1
استمتعوا
“آهاهاها!”
داخل قصرٍ ريفيٍّ عتيق.
دوّى صوتُ ضحكةٍ ساخرةٍ مشوبةٍ بالاستهزاء.
“صحيح، شريرةٌ باتت حتّى أسرتها تُدير لها ظهرها.”
قالت أزور بابتسامةٍ لزجة.
كانت سخريةً وجّهتها إلى نفسها.
أزور هارتليس.
كانت يومًا ما جمالًا آسرًا تتغنّى به البلاد، وزهرةَ المجتمع المخمليّ التي تحظى بإجلال الجميع.
لكنّ الزهرة ذبلت منذ زمنٍ بعيد.
لم يبقَ إلى جوارها شيء.
لا من ثروةٍ ولا من مجد.
ما يحيط بها الآن ليس سوى قصرٍ ريفيٍّ بالٍ، وملابس رثّة لا تُقارن بما كانت ترتديه في الماضي، وزجاجاتُ خمرٍ تتدحرج كلّ يومٍ على الأرض.
قبل أعوامٍ قليلة فقط، كانت تعيش في بذخٍ لا حدّ له.
بصفتها الابنةَ الوحيدة لدوقيّة هارتليس، وخطيبةَ وليّ العهد، تمتّعت بثروةٍ طائلة.
كلّ ذلك كان، بالنسبة إلى أزور، حقًّا طبيعيًّا تنعّمَت به منذ ولادتها.
لكنّ حياتها بدأت في الانهيار منذ اندلاع النزاع بينها وبين الآنسة لُوبيز.
“أليس مضحكًا؟ أن تُنفى نبيلةٌ، جنّت من شدّة ولعها برجل، بعد أن ارتكبت شتّى الحماقات، إلى هذا الريف القاحل.”
وفي النهاية، انتُزع منها حتّى خطيبها، على يد الآنسة لُوبيز، صديقة طفولتها.
لم يستغرق الأمر سوى لحظاتٍ حتّى وُسِمَت أزور بلقب الشريرة.
أدار الجميع ظهورهم لها.
وأشار إليها الجميع بأصابع الاتّهام.
لم يعد يُسمح لها بدخول المجتمع الراقي أبدًا.
وقد كُتِب عليها أن تعيش بقيّة عمرها وتموت في هذا الريف.
“……”
وهي تنظر إلى أزور، التي كانت ترثي حالها، فكّرت نيّا.
‘إنّها… إنّها…’
مسكينةٌ جدًّا!
كيف يمكن لإنسانٍ أن يكون بهذه القسوة عليه القدر؟
في عيني نيّا الطفلة، لم تكن أزور سوى شخصٍ يبعث على الشفقة.
بالنسبة إلى نيّا، كانت أمًّا لا ينقصها شيء.
الأجمل في العالم، والأطيب في العالم.
ثمّ…… كانت تجيد شرب الخمر أيضًا!
تمنّت نيّا أن تكون أزور سعيدة.
أكثر من أيّ شخصٍ آخر!
ولهذا، وضعت يديها على خصرها، وهتفت بثقة.
“لا تقلقي يا أمّي. فالرجال في هذا العالم كُثُر!”
اتّخذت نيّا قرارها.
لهذه الشريرة المسكينة.
ولأمّها.
أن تجد لها حبًّا جديدًا!
“……”
غير أنّ ردود الفعل من حولها كانت باردةً حدّ القسوة.
***
“ما ألطفها!”
“مهلًا، ستستيقظ. اخفضي صوتكِ!”
تجادل الموظّفون المتجمّعون في المكان.
وفي وسطهم، كانت قِطّةٌ تنام ملتفّةً في حضن إحدى النساء.
كان فراؤها الأبيض ناعمًا كالغيم، وجسدها صغيرًا، ما يدلّ على حداثة سنّها.
قطّةٌ تمتلك من اللطافة ما يجعل أيّ ناظرٍ إليها يقبض على قلبه من شدّة الإعجاب.
“إنّها لطيفةٌ حقًّا. ما رأيكم لو أخذتُها معي؟“
“لا تفكّري حتّى في ذلك. أنتِ تعلمين كم يبلغ ثمن كاتشا.”
“تبا، كان ينبغي لها أن تولد نبيلة.”
تذمّر أحد الموظّفين.
حتّى تربيةُ حيوانٍ أليفٍ رائع تحتاج في النهاية إلى مكانةٍ اجتماعيّة!
وافقه الآخرون، وبدأوا يضيفون تعليقاتهم.
“شش!”
رفعت الموظّفة التي كانت القِطّة على ركبتيها سبّابتها على عجل.
فحلّ الصمت في المكان فورًا.
لكن بدا أنّ القِطّة قد استيقظت بالفعل، إذ فتحت عينيها على اتّساعهما.
رفرفت بجفنيها مرّتين، ثمّ تمدّدت وتثاءبت.
وفي اللحظة التي قفزت فيها عن الركبة إلى الأرض، دوّى صوت “فُووم!”، والتفّ دخانٌ أبيض حول جسدها.
وحين استقرّت على الأرض، كانت قد تحوّلت إلى هيئة إنسان.
طفلةٌ لا تبدو في السابعة من عمرها بعد.
كان شعرها الأبيض الناعم مربوطًا بضفيرتين منخفضتين، وعيناها الزرقاوان صافيتين متلألئتين كالجواهر.
كما كانت في هيئة القِطّة، فاضت باللطافة من كلّ جانب.
“يا لها من… مهما رأيناها لا نملّ.”
تمتم أحد الموظّفين.
وجميع من في الغرفة راقبوها بوجوهٍ متورّدة.
كاتشا، نيّا.
وُلدت ونشأت في هذا المكان، وكانت أكثر كاتشا نالت حبّ الموظّفين.
ولهذا، لم يكن من الصعب توقّع شخصيّتها.
شبكت نيّا ذراعيها، وقالت بفخر.
“أخواتي! أنا جائعة!”
كانت واثقةً إلى حدّ مذهل.
وفور نطقها بذلك، اندفع الموظّفون من حولها واحدًا تلو الآخر، يُحدِثون ضجّةً وهم يركضون نحو الباب.
“انتظري! كنت قد اشتريت لكِ طعامًا لذيذًا أصلًا!”
“لا، اليوم دوري!”
“سأجلب ألعابًا أيضًا!”
“أحضري الكثير!”
لوّحت نيّا بيدها مبتسمةً، وكأنّ المشهد مألوفٌ لها.
وخلال لحظات، خلا المكان تمامًا.
“هوب.”
جلست نيّا على الكرسيّ بانتظارهم.
لم يمضِ وقتٌ طويل، لكنّ الانتظار كان مملًّا دائمًا.
فراحت تتأمّل الغرفة لتقتل الملل.
كان المبنى، الذي لا يقلّ فخامةً عن قصرٍ نبيل، نظيفًا وواسعًا.
كان هذا متجرًا لإدارة وتبنّي كاتشا، وهم سلالة من البشر القطط.
صحيح أنّ الكاتشا قادرون على اتّخاذ هيئةٍ بشريّة، ويمتلكون ذكاءً مماثلًا، لكنّ النبلاء الكبار كانوا لا يزالون ينفرون منهم، فكانوا يُعامَلون أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر.
‘ترى، أيّ نوعٍ من الوجبات سيجلبن لي؟!’
بالطبع، نيّا، التي نشأت في المتجر، لم تكن تدرك شيئًا من شؤون العالم.
الأخوات يعاملنها بلطف، والطعام والحلوى لا تنقطع، والنوم مريح، وأماكن اللعب كثيرة.
بالنسبة إليها، كانت سبع سنواتٍ في المتجر حياةً مرضيّة تمامًا.
“نيّا.”
بينما كانت تنتظر، دخلت إحدى الموظّفات الغرفة.
“المدير يريد رؤيتكِ.”
“أبي؟“
“نعم. سأصطحبكِ إليه.”
أشرقت ملامح نيّا.
قفزت عن الكرسيّ، وأمسكت بيد الموظّفة بإحكام.
***
“أبي!”
اندفعت نيّا إلى الغرفة فور فتح الباب.
ابتسم أليكس، الذي كان يقرأ الأوراق.
فتح ذراعيه بحنان.
“تعالي إلى هنا، يا نيّا.”
من دون تردّد، ارتمت نيّا في حضنه، فجلسها على ركبتيه بمهارةٍ اعتادها.
كان أليكس أحبّ شخصٍ إلى قلب نيّا في هذا العالم.
كان مدير المتجر، ونبيلًا من أسرةٍ معروفة.
بمظهره الأنيق ولطفه مع جميع الكاتشا، كان الأطفال ينادونه “أبي“.
ونيّا لم تكن استثناءً.
أمسك أليكس خدّيها، وقال بقلق.
“هل تأكلين الحلوى جيّدًا؟ لماذا خدّاكِ غائرتان هكذا؟“
“لا، لا! أنا آكل كثيرًا! الأخوات يعطينني أشياء لذيذة دائمًا!”
“يا لها من راحة أنّكِ محبوبة. ومن تكون نيّا أصلًا؟ من الطبيعيّ أن تُعامَل معاملةً ثمينة.”
ضحكت نيّا بمرح.
كان سماع مثل هذه الكلمات أمرًا اعتياديًّا لديها.
“لماذا استدعيتني اليوم؟ لديّ ملابس جديدة كثيرة!”
“للأسف، لم أستدعكِ لأجل هديّة. لكن لديّ خبرٌ أفضل.”
أفضل من الهدايا؟
تلألأت عينا نيّا.
“نيّا، لقد تقرّر مكان تبنّيكِ.”
“……!”
ازدادت ابتسامتها إشراقًا.
كان التبنّي يُعدّ أمرًا حسنًا جدًّا في نظر الكاتشا.
فالعمّال ملأوا رؤوسهم بأحلام العائلة.
“إنّها أسرة دوقيّة.”
“أسرة دوقيّة…!”
عدّت نيّا على أصابعها، ثمّ رفعت رأسها بعينين لامعتين.
“إنّها الأعلى بعد العائلة الإمبراطوريّة!”
“أحسنتِ، يا نيّا. أنتِ ذكيّة.”
ابتسم أليكس وربّت على رأسها.
“ستُحَبّين هناك أيضًا. من يستطيع ألّا يحبّكِ؟“
“هيهي.”
“لو كان كلّ الأطفال مثلكِ، لما أتعبني شيء.”
“لكنّ أصدقائي طيّبون أيضًا. ويسمعون كلامك!”
“صحيح. باستثناء واحدٍ فقط.”
تحوّل صوت أليكس فجأةً إلى برودة.
وكانت نيّا تعلم مَن يقصد.
“…هيو؟ هل تسبّب بمشكلةٍ مجدّدًا؟“
هيو، صديق طفولتها، وأحد الكاتشا القلائل الذين امتلكوا قوى سحريّة.
على الرغم من ارتدائه سوار التحكّم، كان قادرًا على استخدام السحر، مما أرهق الموظّفين.
كان يتعمّد استخدامه، رغم علمه بأنّ ذلك يثير غضب أليكس.
وحين نظرت نيّا إليه بقلق، عاد أليكس إلى ابتسامته المعتادة.
“لا شأن لكِ بهذا، يا جميلتي. لم يبقَ على التبنّي وقتٌ طويل. عيشي كعادتكِ حتّى ذلك الحين.”
“…حسنًا.”
أومأت نيّا برأسها بخفوت.
***
بعد لقائها بأليكس، توجّهت نيّا إلى ممرٍّ خالٍ.
ومشت بخفّةٍ كي لا يراها أحد، حتّى وصلت إلى وجهتها.
كانت غرفة العزل.
حيث يُحتجز الكاتشا الذين يثيرون المشكلات.
ندرت حالات العقاب، لأنّ معظمهم كانوا مطيعين.
باستثناء واحدٍ فقط.
“هيو!”
طرقت نيّا الزجاج بقبضتها الصغيرة.
في الداخل، كان هناك طفلٌ ذو شعرٍ أسود.
هيو.
كان من المفترض أن يكون نائمًا، لكنّه جلس ينظر إلى الخارج بوجهٍ عابس.
وحين سمع الصوت، التفت نحوها.
“لماذا أتيتِ؟ لو أُمسكتِ، ستُعاقَبين معي.”
“لكنّك وحدك دائمًا……”
تنفّس هيو بعمق.
نظرت إليه نيّا بعينين دامعتين.
“وعدتني ألّا تستخدم السحر بعد الآن. لماذا فعلت ذلك مجدّدًا؟“
“……”
ظلّ صامتًا، ثمّ قال أخيرًا.
“…لا تذهبي.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 1"