكس.
“أنا شين، كبير خدم دوقيّة هارتليس. أتطلّع للعمل معك من الآن فصاعدًا.”
ورغم تحيّته، ورغم وسامته التي توحي بانطباعٍ حسن منذ اللحظة الأولى، لم تقل نِيَا شيئًا، وبقيت صامتة.
حينها ابتسم أليكس وقال لها.
“يا نِيَا، عليكِ أن تكوني هادئةً وطيّبة هناك أيضًا، مفهوم؟“
“……”
لو كانت نِيَا كما كانت من قبل، لابتسمت وأجابت فورًا.
لكنّ نِيَا الآن، لم تستطع إلّا أن تشكّ في كلام أليكس.
‘إن لم أكن هادئةً وطيّبة، هل سيطردونني أنا أيضًا؟‘
هل سيتخلّى عنها بسهولة، كما تخلّى عن هيو؟
شعرت نِيَا بخوفٍ غامض.
“……؟“
وبسبب صمتها، ارتسمت الحيرة على وجه شين.
‘هل خافت لأنّها ستذهب إلى مكانٍ غريب فجأة؟‘
أم ربّما كانت قد سمعت الشائعات عن الكونتيسة بالفعل؟
وبعد أن أنهى تفكيره، نظر شين إلى نِيَا مبتسمًا.
“قلتِ إنّ اسمكِ نِيَا، أليس كذلك؟ إنّه اسمٌ جميل.”
“…… شكرًا لك.”
“لا تقلقي كثيرًا. إن كنتِ متوتّرة، هل نذهب ونحن متشابكو الأيدي؟“
كان كلام شين مليئًا باللطف.
وبما أنّ نِيَا كانت تحبّ الإمساك بالأيدي، لم ترفض، وأمسكت بيده الممدودة بإحكام.
وكانت دافئة.
***
ودّعت نِيَا الموظّفين والأصدقاء الذين تعلّقت بهم، لكنّ الحزن لم يفارقها.
حتى بعد أن صعدت إلى العربة مع شين، ظلّ الشعور ذاته يلازمها.
ساد الصمت داخل العربة طوال الطريق.
“……”
نظر شين إليها من حينٍ لآخر، ثمّ فتح الحديث بحذر.
“يبدو أنّ ما سمعته يختلف قليلًا عن الواقع. لم أسمع من قبل عن كاتشا تحمل هذا القدر من الكآبة على وجهها.”
كان مزاحًا لكسر الجمود، لكنّه لم يخلُ من الصدق.
فقد سمع عن نِيَا أنّها دائمًا مفعمة بالحيويّة ومشرقة، ولذلك لم يكن أمامه إلّا أن يستغرب، وهي لا تبتسم مرّةً واحدة، وملامحها كئيبة طوال الوقت.
“هل تشعرين بالحزن لأنّكِ افترقتِ عن أصدقائكِ؟“
كان يعلم أنّ أجواء متجر القطط جيّدة إلى حدٍّ كبير، ولذلك سألها، لكنّ نِيَا هزّت رأسها نفيًا فقط.
وبعد تردّدٍ قصير، فتحت نِيَا فمها أخيرًا.
“في الحقيقة…… أحد أصدقائي اختفى منذ أيّام.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 2"